إسلام أون لاين/دعوة ودعاة
 
بريدك الإلكتروني
الصفحة الرئيسة  | دعوة ودعاة   
 

بحث        |  بحث متقدم  |  لوحة المفاتيح العربية

الجنس في خطاب الدعاة

"التربية الجنسية".. هل تجد آذانا صاغية؟

إعداد: عادل إقليعي**- 24/08/2004

التربية الجنسية هل تجد آذانا صاغية؟

بالرغم من حالات التكتم والغموض السائدة في مجتمعاتنا فيما يتعلق بموضوع "الثقافة الجنسية"، فإنه لا بد من وقفات عميقة لإزاحة الغبار عن هذه الأسئلة "الحرجة"، التي ما زالت تضرب في أعماق مجتمعاتنا، متمظهرة في عدة سلوكيات منحرفة، بحجة أنها من المحرمات التي لا خوض فيها بحكم العادة أو الحياء، أو بسبب المعالجات السطحية لتلك القضايا من طرف بعض الدعاة، والتي لا تنفك عن سبّ وشتم لمرتكبيها دون تقديم وسائل عملية وتوضيحات كافية، ولا شك أن الغوص في هذا المضمار يتطلب منا الشجاعة الكافية والمعالجة المؤصلة لنواجه هذه الظاهرة بصراحة وموضوعية، عوضا عن أن نترك الحبل على الغارب، ونكتفي بالصياح الذي لا يقدم ولا يؤخر.

في عالم الأسرار والغموض ينشأ الانحراف

تعتبر الأسرة الخلية الأولى في بناء المجتمع، وبصلاحها يصلح، وبفسادها وانحرافها يزيغ المجتمع عن جادة الطريق، ولذلك نعتقد أنه ينبغي أن يسود هذه الخلية جو من التفاهم والحوار والمصارحة بين جميع أفرادها، يقول الشيخ إدريس بنزاكور–خطيب جمعة-: "إن الحوار الأسري مبدأ عظيم وأساس متين يحمي الأسرة من كوابيس الانحرافات".

وحتى نكون أكثر صراحة فإن هذا الغموض والانطواء على الذات، كثيرا ما يكون سببا لانفجار "ظواهر جنسية" خطيرة؛ سواء على مستوى الأبناء والبنات، كاللواط أو السحاق، أو العادة السرية أو الزنى، أو إدمان المواقع الإباحية والمشاهد الماجنة، أو على مستوى الزوجين، كالخيانة.

لماذا نحوم حول الحمى؟

لماذا نتعامل مع الأمر وكأنه سر دولة؟! هكذا همس لي الشاب إدريس –28 سنة- في معرض حديثه لي عن المعاناة التي واجهها أثناء ليلة زفافه والسنوات الأولى من الزواج، وأضاف: "للأسف الشديد كنت أتمنى أن يصارحني أبي أو من يقومون بمثل دوره في التربية كالوعاظ والأساتذة بكيفية التصرف ليلة الزفاف، بل لا يسمح لنا حتى بطرح السؤال أو الاقتراب من الموضوع، مما سبب لنا الكثير من المشكلات في السنوات الثلاث الأولى من الزواج كنا نواجهها بالخجل والخوف والممارسات المغلوطة؛ لأننا كنا نُصَد دائما عند السؤال بمقولة: هذا عيب لا يجوز الحديث عنه".

وقد فتحنا نقاشا مع أحد الآباء حول المصارحة الجنسية مع الأبناء، فقال السيد عبد الحميد شوقي – سائق 46 سنة-: "ليست لهذا الأمر أهمية، فكما خضنا نحن غمار التجربة ولم يعلمنا أحد، فعلى أبنائنا أن يتعلموا تلك الأمور"! ويضيف: "وأعتقد أن فتح نقاش مع الأبناء في هذه الأمور الحساسة سيفتح باب عدم الاحترام"!.

وعلى هذا الموقف يعلق الأستاذ عمر مكروم مدير مؤسسة البشارة للتعليم الخاص بالمغرب: "إن جهل الآباء بالتربية الجنسية يؤدي في كثير من الحالات إلى الفساد الأخلاقي والتحلل الاجتماعي، فقليل من المعرفة يجنبنا مشكلات تافهة قد تؤدي إلى كوارث اجتماعية خطيرة، المجتمع في غنى عنها، وإذا كان هناك آباء يعللون تهميش المصارحة الجنسية بسبب أنهم كذلك لم يعلمهم أحد، فأعتقد أن ذلك زمان وهذا زمان، فالآن هناك طفرة تقنية وسيل من القنوات الفضائية الماجنة، وآلاف المواقع الإلكترونية للجنس والشذوذ...".

ويضيف الأستاذ عمر: "ونعتقد أنه جاء الوقت لمحاربة هذه الأمية الجنسية كأولوية مجتمعية من خلال تخصيص حصص في المدارس للتربية الجنسية"، وكذلك من خلال قيام الدعاة والوعاظ ببسط هذه المسائل بنوع من الموضوعية والتفصيل.

