|
"قال:
ما الإحسان؟ قال: أن تعبد الله كأنك
تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك"
جزء من حديث جبريل -عليه السلام-
الشهير والمتفق على صحته.
تعارف
الناس بشكل خاطئ على أن يفهموا هذا
الحديث على أن العبادة هنا هي الطاعات،
وليست العبادة بمفهومها الشامل الذي
ذكرته آية سورة الأنعام: "قُلْ إِنَّ
صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ
وَمَمَاتِي لِلهِ رَبِّ
الْعَالَمِينَ * لاَ شَرِيكَ لَهُ
وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ
الْمُسْلِمِينَ" (الأنعام: 162).
وقد
وردت للحديث رواية في مسند أبي حنيفة -رحمه
الله- تقول: "قال: (الإحسان أن تعمل
لله)"، وفي رواية للحديث عند الإمام
مسلم: "أن تخشى الله كأنك تراه،
فإنك إن لا تكن تراه فإنه يراك".
وقال
الإمام النووي شارحًا الحديث: "المراد
بالعبادة الطاعة مطلقًا، فيدخل فيه
جميع الوظائف".
وذكر
ابن الأثير في النهاية في غريب الحديث
والأثر: "أراد بالإحسان الإشارةَ
إلى المراقبة وحُسْن الطاعة، فإن من
راقب الله أحسن عمله"، أي عمل كان.
ويؤيد
هذا عموم قول الله تعالى: "وَمَا
خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإنسَ إِلا
لِيَعْبُدُونِ" (الذاريات: 56)، وأن
العبادة معناها عام بالتزام كل ما أمر
الله تعالى به، فقد ورد عن ابن عباس -رضي
الله عنهما- قوله تفسيرًا للآية: "ما
خلقت الجن والإنس إلا لعبادتنا،
والتذلل لأمرنا"، كما ذكر الإمام
البخاري تعقيبًا على الآية: "وقال
بعضهم: خلقهم ليفعلوا، ففعل بعض، وترك
بعض"، بعموم "يفعلوا" وليس
بتخصيصها في الصلوات والطاعات.
وأكد
هذا شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه
السياسة الشرعية، حيث قال بعد أن ذكر
هذه الآية: "فالمقصود الواجب
بالولايات: إصلاح دين الخَلْق، الذي
متى فاتهم خسروا خسرانًا مبينًا، ولم
ينفعهم ما نعموا به في الدنيا، وإصلاح
ما لا يقوم الدين إلا به من أمر دنياهم"،
فالأمر إصلاح دين الخَلْق ودنياهم،
وليس دينهم فقط.
ممارسات
هازلة
هذا
الفهم القاصر لمعنى الإحسان هو الذي
حوّل "أمة الإحسان" إلى "أمة
الهزل"، فتعددت مظاهر الممارسات
الهازلة وتنوعت، وأصبحنا نرى العجب
العجاب من "الملتزمين".
رأينا
صورًا غريبة عجيبة بالفعل، أطوف على
بعض منها:
-
رأينا العابد صاحب الصف الأول في
المسجد، وهو يعامل أهله بجلافة وسوء
خلق، وكأن صلاته تشفع له أن يسيء إلى
من أُمِر بالإحسان إليهم.
-
رأينا المتحجبة أو المنتقبة التي
تنظر بتعالٍ إلى غير المتحجبة،
وتصنفها أنها في الدرك الأسفل من
النار تأليًا على الله تعالى
وافتئاتًا عليه سبحانه.
-
رأينا صائم الإثنين والخميس الذي
يستحلُّ ظلم هذا وذاك، وأكل حقوقهم،
ويقدم نفسه على الآخرين، وآخِر ما
يفكر فيه هو مصلحة غيره.
-
رأينا حديث الالتزام الذي ما إن يلتزم
حتى يُلقي "التكفير" و"التفسيق"
على من عرف ومن لم يعرف.
-
رأينا "الملتزم" المهمل في عمله
الذي يأخذ نصف ساعة من عمله للوضوء،
ويضيع ضعفيها في الصلاة، بينما أصحاب
المصالح ينتظرون على مضض وقلوبهم
تلعنه.
-
رأينا البائع "الملتزم" الذي لا
يعطي كل ذي حقٍّ حقه، ولا يؤدي أمانته،
ولا تعرف سماحة البيع والشراء إلى
قلبه سبيلاً، رغم دعوة النبي صلى الله
عليه وسلم للبائعين: "رحم الله رجلاً
سمحًا إذا باع، وإذا اشترى، وإذا
اقتضى" رواه البخاري، وفي رواية
للبيهقي: "أحب الله رجلاً"، قال
الطيبي: "رتب المحبة عليه ليدل على
أن السهولة والتسامح في التعامل سبب
لاستحقاق المحبة، ولكونه أهلاً
للرحمة، وفيه فضل المسامحة في
الاقتضاء، وعدم احتقار شيء من أعمال
الخير، فلعلها تكون سببًا لمحبة الله
تعالى التي هي سبب للسعادة الأبدية".
