|

|
|
أطفال ينظرون إلى بيوتهم التي هدمت
|
دائما
ما تعودنا أن نكتب مقالات تدعو الناس
للفعل من خلال الوعظ الخطابي
والاقتراحات الفكرية، ولكن الناس في
حاجة إلى قدوة عملية تدعوهم إلى العمل
الإيجابي، والخروج عن السلبية في
العمل، وأن تتعدى الشعوب الكلام
والشجب والاستنكار إلى العمل في صمت.
وإن كنت أرى أن المظاهرات قد تكون
مطلوبة أحيانًا للتعبير عن المواقف
والمطالبة بالحقوق، غير أن التغيير
العملي هو أفضل وسيلة لدفع الناس
للعمل، وقد قيل: "فعل رجل في ألف
رجل، خير من قول ألف رجل في رجل".
ولعل
هذا ما يفسر تأثر الناس بسيرة
الصالحين، إذ كانوا أصدق لهجة
بأفعالهم قبل أقوالهم، فنجد في سير
الصالحين من أفعالهم ما يدعو
للاقتداء بهم، وقد كان السلف الأول لا
يهتمون كثيرا بالمهاترات الفكرية،
ولكنهم كانوا يهتمون بالتطبيق
العملي، وقد كان صحابة رسول الله صلى
الله عليه وسلم لا يأخذون منه أكثر من
عشر آيات، يحفظونها ويطبقون، ثم
يأخذون غيرها.
وهذا
المنهج إسلامي في تأصيله، فقد قرن
القرآن الكريم في كثير من آياته
بين الإيمان بالله والعمل الصالح،
حتى قيل: ليست هناك آية تدعو للإيمان،
إلا واقترن بها العمل، ومن ذلك قوله
تعالى: "إن الذين آمنوا وعملوا
الصالحات كانت لهم جنات الفردوس نزلا"،
وقوله تعالى: "إلا من آمن وعمل
صالحًا"، وغير ذلك من الآيات.
حملة
رفح نموذج للتغيير
ومنذ
أن أثيرت حملة مساعدة منكوبي رفح،
رأينا أن الخير باق في هذه الأمة، وأن
الأمة تحتاج إلى آليات وفعاليات
جديدة في التغيير، ولعل حملة رفح،
والتي قادها موقع "إسلام أون لاين.نت"،
تكون بمثابة محطة توقف للمصلحين، وهي
تجربة جديرة بالدراسة والعناية لمن
أراد تغييرًا فعليا في واقع الناس
ومعاشهم، فإن الحملة لامست قلوب هذه
الأمة التي تسعى لأن تتحرك، ولكن لا
تعرف أين الطريق، وهي رسالة لقادة
الفكر والإصلاح أن ينظروا مواطن
تأثيرهم في الناس، ويراجعوا
سياساتهم، فيبقوا على ما هو نافع
ومفيد، ويغيروا فيما يرون التغيير
فيه واجبًا.
إن
من بشريات الخير في هذه الأمة ما يظهر
من تبرعات الناس في حالات النكبات،
فكم من الناس تبرعوا لإخوانهم في
فلسطين، وكم من فتاة خلعت ما تتزين به
من الذهب، لتهبه لله سبحانه وتعالى
قبل أن تهبه لإخوانها في فلسطين، وكم
من عروس تصدقت بمهرها، ليكون لها عند
ربها، وكم من الشباب الذي لا يملك
إلا قوت يومه تبرع بدراهم معدودة، "وتحسبونه
هينا وهو عند الله عظيم".
نماذج
عملية للتبرع
وكم
من الأغنياء أخرجوا من أموالهم التي
طالما عاشوا لها، وحاربوا في سبيل
تكثيرها وتنميتها، غير أن الإيمان
حين يدخل القلب يغير حال الإنسان،
فجادت نفوس كثير من أغنياء الأمة
بملايين من الدولارات، طلبا للثواب
من الله تعالى، وعلى رأسها ما قام به
الشيخ زايد آل نهيان من بناء (400) منزل
في رفح، ونحن ندعو زعماء الأمة أن
يحذو حذوه وزيادة.