وحول هذا الموضوع يضيف الدكتور عمرو أبو خليل الاختصاصي المصري في الطب النفسي: "إنني كطبيب أواجه يوميا في مركز الاستشارات النفسية والأسرية العديد من الحالات لمراهقين أوقعهم جهلهم في الخطأ وأحيانا في الخطيئة، وأزواج يشكون من توتر العلاقة أو العجز عن القيام بعلاقة كاملة، أو غير قادرين على إسعاد زوجاتهم، وزوجات لا يملكن شجاعة البوح بمعاناتهن من عدم الإشباع؛ لأن الزوج لا يعرف كيف يحققها".

ويضيف الدكتور أبو خليل: "ومع الأسف يشارك المجتمع في تفاقم الأزمة بالصمت الرهيب، حيث لا تقدم المناهج التعليمية – فضلا عن أجهزة الإعلام- أية مساهمة إيجابية حقيقية في هذا الاتجاه، رغم كل الغثاء والفساد على شاشاتها، والذي لا يقدم بالضرورة ثقافة بقدر ما يقدم صورا خليعة".

هل يتعارض مع الحياء؟

إن المقصود بـ"الثقافة الجنسية" أو "التربية الجنسية" هو تعليم الناشئة -فتى أو فتاة- وتوعيتهم ومصارحتهم منذ أن يعقلوا بالقضايا التي تتعلق بالجنس، وترتبط بالغريزة وتتصل بالزواج.

وفي هذا السياق يقول الشيخ عبد الباري الزمزمي رئيس جمعية البحوث والدراسات في فقه النوازل المتخصصة في فتاوى الأمور المعاصرة بالمغرب: "إن الثقافة الجنسية من العلم الذي أسسه القرآن الكريم وسنة النبي صلى الله عليه وسلم، ونجد لذلك نصوصا كثيرة في القرآن الكريم والسنة، ولو كان هذا الأمر يدخل في الحياء لكان صلى الله عليه وسلم أولى منا بعدم التطرق له، والذي هو: أشد حياء من العذراء في خدرها، كما ورد عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.

فالخوض في هذا الموضوع مشروع، وينبغي للمرأة والرجل أن يكونا واعيين بهذه الأمور الجنسية، وقد صنف الكثيرون كتبا في هذا الباب معروفة".

الشيخ باهشام بن سالم

ويضيف الشيخ باهشام بن سالم عضو رابطة علماء المغرب: "إن أمنا عائشة رضي الله عنها نقلت لنا حتى كيفية قبلة الرسول صلى الله عليه وسلم، فقالت: كان يمتص لساني، كما ورد في كتاب زاد المعاد، ثم هناك نصوص قرآنية وحديثية يمكن أن نستخلص منها قمة السعادة الجسدية لنكون أساتذة للعالم مع مراعاة حدود الحياء، فكل رجل يكتشف في زوجته ما يثير شهوتها، وكل امرأة تكتشف في زوجها ما يثير شهوته، لهذا نرى أن الإسلام لم يحجر على المسلم في هذا المجال، كما أنه لم يلقنه طريقة معينة، بل فتح له الباب في ذلك ليشبع رغبته، وكذلك الزوجة، وما جعل الزواج إلا للتحصين.

ويسبق الجماع المداعبة التي سماها الرسول صلى الله عليه وسلم بالرسول، فقال: "لا يأتي أحدكم أهله كالبهيمة، بل لا بد من الرسول"، قيل وما الرسول يا رسول الله؟؟ قال: "القبلة واللمسة".

هذا بعض ما يمكن أن يقال في هذا المجال الذي يسكت عنه الكثير من العلماء ويعرضون عن الحديث فيه مما يفسح المجال لشبابنا للتتلمذ على الغرب المنحرف الخبيث".

واقعية سامية ونظيفة

إن نظرة الدين الإسلامي إلى علاقة الرجل بالمرأة نظرة سامية بقدر ما هي واقعية، وإن سعي بعض العلماء والدعاة إلى تحجيم هذه العلاقة في أمور سطحية، غالبا ما يلفها نوع من الغموض والضبابية جعل كلمة "الطلاق" التي هي أبغض الحلال عند الله الحل السحري لكل كابوس منطلقه علاقة جنسية خاطئة.

فهذا السيد شعيب. ب – تاجر 31 سنة - يحكي عن معاناته في السنوات الأولى من الزواج: "إن تقاليدنا تعتبر الخوض في الموضوع الجنسي -في شكله الطبيعي والحلال- من المحرمات التي لا تثار ولا تناقش داخل الأسرة، وهذا فهم سيئ، لكن الأسوأ الذي عرفته فيما بعد هو أنني كلما حاولت استفسار علماء عن هذه الأمور الجنسية كطريقة المعاشرة وحدودها، أجده يتجهم في وجهي وكأني ارتكبت كبيرة، أو يلتف على المسألة، حتى اعتقدت أن الإسلام أهمل هذه القضايا تماما".