-
رأينا قَوَّام الليل، آكل لحوم الناس
وحقوقهم بالنهار.
-
رأينا الداعية الذي يتأنق ويتألق في
حديثه للناس، وهو أول من يخالف ما
يدعو إليه.
-
رأينا العالِم الذي يجري وراء الحكام،
ويفتي الناس بلسان الحاكم وأهوائه،
لا بما يريد الله تعالى.
ورأينا
ورأينا من مسوخ أمة "الهزل"
ونماذجها المشوهة، وهي التي كانت
يومًا "أمة الإحسان".
إنه
الهزل بعدم أخذنا أي شيء في حياتنا
بجدٍّ وصدق؛ في أنفسنا، في أعمالنا،
في بيوتنا، في تربيتنا لأبنائنا، في
تعاملنا مع من حولنا، في التزامنا
بوعودنا ومواعيدنا، وفي مساعدة بعضنا
بعضًا.. الهزل في كل شيء حتى مع ربنا جلَّ
شأنه.
الإحسان
الحق
إن
الإحسان ليس إحسان صلاة وصيام فقط، بل
هو منهج حياة وأسلوب معيشة، هو عبادة
ومعاملة، هو صلاة وحسن خلق، هو طاعة
وأداء الحقوق إلى أهلها.
قال
الإمام القرطبي في شرحه لقول الله
تعالى: "إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ
بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ
وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى
عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ
وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ
تَذَكَّرُونَ" (النحل: 90): "إنه
تعالى يحب من خلقه إحسان بعضهم إلى
بعض، حتى إن الطائر في سجنك والسنور
في دارك لا ينبغي أن تقصر تعهده
بإحسانك".
وقال
ابن عطية: "العدل هو كل مفروض، من
عقائد وشرائع في أداء الأمانات، وترك
الظلم والإنصاف، وإعطاء الحق،
والإحسان هو فعل كل مندوب إليه؛ فمن
الأشياء ما هو كله مندوب إليه، ومنها
ما هو فرض، إلا أن حد الإجزاء منه داخل
في العدل، والتكميل الزائد على
الإجزاء داخل في الإحسان".
وقد
ورد في الحديث: "إن الله كتب
الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم
فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا
الذبح، وليحدَّ أحدكم شفرته، فليرح
ذبيحته" رواه مسلم وأصحاب السنن.
قال
الإمام الآبادي في "عون المعبود":
"(كتب الإحسان على كل شيء): على
بمعنى في، أي أمركم به في كل شيء".
وقال
الإمام السندي في حاشيته: "(إن الله
كتب الإحسان على كل شيء)، أي أوجب
عليكم الإحسان في كل شيء".
لو
كنا نعبد الله تعالى كأننا نراه، لما
ظهرت كل هذه الأخطاء والعيوب والذنوب،
ولما تواجدت مسوخ الملتزمين في
حياتنا، ولما تراجعنا كل هذا التراجع،
ولما غدونا لقمة سائغة ينهشنا
أعداؤنا متى شاءوا وكيف شاءوا وأين
شاءوا.
لمَّا
غفلنا عن منهج الإحسان في حياتنا
وتحولنا إلى "أمة الهزل" غدا هذا
حالنا، وعلاجنا لا يكون مبتسرًا أو
مكتفيًا بعلاج عوارض المرض، وإنما
يكون بعلاج أسبابه واجتثاثها من
أصولها، وليعود "الإحسان" إلى
"أمة الإحسان" سابقًا.
لو
حمل كل مسلم إحسانه معه.
لو
عرف كل فرد منا أن معنى: (كأنك تراه) هو:
"بأن تتأدب في عبادته كأنك تنظر
إليه، فجمع بيان المراقبة في كل حال،
والإخلاص في سائر الأعمال، والحث
عليهما" كما يقول الإمام المناوي.
لو
أدركنا أن معنى: (فإن لم تكن تراه فإنه
يراك): "أي فاعلم أنه يراك في جميع
الأحوال، فيجب عليك أن تحسن الأعمال"
كما يقول الإمام القاري.
لو
فعلنا كل ذلك بأفرادنا لعادت أمتنا
إلى مكانها الذي أراده الله تعالى لها:
"أمة الإحسان".
لقد
قال الله تعالى: "مَا عَلَى
الْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ وَاللهُ
غَفُورٌ رَّحِيمٌ" (التوبة: 91)،
يقول الإمام القرطبي في شرحها: "وهذه
الآية أصل في رفع العقاب عن كل محسن".
فإذا
أردنا أن نرفع العقاب عن أمتنا فلنعد
إلى "أمة الإحسان".
لتكون
النتيجة: "فَآتَاهُمُ اللهُ ثَوَابَ
الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ
الآخِرَةِ وَاللهُ يُحِبُّ
الْمُحْسِنِينَ" (آل عمران: 148).
**مستشار
شبكة إسلام أون لاين . نت
|