فالفتوى
هي في حقيقة الأمر بيان لحكم الله
تعالى في الواقعات والحادثات، وهي حق
يحوزه الآحاد والجماعات، وشرطه
التبصر وإدراك نصيب وافر من أدوات
الاجتهاد والذائقة البحثية، وأهليته
تتحقق من خلال شهادة أهل العلم. وثمة
إجماع على كون الفتوى هي الرأي الشرعي
في مسألة ما على سبيل الاستشارة لا
الإلزام، بخلاف الحكم القضائي الملزم.
وبالطبع
فالأزهر هو في الأساس معهد علمي وليس
مؤسسة قضائية، وكونه يحاول إزالة
التوتر الناشئ في بعض الإشكاليات
الشرعية المعقدة لما توافر له من بيئة
علمية وأدوات اجتهادية وحظوة
تاريخية؛ فهذا ليس معناه أن يمارس
نوعًا من الولاية والوصاية على
الشريعة.
فالأزهر
مجمع من الفقهاء، و"الفقيه"
اصطلاح ذو دلالة مدنية، مقصود به
الخبير أو الاختصاصي في دراسة
الشريعة التي هي بالنسبة إليه مجال
معرفي وبحثي، بعكس مفهوم "رجل
الدين" ذي الدلالة الكَنَسية التي
تمثل التعاليم الدينية، له مجموعة من
الأسرار والرموز غير مسموح لأناس
آخرين بالتعامل معها، كما يرى الباحث
السوري جمال باروت.
ولهذا
السبب يمكن فهم رمزية الرفض القاطع
للإمام مالك لمحاولات أبي جعفر
المنصور بأن يعطي الأحكام الواردة في
كتابه "الموطأ" صفة القانون
الملزم لجميع المسلمين؛ بحجة توجيه
القضاء وتنظيم شئون الفقه. واكتفى
الإمام أن يكون كتابه موسوعة علمية
خاضعة للأخذ والرد -كما كان يردد
دائمًا- لا قانونًا يُقنَّن بقرار من
حاكم، وحرصًا منه على عدم فرض اجتهاده
على الناس، وأن يحرم الأمة من العمل
بآراء المجتهدين الآخرين؛ مما يؤدي
إلى القضاء على حرية الاجتهاد، ومبدأ
تعدد المذاهب في الفقه، ويصادر حقهم
في الاختلاف، وهذا ما يرفضه جمهور
الفقهاء الذين قرروا أنه لا يجوز لأي
مجتهد أن يفرض رأيه وحده.
وقد
تكرر نفس الموقف كثيرًا على مدى
التاريخ الإسلامي، وتجدد معه نفس
الرفض، مهما كان المقصد نبيلاً يُقصد
من ورائه الوحدة والقضاء على العيوب
الناشئة من تضارب وتعدد الجهات
والمدارس الشرعية.
في
هذا الملف نناقش هذه القضية، متتبعين
أولاً الأصول التاريخية لها، ثم
نعرِض لوجهات نظر مختلفة حيال هذه
المسألة لمفكرين وكتاب وعلماء ودعاة
وفنانين.