وحين
أطلقت شبكة "إسلام أون لاين.نت"
حملة التبرع لمنكوبي رفح، جاءت ردود
أفعال الناس متشوقة لأن تساهم بفعل
شيء، وهي المحرومة من أن تقدم
المساعدة لإخوانهم بشكل رسمي، ففي
مصر تقدم مكتب دار البناء، وهو مكتب
استشاري للتصميم المعماري بأنه على
أتم استعداد لعمل الرسوم الهندسية
لإعادة بناء المنازل والبيوت في
مدينة رفح الفلسطينية.
وفي
الأردن، قامت أخت فاضلة - بالاتفاق مع
زملائها وزميلاتها في العمل - بإخراج
جزء من الراتب الشهري، وتخصيصه
لإخوانهم المسلمين من أهل رفح، ودعت
كل الموظفين ليفعلوا مثل فعلهم.
وقامت
الأخت أميمة أحمد من الجزائر
بتخصيص زكاة مالها هذا العام لأهل
رفح، حيث إنهم أحق بهذا المال من
غيرهم من الفقراء.
ومن
النماذج المشرفة في التبرع لأهل
فلسطين ما قامت به الأخت الفاضلة التي
سمت نفسها "أم الأيتام"، وهي أم
لخمسة أيتام، وندعها تخبرنا بما
فعلت، حيث إن كلامها أبلغ في هذا
المقام من الحكاية عنها، تقول: "أنا
سيدة مصرية بسيطة وأم لخمسة أيتام،
أعيش في إحدى مدن مصر المتواضعة، ومنذ
أن قامت الانتفاضة لم أفكر ماذا أفعل
ولا كيف أفعل، ولكن سألت الله عز وجل
أن يرشدني إلى سبيل الرشاد؛ لأن الطرق
الموصلة إلى مساعدة أهلنا في فلسطين
كثيرة.
ومش
هاطول عليكم، أنا بصراحة شاطرة في عمل
الفطير، فقلت: ليه ما اعملش فطير
وأجعل ثمنه وقفا لفلسطين؟!.
وأقسم
بالله يا إخوتي إن المشروع نجح،
وأصبحت الآن أوزع فطيرًا في معظم
المدينة التي أنا فيها -خاصة أن فطيري
خصوصي- وأبعث ثمنه لإخواننا في
فلسطين، ما تسألونيش إزاي، كل واحد له
طريقته، والحمد لله الأموال تصل
إليهم".
وفي
السعودية حين سمعت إحدى النساء
الفضليات عن الحملة، أسرعت بالاتصال،
وتبرعت ببناء بيت لإحدى الأسر
المنكوبة في رفح.
وفي
لبنان قامت إحدى السيدات الفضليات
بحملة تجمع فيها التبرعات المالية
ممن تعرف من أقاربها وأصحابها
ومعارفها، حتى توصلها لمنكوبي رفح.
وفي
إطار الحملة، حيث أعلن عن أسر
المتضررين وأرقام هواتفهم، تم
الاتصال بعدد من الأسر من خلال عدد من
المتبرعين، ونسقوا معهم كيفية التبرع
على أرقام حساباتهم، كنوع من
المشاركة الفاعلة في الحملة، ومن
اللافت للنظر أن هذه المساعدات
والاتصالات المباشرة لم تكن من الدول
العربية وحدها، بل كانت من مسلمي
العالم، من أوربا وأمريكا وغيرها من
دول العالم، لنعلم أن الخير باق في
هذه الأمة، وأنها يد على من سواها،
وأن المسلم للمسلم كالبنيان يشد بعضه
بعضا.
أخوة
الإسلام لم تمت
 |
|
باقون رغم الهدم والتشريد |
إن
مثل هذه النماذج العملية التي ظهرت
خلال أيام مما قد علمنا، ووصل إلى
أسماعنا، ونحسب أن من لم نسمع عنهم
أكثر، هذه النماذج تطبيق عملي لفهم
المسلمين لفقه الأخوة في الله تعالى،
ولمفهوم الأمة عند المسلمين، وبيان
للرابطة الاجتماعية التي تربط
المسلمين بعيدًا عن الرقعة الجغرافية
التي يعيشون فيها، وهي استجابة فورية
لأوامر الله سبحانه وتعالى الداعية
للإنفاق في سبيله.
إن
إحساس المسلم بالأمر الإلهي ليس
وقفًا على تأمل المعنى، فحين يقرأ
المسلم قوله تعالى: "مَثَلُ
الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ
فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ
حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ
سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ
مِّائَةُ حَبَّةٍ واللَّهُ
يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ واللَّهُ
واسِعٌ عَلِيمٌ. الَّذِينَ
يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي
سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لا
يُتْبِعُونَ مَا أَنفَقُوا مَنًّا
ولا أَذًى لَّهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ
رَبِّهِمْ ولا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا
هُمْ يَحْزَنُونَ".
فيستشعر
المسلم أنه ينفق لله، وأن الصدقة تصل
لله، قبل أن تقع في يد المتصدق عليه،
فيتبع هذا عمل صادق، وليس مجرد إحساس
بالمعنى، فماذا يصنع هذا الإحساس إن
كان خاويًا عن مقصوده، فإن الله تعالى
ما أمر بالصدقة والإنفاق إلا ليتحرك
القلب، ويتبع تحرك القلب تحرك اليد،
والإخراج من الجيب، وأن يوقن المسلم
أن المال مال الله، وأنه مستخلف فيه،
وهذا ما عبر عنه القرآن حين قال: "وأنفقوا
مما جعلكم مستخلفين فيه"، فالله
تعالى هو الذي استخلف الأغنياء في
أموالهم، وطالبهم أن ينفقوا منها "والذين
في أموالهم حق معلوم. للسائل والمحروم"،
وحين يستشعر المسلم معنى الحرمان في
إخوانه، فيستشعر أن أهل رفح، محرومون
من المأوى والسكن، محرومون من الغطاء
والكساء، محرومون من الطعام الذي
يأكله كثير من الناس، محرومون من
التعليم والتداوي، محرومون مما هو
موجود عند كثير منا، فيحرك هذا القلوب
لأن تفعل شيئا، موقنة أن الله تعالى
"لا يضيع أجر من أحسن عملا"، وأي
عمل أحسن من إغاثة الملهوف، وإنقاذ
الهالكين، ومد اليد للمحتاجين، وإن
الله تعالى ليهب بالصدقة ما لا يهب
بغيرها.
المتبرعون
من السلف إلى الخلف
إن
مثل النماذج التي رأيناها وسمعنا
عنها تذكرنا بالسلف الأول، حين كان
ينادي الرسول صلى الله عليه وسلم
بالإنفاق في سبيل الله، فيخرج أبو بكر
بماله كله، ويخرج عمر بنصف ماله،
ويخرج كل بما يستطيع، حتى يخرج أحد
الفقراء الذين يستحقون الزكاة، يخرج
بحفنات من التمر، فيضعها بين يدي
الرسول صلى الله عليه وسلم معتذرا عن
أنه لا يملك إلا هذا، عسى أن يكون
طعاما للمجاهدين، فيبتسم الرسول صلى
الله عليه وسلم ويسعد بهذا، لأن في
هذا إحساسا من المسلمين بإخوانهم
المستضعفين والمجاهدين.
لقد
أثبتت نكبة رفح أنه ما زال في الأمة
خير، وأنها بخير دائما إن شاء الله،
وما زال أهل رفح في انتظار نماذج
عملية أكثر، حتى ينظر الله تعالى
إلينا بعين الرضا، وحتى يرى منا ما
يستوجب مغفرته لذنوبنا، وأن يهبنا
البركة في الأهل والمال والولد.
اقرأ
أيضًا:
**
محرر بالقسم الشرعي بالموقع
|