ويضيف الشاب جمال حمضي –موظف 28 سنة-: "تزوجت بفتاة قروية من عائلتي، كانت جميلة وخلوقة، وكنا متفاهمين جدا، ولكن بعد الزواج انقلبت كل تلك الموازين بسبب يتعلق بكيفية المعاشرة واللقاء في الفراش، فقد كانت تنهرني كلما حاولت تقبيلها من فمها أو ملاعبتها، وقد وصل الأمر إلى الطلاق بسبب تعنتها وتمسك والديها برأي أحد أئمة المساجد هناك الذي أوضح لهم أن طلبي المعاشرة بتلك الطريقة لا سند له في الإسلام!!".

وحكى لي أحد الأصدقاء -رفض ذكر اسمه- أن صديقا له ظل لسنوات يعاشر زوجته في دبرها دون أن يعلم أن ذلك حرام!!

هذه نماذج واقعية تمثل النتيجة الطبيعية لسوء تقدير بعض الدعاة والعلماء لأهمية "التوعية الجنسية"، والالتواء عليها بنصوص لا يتم فهمها الفهم الصحيح.

على هذا الفهم الخاطئ يعلق الدكتور عبد الحميد التمسماني خريج دار الحديث الحسنية بالرباط: "وضع الإسلام غريزة الجنس موضعها، فلم يحتقر ذلك النداء الطبيعي ولم يطالب الناس بالترفع عن الفطرة الإنسانية، فإن هذه النظرة المترفعة المعكوسة تؤدي إلى صراع تتعقد فيه نفوس الرجال والنساء، ومن ثم لا حاجة للكبت ولا سبيل إلى عقدة الذنب والشعور بالإثم، وإنما هناك منافذ وجدانية سلوكية أمام هذا التيار الدفاق".

وفي تقديمه لكتاب "ما يجوز وما لا يجوز في الحياة الزوجية" للعلامة عبد العزيز بن الصديق رحمه الله، يؤكد نجله العلامة المغربي عبد المنعم بن عبد العزيز بن الصديق أن مقصود المؤلف رحمه الله من هذا العمل هو الإصلاح وكذا تبليغ هذا الجانب الفقهي من الدين بعدما جهله الناس، وجمع شمل كثير من الأسر التي بدأ التصدع والانشقاق يدب إليها بسبب النفور وفتور العاطفة بين الزوجين، لقصور أحدهما أو كليهما عن ممارسة العواطف التي تتطلبها المعاشرة الزوجية، مما أدى إلى ضعف هذه العلاقة ونشأة بذرة الكراهية بينهما فيتسبب ذلك في الخصام والشجار ثم الفراق.

لماذا هذا السيل من الأسئلة؟

هناك عدة دراسات أجريت على كثير من المراهقين، تبيَّن من خلالها أنهم يفضلون طرح المسائل المتعلقة بالجنس على شباب مثلهم، ولا يهمهم أخلاق من يسألونه، بل إن بعضهم يتعمد سؤال الشاب المنحل خلقيا لأنه صاحب تجربة في ظنه، وأكيد أن لهذه الظاهرة نتائج سلبية يعاني من ويلاتها الأفراد والمجتمع على حد سواء.

ولا يخفى على أحد ما يدور في مجالس الشباب المتزوجين منهم والمقبلين و"المدبرين" من أحاديث مغلوطة حول كيفية المعاشرة الزوجية، ولعل أي متتبع لأي برنامج استشاري أو فتوى سيدرك الطامات الكبرى التي يعيشها شبابنا بسبب ما اقترفت أيدي بعض علمائنا ومناهج تعليمنا.

ومن جهتها تؤكد الأستاذة كوثر الخولي المحررة بالقسم الاجتماعي بموقع إسلام أون لاين.نت على أهمية الشبكة الإلكترونية في احتضان كثير من هذه الأسئلة، فتقول: "يبدو أن الإنترنت أصبحت المتنفس الحقيقي الذي من خلاله يستطيع الشباب التعبير عن مخاوفهم الجنسية بدون خجل أو كذب".

وتضيف الأستاذة كوثر: "لوحظ خلال الحوارات الإلكترونية التي نعقدها على الإنترنت أن مشكلات الزواج الجنسية لا تعترف باختلاف الجغرافيا ولا اللغة، فالمشكلة عالمية، كذلك لاحظنا تفشي ما يسمى بالأمية الجنسية لدى العديد من الشباب، سواء من المقبلين على الزواج أو المتزوجين حديثا؛ وهو ما أدى إلى ظهور العديد من المشكلات التي يمكن تجنبها بقليل من الوعي، وأيضا تأكد لدينا ضرورة الاهتمام بالثقافة الجنسية داخل الأسرة والمدارس والجامعات ووسائل الإعلام المختلفة، حتى نحمي مجتمعاتنا من ظواهر اجتماعية سلبية، مثل: الطلاق، الخيانة الزوجية، الاغتصاب... وغيرها".

شارك في ساحة الحوار حول:

اقرأ أيضًا:


** صحفي مغربي

عودة



دعوة للتأمل | زاد المسير  | قضايا معاصرة |  التواصل فن | تجارب دعوية | خدمات دعويةلقطة وفكرة

 

 

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع