إسلام أون لاين/دعوة ودعاة
 
بريدك الإلكتروني
الصفحة الرئيسة  | دعوة ودعاة   
 

بحث        |  بحث متقدم  |  لوحة المفاتيح العربية

وكانت البسمة طريقنا!

سها السمان**- 01/06/2004

منذ أن سمعته لأول مرة لم يفارق رنينه أذني، كان يصحبني في كل مكان أذهب إليه، حتى عندما فارقت بلدي الذي فيه نشأت، وجئت إلى هذا البلد الغريب، ظل دائما يلوح في خاطري، منبها ومذكرا لي كي أقوم ببعض واجبي تجاه ديني، إنه حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: "بلغوا عني ولو آية".

يا له من حديث، ويا له من قول -على قصره وبساطته- يحمل من البلاغة ما تعجز المدونات الطوال عن وصفه!! إنه يحمل ترغيبا وتشجيعا، وترهيبا وتخويفا، ورحمة ورفقا.. كل هذا في وقت واحد.

إن هذا الحديث لم يترك عذرا لأحد في التقاعس عن تبليغ دعوة الله، كل على قدر علمه وعلى قدر طاقاته وإمكاناته، وهنا مكمن الرحمة فيه، فلو أُمِرنا بتبليغ الرسالة كاملة والأمانة شاملة لعجزنا ووقعنا في العنت، ولكن نبينا -صلى الله عليه وسلم- كما وصفه ربه عز وجل عزيز عليه ما عنتنا، حريص علينا، بنا وبجميع المؤمنين رءوف رحيم.

وجئت إلى لندن

حملت معي هذه الحديث في صدري عندما أتيت إلى لندن، وقد كنت أتأمل فيه من حين لآخر؛ فالبلاغ هو في الأصل بالكلمة؛ فماذا يفعل من لا يملك عدة الكلام، ويفتقر إلى مهاراته وأساليبه؟ ووجدتني أقول لنفسي: نعم، الأصل هو الكلام، ولكن أحيانا يكون الفعل له أثر يفوق أضعاف ما تفعله الكلمات، وصدق من قال: "فعل رجل في ألف رجل خير من قول ألف رجل في رجل".

لم أكن -في ذلك الوقت- قد شرُفت بدراسات إسلامية متعمقة تمكنني من الحديث عن الإسلام بشكل جيد، وفي نفس الوقت لم أكن مفوهة ذات لسان وبيان. ولكن قفز في ذهني وقتها -يعضد ما وقر في قلبي من معان لحديث النبي صلى الله عليه وسلم- موقف سيدنا أبي ذر الغفاري رضي الله عنه؛ فقد مكث بعد إسلامه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم خمسة عشر يوما، ثم استأذن النبي صلى الله عليه وسلم في الرجوع لقبيلته، وعاد رضي الله عنه يدعو قومه للإسلام بما تعلمه من النبي صلى الله عليه وسلم خلال هذه الأيام القلائل، مع زاد وفير من إيمان، ونصيب أوفر من إخلاص.

كانت هذه الأفكار كلها تملأ رأسي، فقررت ونويت منذ أن وطئت أقدامي تلك البلاد أن تكون إقامتي فيها في سبيل الله.

بركة النية

بهذه النية يسر الله سبحانه وتعالى لي العمل في سبيله، فقد دُعيتُ ذات يوم لحضور حلقة لتعليم النساء الباكستانيات اللغة العربية، بهدف مساعدتهن على تلاوة القرآن وفهم معانيه، وهناك وجدت ما لم أكن أتوقعه وأثار دهشتي، وهو أن من تقوم بالتدريس في هذه الحلقة أيضا باكستانية لا تتقن اللغة العربية إتقانا تاما، ولكنها تجتهد قدر وسعها، وتبذل جهدا ومشقة بَالغَيْن مع أخواتها لكي يتعلمن ويفهمن. فلما رأيت ذلك منهن خجلت من نفسي، وتنبهت إلى هذه النعمة الكبرى التي غفلت عنها ويغفل عنها الكثير؛ ألا وهي نعمة اللسان العربي، وكل نعمة تحتاج لشكر المنعم؛ فكيف أشكر هذه النعمة؟

تذكرت حينها قول الرسول صلوات الله وسلامه عليه: "إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له"، فأوحى لي هذا الحديث بفكرة رجوتُ أن يزيد بها رصيدي ويثقل بها ميزاني عند الله.

دعوت بعض الأخوات المسلمات اللاتي كنتُ قد تعرفت عليهن خلال تلك الفترة، واجتمعت معهن، وبفضل الله وجدت لديهن حماسا كبيرا وحبا للعمل في سبيل الله، وطرحت عليهن فكرتي، وهي تدريس وتعليم اللغة العربية لمن لا يعرفها من المسلمين والمسلمات، واقترحت عليهن أن نبدأ بالأطفال الصغار؛ فالتعليم في الصغر كالنقش على الحجر. وما كان من أخواتي إلا أن وافقنني على تلك الفكرة، ووعدنني بالمساعدة.

وبدأنا الطريق

كانت أول خطوة يجب علينا أن نقوم بها هي البحث عن مكان مناسب لعمل هذا المشروع، فذهبنا واستأجرنا قاعة وجدناها مناسبة لهذا الغرض. كانت هذه القاعة لا يعيبها إلا الشخص المسئول عنها الذي يستقبلنا كل يوم ويفتحها لنا بوجه عبوس ومعاملة في منتهى السوء والغلظة والفظاظة.

عزمنا منذ البداية ألا نقابل إساءته بالمثل، وأن نريه أخلاق الإسلام في تعاملنا معه؛ فقد كان يعلم أننا مسلمات، ولعل هذا كان سر معاملته السيئة. اتبعنا معه هدي النبي صلى الله عليه وسلم في معاملة غير المسلمين، وفي معاملة مَن كانوا يؤذونه.

لم تكن الابتسامة تفارق وجوهنا حينما نتحدث إليه، لم يعرف العبوس طريقه إلى وجوهنا مهما فعل.

كان من ضمن المضايقات التي كنا نلقاها من هذا الشخص أنه كثيرا ما كان يتركنا واقفات في الطريق لوقت طويل، ولا يفتح لنا باب القاعة، متحججا بعدم رؤيته لنا. وكان بمجرد أن ننتهي يستعجلنا في الخروج بسرعة بطريقة مجافية للذوق، وما كان يضع في اعتباره أن هناك من الأولاد من يجب أن ينتظر أحد والديه حتى يأتي ويأخذه، لم يكن يسمح لنا بالبقاء نحن وهؤلاء الأولاد المنتظرين لآبائهم، وكان علينا أن نقف بهم خارج المبنى، وننتظر في الطريق حتى يأتي أحد لتسلمهم. ومع ذلك لم نكن نبدي أي ضيق أو ضجر من ذلك، وعندما يأتي والد أو والدة أي طفل تجدنا والابتسامة على وجوهنا.

نسيت أن أخبركم أننا كنا طيلة وجودنا بهذه القاعة مراقَبين بكاميرات مراقبة منتشرة بالمكان، تعد علينا أنفاسنا وتسجل حركاتنا!! فقد كان يسيطر عليهم الخوف والترقب والحذر من الإسلام والمسلمين وأي عمل إسلامي.

لا يصرفنا عن الهدف صارف

لم يكن كل هذا ليشغلنا ولا ليجرفنا بعيدا عن الهدف الذي نسعى لتحقيقه، بل كان كل ما يستحوذ على تفكيرنا هو كيفية جذب الأطفال وجعلهم يحبون هذه اللغة التي كنا نكرر عليهم دائما أنها لغة أهل الجنة ليزدادوا حبا لها وإقبالا على تعلمها.

كنا نبذل مجهودا كبيرا لجعلهم يحبون هذه الدروس وهذه اللغة، كنا نحضر لهم الألعاب المسلية، وكذلك ألعابا خاصة ووسائل تعليمية مشوقة تساعدهم على التعلم، وكذلك أيضا لم نكن ننسى الحلوى والهدايا التي نكافئهم بها إذا أحسنوا.

حتى الورق المستخدم في الطباعة كنا نحرص في كل مرة على أن يكون لونه مختلفا عن المرة السابقة، حتى لا يصابوا بالملل، وفي وقت الراحة نشاركهم اللعب والمرح.

بالطبع كان كل هذا يحدث تحت سمع وبصر الرجل المسئول عن القاعة الذي لم يكن يغفل عنا لحظة، وكان يرى بعينه فرحة الأطفال خلال اليوم، واستمتاعهم بالبقاء معنا، إضافة إلى طريقتنا في التعامل مع أولياء أمورهم، ومعاملتنا معه هو نفسه.

إشراقة أمل

كان ملحقا بالقاعة صالة للألعاب، لم يكن من حقنا الانتفاع بها. وفي وقت من أوقات الراحة تسلل الأطفال إلى تلك الصالة، ووجدتهم ينظرون بشغف للألعاب الموجودة، وهم في شوق لاستعمالها، وكالعادة ومن خلال مراقبته لنا وجدناه يأتي إلينا، وتوقعت منه أن ينهرنا، ولكن على العكس تماما وجدته يسألني بهدوء: "هل يريد الأطفال أن يستخدموا الألعاب الموجودة هنا؟"، فقلت له متحفظة: "وهل هذا ممكن؟"، ففوجئت به يقول لي: "نعم، يمكن لكم أن تستخدموا جميع الألعاب، ومجانا"!!

وبالفعل فتح لنا الرجل صالة الألعاب بدون مقابل، ووجدناه وقد تغيرت تصرفاته معنا تماما، حتى إنه كان يقوم لنا بنفسه بتصوير الأوراق الخاصة بالتدريس؛ لدرجة أنه كان يتذكر لون الورق الخاص بكل أسبوع ويقوم بتغييره من نفسه.

وذات يوم أخبرني أنه يريد مساعدتنا وخدمتنا بكل ما يستطيع، بالطبع زادت دهشتي، فقررت أن أذهب إليه، وسألته عن سر هذا التغير، فقال لي: قبل أن أجيبك أريد أن أسألك أنا عدة أسئلة، تثور داخلي منذ أن عرفتكم. فقلت له: وما هي؟

قال: ما الذي يجعلكن تتعاملن بهذه الطريقة مع الأطفال؟ هل هناك قانون يلزمكن بهذا؟ أم هو احترام لبنود حقوق الطفل العالمية؟ ثم كيف تجعلن الأطفال ينصتون ويستمعون إليكن؟ وما سر الاحترام غير المعهود بين الصغار والكبار؟ والسؤال الأهم: كيف لم ألحظ على وجوهكن ولو مجرد امتعاض من طريقة تعاملي معكن، فضلا عن أن تعاملوني بمثل معاملتي السيئة؟

كان قلبي يرقص فرحا وأنا أستمع إلى أسئلته، وقلت في نفسي: الحمد لله، اليوم أنفذ وصيتك يا حبيبي يا رسول الله سأبلغ عنك الآية.

فقلت له عبارة واحدة هي: "إنه ديننا".

فتعجب قائلا: دينكم؟!! كيف هذا؟!!

فقلت له: أولا بالنسبة لعلاقتنا بالأطفال وعلاقتهم بنا، فقد قال لنا خير البشر، نبينا، صلوات الله وسلامه عليه: "ليس منا من لم يُجِل كبيرنا، ويرحم صغيرنا، ويعرف لعالمنا حقه"، فنحن نعاملهم بالرحمة، وهم يعاملوننا بالإجلال. أما بالنسبة لعلاقتنا بك وتعاملنا معك، فقد قال لنا ربنا عز وجل -وقد ترجمت له معاني الآيات-: {وَلاَ تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلاَ السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ} [فصلت: 34]، وقال أيضا جل وعلا: {وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدِّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [آل عمران: 133-134]، لذا فقد كنا نقابل إساءتك بكظم الغيظ والإحسان إليك والعفو؛ لننال رضا ربنا سبحانه. وهاهو وعد ربنا يتحقق، ويثبت صدقه عز وجل؛ حيث صرت لنا وليا حميما بعد أن كنت عدوا كارها.

فوجدت الدهشة ترتسم على وجه الرجل بشكل لم أرَ مثله من قبل، وبدا عليه أيضا الخجل الشديد، وهو لا يكاد يصدق أن الإسلام يأمر بهذه الأخلاق الفاضلة، وسألني مشدوها: هل حقا يأمركم دينكم بذلك؟ هل هذه الأخلاق السامية في دينكم؟

الأفعال أعلى صوتا من الكلمات

عندها علمت أن الناس في الغرب لا يعرفون الإسلام جيدا كما كنا نظن، ولا ينبع حقدهم على الإسلام وكراهيتهم للمسلمين عن علم ودراسة، بل عن جهل وسماع للمغرضين سيئي النية، الذين يشيعون في شعوب الغرب أن الإسلام هو دين الإرهاب، ودين القسوة والفظاظة والغلظة.

بعد هذا الموقف زاد الرجل من احترامه لنا ولعملنا، وإقباله على مساعدتنا بكل ما يستطيع، وكف تماما عن الأفعال التي تؤذينا وتضايقنا. شجعنا ذلك على استثمار الفرصة لدعوته إلى ديننا؛ فكنا نحضر له الكتيبات الإسلامية التي تشرح وتعلم عقيدة الإسلام وأخلاقه، وكان يقبل على قراءتها بنهم، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يشرح صدره للإسلام، وليس ذلك على الله بعزيز.

ذكرني ذلك الموقف بكيفية دخول الإسلام إلى وسط وجنوب شرق آسيا؛ فهو لم يدخل عن طريق الوعظ ولا الخطابة، وإنما دخل قلوب الناس هناك واعتنقوه، لما رأوا أخلاق التجار المسلمين الذين كانوا أبعد ما يكونون عن أخلاق تجار هذه الآونة؛ فلم يكونوا يعرفون غشا ولا خداعا ولا تدليسا، ولما كانوا يُسألون عن ذلك، كانوا يقولون عبارة واحدة: "إنه ديننا.. إنه الإسلام"، كان هذا يدفع الناس لدراسة هذا الدين والإقبال على تعلمه، ومن ثم اعتناقه والإيمان به.

إن صورة الإسلام عند غير المسلمين لن تتغير بالخطب والكتب والمؤتمرات، بقدر ما تتغير بالأفعال والأخلاق، وإعطاء الصورة الحقيقية الحية للمسلم، وهذا ما رأيناه بأعيننا وتثبته الأيام، وصدق من قال: "الأعمال أعلى صوتا من الكلمات".  

اقرأ أيضا:


** ناشطة مصرية في مجال الدعوة والتربية مقيمة بلندن

عودة



دعوة للتأمل | زاد المسير  | قضايا معاصرة |  التواصل فن | تجارب دعوية | خدمات دعويةلقطة وفكرة

 

 

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع