|
قد
يجد البعض في فتح هذا الملف في مثل هذا
الوقت الذي تعاني فيه الأمة من تكالب
أعدائها عليها أمرا غير مستساغ،
وربما يذهب البعض أبعد من ذلك،
ويتهمنا بالغفلة عن قضايا الأمة
الكبرى، ومحاولة إلهاء الناس عنها!.
وما
كان لنا أن نضع في الاعتبار احتمال
تعرضنا لهذه الاتهامات، ونتخلى عن
واجبنا في تبصير الدعاة وتبصير
المسلمين بما نراه من علل تنخر في جسد
المجتمع المسلم، وهم عنها غافلون.
إن
الشباب هم عدة الأمة في مواجهة
أزماتها، وأي تجاهل لمشكلاتهم هو حكم
على مستقبل هذه الأمة بالضياع، وما
تواجهه الأمة اليوم من قضايا وما
تعانيه من أزمات، إنما يكون الخروج
منها بإصلاح الأسس وترميم الأعمدة،
وذلك بتهيئة الشباب وإعدادهم، ولن
يتم ذلك إلا بمواجهة مشكلاتهم
بشجاعة، وتقديم الحلول الواقعية لها.
وليس بخاف على أحد ما تعانيه
مجتمعاتنا من "انفجار جنسي"، ولا
نبالغ في هذا التوصيف، حتى وإن كانت
هناك محاولات للتقليل من حجم هذا
الانفجار والتخفيف من أثره. ولعل
مظاهر هذا الانفجار في مجتمعاتنا -
المتبدية منها والخافية - تقطع الطريق
على محاولات التخفيف والتقليل.
أسئلة
ملحة
أسئلة
كثيرة دفعتني للتفكير في فتح هذا
الملف، منها:
-
هل يعاني الدعاة والمصلحون بالفعل من
"عقدة" تمنعهم من مناقشة القضايا
التي نسميها "الحساسة" أو "الحرجة"؟؟
بحيث تجعلهم تلك العقدة يراوغون
ويتهربون من التعرض لمثل هذه القضايا
في أحاديثهم وخطبهم؟.
-
وما السبب الذي أدى إلى نشوء تلك
العقدة لدينا؟ وهل للعادات والتقاليد
دور في ذلك؟؟
-
هل فعلا كان الإسلام بمنأى عن تلك
القضايا متجاهلا لها؟ وكيف كان السلف
يتعاملون معها؟ وهل في القرآن أو
السنة أي إشارات للتعامل مع هذه
المسائل؟.
والسؤال
الأكثر أهمية: إذا تخلى الدعاة عن هذا
الدور، فمن يقوم به إذن؟؟ ومن يقدم
الحلول ويرشد التائهين؟.
من
جانب آخر، لو سلمنا بأهمية أن يخوض
الدعاة غمار هذا المجال، فما الضوابط
التي ينبغي أن يتمسكوا بها عند تعرضهم
لتلك المسائل والقضايا؟؟ وما الحدود
التي ينبغي لهم الوقوف عندها؟؟.
تلك
أسئلة يقف أمامها الكثير من الدعاة
حائرين، وينتهي الحال بكثيرين منهم
إلى تجنب "المشكلات"، واختيار
"سكة السلامة"، مؤثرين الصمت
حيال هذه المسائل، مما يعطي الفرصة
لغيرهم ممن ليسوا مؤهلين لتناول هذه
القضايا، أو ممن يبطنون النوايا
السيئة، ليخوضوا غمار هذه المسائل،
مستغلين فرصة سكوت علماء الدين
والدعاة عنها.
وقد
يفتح الباب للإجابة عن هذه الأسئلة
الإجابة عن سؤال غاية في الأهمية، هو:
هل
توجد في ديننا وشرعتنا مناطق محرمة
مظلمة، لا ينبغي السؤال عنها والحديث
فيها، وإن وقع الحديث فيها، فلا يكون
إلا همسا، وداخل الغرف المظلمة؟؟.
لو
كانت الإجابة (نعم)، فإن هذه الإجابة
تنفي عن ديننا صفة الشمول والإحاطة
والصلاحية لكل زمان ومكان، وتخلع
عليه صفتي النقص والقصور.
والإجابة
(لا)، تفرض على علمائنا والمنتسبين
لهذا الدين أن يُعملوا عقولهم
وأدواتهم العلمية لاستخراج أحكام
شرعية مرتبطة بكل القضايا
الاجتماعية، وبحث طرق مناقشتها
وعرضها، وإقناع الناس بالصحيح
النافع، وتحذيرهم من الخطأ الضار،
مستلهمين أساليب القرآن والسنة في
مناقشة تلك القضايا وعرضها.
نعم،
يجب علينا التحرر من العقدة التي
تنتابنا عند مناقشة مختلف القضايا
الموجودة بشكل جدي في واقعنا، ولا
نسكت عنها بدعوى الخجل والحياء،
فالحياء في ديننا له أسس ومفاهيم
تحكمه.
أما
السبب الذي أدى إلى نشوء تلك العقدة
لدينا، فهو - على ما أعتقد - سيطرة بعض
التقاليد والمفاهيم الدخيلة، التي
تضفي هالة من التعتيم على مثل هذه
المسائل، بدعوى "العيب"، ويعتنق
الآباء والأمهات والمربون ذلك، بل
والعلماء، ناسين أو متناسين أن هناك
مصادر أخرى للمعرفة يستطيع الشاب - أو
الفتاة - أن يعرف منها ما يريد، من
رفاق ووسائل إعلام وغيرها، ولكنها في
معظمها مصادر غير مأمونة، فيتولد عند
الشباب خليط من الأفكار والمعلومات
والأحكام المشوشة وغير الدقيقة،
فيقعون فريسة لأصحاب النوايا السيئة
ومدعي العلم، والذين يحبون أن تشيع
الفاحشة في الذين آمنوا.
الحياء
ليس حجة !!
تعالوا
معي نقرأ هذه الأحاديث النبوية
الشريفة ونتأملها:
-
(الإيمان بضع وستون شعبة، والحياء
شعبة من الإيمان) رواه البخاري.
-
(إن لكل دين خلقا، وخلق الإسلام
الحياء) رواه ابن ماجة بسند حسن.
-
(ما كان الفحش في شيء إلا شانه، وما
كان الحياء في شيء إلا زانه). رواه
الترمذي بسند صحيح.
-
جاءت أم سليم إلى رسول الله صلى الله
عليه وسلم، فقالت: يا رسول الله، إن
الله لا يستحيي من الحق، فهل على
المرأة من غسل إذا احتلمت؟ فقال النبي
صلى الله عليه وسلم: (إذا رأت الماء)
رواه البخاري.
ويفهم
من تلك الأحاديث أن الحياء خلق أصيل
في الإسلام، بل هو الخلق الأول فيه،
وأن الإسلام يبغض الفحش والتفحش في
القول وينكره.
لكن
مع ذلك كله، فإن الحياء لا يكون مانعا
للمسلم أبدا من أن يتعلم أمور دينه
ودنياه، ففي الحديث الرابع نرى أن أم
سُليم قد علمت أن دينها يفرض عليها
العلم، لذا لم تستحي من سؤال النبي
صلى الله عليه وسلم عما دعت الحاجة
إليه مما تستحيي النساء في العادة من
السؤال عنه وذكره بحضرة الرجال،
وقدمت لسؤالها بقولها: (إن الله لا
يستحيي من الحق)، حتى تقطع الطريق على
من قد يسمع سؤالها، فيتبادر إلى ذهنه
أن سؤالها هذا عن أمور من الدين ينافي
الحياء.
من هنا نعلم أنه إذا عرضت لنا مسألة
ما، فيجب أن نسأل عنها أهل العلم، ولا
نمتنع من السؤال حياء من ذكرها، فإن
ذلك ليس حياء حقيقيا؛ لأن الحياء خير
كله، والحياء لا يأتي إلا بخير،
والإمساك عن السؤال في هذه الحال ليس
بخير، بل هو شر؛ لأن فيه الإقامة على
الجهل وتعطيل واجبات الدين، فكيف
يكون حياء؟.
وفي
الكنايات مندوحة
لكن
مع ذلك، يجب أن نختار الكلمات
والتعبيرات المناسبة، دون استطراد لا
لزوم له، أو ابتذال خارج عن حدود
السؤال، كما عودنا أسلوب القرآن،
وأسلوب السنة المطهرة.
ولقد
مدحت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها
نساء الأنصار، هل تعلم لماذا؟
فلنسمعها وهي تقول: (نعم النساء نساء
الأنصار، لم يكن يمنعهن الحياء أن
يتفقهن في الدين) رواه مسلم.
وقال
مجاهد بن جبر، وهو من التابعين: (لا
يتعلم العلم مستحي ولا مستكبر).
وقد
كان النبي صلى الله عليه وسلم يكني
عما يضطره الكلام إليه من أمور يستحيى
من ذكرها، فقد سألته امرأة عن كيفية
الغسل من الحيض، فعلمها النبي صلى
الله عليه وسلم كيف تغتسل، ثم قال: (خذي
فِرصة - قطعة من قماش - من مسك فتطهري
بها)، فقالت: كيف أتطهر؟ قال: (تطهري
بها)، قالت: كيف؟ قال: (سبحان الله،
تطهري)، فلما رأت السيدة عائشة أن
المرأة رغم كل هذا لم تفهم، ورأت حياء
النبي صلى الله عليه وسلم من التصريح
بما يريد، جذبت المرأة إليها وقالت
لها: (تتبعي بها أثر الدم) رواه
البخاري.
وغيرها
وغيرها من الأحاديث الكثيرة التي لا
يتسع المقام لذكرها.
ونحن
لا ننكر على أحد تناوله لأمثال تلك
الموضوعات، ولكن ما قد ننكره ونعيبه،
هو كيفية التناول والعرض، وتسيير دفة
الحوار والنقاش في اتجاه لا يبين وجه
الحقيقة ويقدم النفع، بقدر ما يشجع
على الانحلال والتسيب، وهو بذلك دليل
يدعم ما قلته في أول حديثي، من أن سكوت
العلماء الموثوق بهم هو الذي يعطى
الفرصة للمنحرفين ليخوضوا في القضية
بما يخدم أهدافهم، مستخدمين أدواتهم
بمنتهى الابتذال والإسفاف، لاعبين
على الوتر الحساس لدى الشباب، ولا يجد
الشباب متنفسا أمامه إلا أمثال هؤلاء
ليأخذ عنهم، ويعتقد ما يقولونه.
هل
من حلول واقعية؟
ومما
يؤخذ على الدعاة والعلماء حينما
يتعرضون لهذه القضايا أنهم لا
يُعملون فكرهم في ابتكار واستخراج
وسائل جديدة وواقعية، يستطيع الشباب
من خلالها أن يفرغ طاقته الجنسية أو
يهذبها، مكتفين بما طرحه النبي صلى
الله عليه وسلم في عصر غير العصر وفي
ظروف غير الظروف، فلا نجد أحدا من
الخطباء يسأل أو يتعرض لحاجة الشباب
للجنس وكيفية تعاملهم مع الإغراءات،
إلا وتجده يردد فورا حديث النبي صلى
الله عليه وسلم: "يا معشر الشباب،
من استطاع منكم الباءة فليتزوج، ومن
لم يستطع فعليه بالصوم، فإنه له وجاء"،
ومع احترامنا بالطبع لحديث النبي صلى
الله عليه وسلم، ورفعه فوق هاماتنا،
فإنه نظرا للتغيرات الأخلاقية
الحادثة في مجتمعاتنا، يجب الاجتهاد
والنظر في ثنايا الشرع والتعمق في
أحكامه لاستخراج وسائل أخرى تعين
الشباب وتقدم لهم حلولا مناسبة
للواقع والظروف التي يعيشونها، على
غرار "زواج فريند" مثلا، بصرف
النظر عن الجدل الدائر حوله. المهم في
نظري أن يجتهد العلماء المخلصون في
ذلك ويتحاوروا فيما بينهم لاستخراج
أفكار وحلول عملية تناسب شباب هذا
العصر، وفي نفس الوقت تنضبط بأحكام
الشريعة.
والمتزوجون
أيضا..
ليس
الأمر مقتصرة مشكلاته على الشباب
المراهق غير المتزوج فقط، لكن
المتزوجين أيضا تطولهم هذه المشكلات،
فالنادر من المتزوجين والمتزوجات من
تجد لديه ثقافة جنسية صحيحة، تمكنه
وشريكه من حياة هانئة مستقرة في هذه
الناحية.
وكثير
من المشكلات الزوجية تتفاقم بين
الزوجين لأسباب واهية يعلنها كل
منهما، ولا تكون مقنعة أبدا للسامع،
ولا نجد فيها ما يسبب هذه المشكلات
المعقدة، وإنما ترجع أسبابها
الحقيقية لعدم التوافق الجنسي
بينهما، ولكنهما بالطبع يخجلان من أن
يعلنا هذه الأسباب، وتظل المشكلات
تتصاعد وتتصاعد حتى تصل إلى الطلاق
وخراب البيوت وضياع الأولاد. وكان من
الممكن تلافي كل هذا لو أخذ كل من
الطرفين بقدر من هذه الثقافة، وكان
عندهم الوعي بأهمية تحصيلها.
هذه
أمور يجب أن ينبه إليها الدعاة،
ويقتحموا مجالها ليحموا بيوت
المسلمين من الانهيار بسبب الجهل بها.
ولنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم
الأسوة الحسنة، فقد وردت عنه عدة
أحاديث تبين أنه صلى الله عليه وسلم
ما أهمل أبدا هذه المساحة من الحياة،
مؤكدا أن الإسلام دين يعتني بكل مناحي
الحياة، ولا يهمل جانبا من جوانبها،
بحجة أن هناك جوانب أهم، بل كان يعطي
كل جانب حقه من العناية، حتى يقوم
البناء على أسس سليمة متكاملة، يشد
بعضها بعضا.
من
هذه الأحاديث على سبيل المثال لا
الحصر:
"إذا
جامع أحدكم أهله فليصدقها، ثم إذا قضى
حاجته قبل أن تقضي حاجتها فلا يعجلها
حتى تقضي حاجتها".
"لا
يقعن أحدكم على امرأته كما تقع
البهيمة، وليكن بينهما رسول"، قيل:
وما الرسول يا رسول الله؟ قال: "القبلة
والكلام".
"نهى
رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعزل
عن الحرة إلا بإذنها".
تجربة
رائدة
إننا
في موقعنا هذا (إسلام أون لاين.نت) قد
وعينا هذا الأمر جيدا، وعرفنا أهمية
تناول مثل هذه القضايا، لإرواء ظمأ
الشباب نحو المعرفة الجادة، لتجنيبهم
مزالق المعرفة غير الراشدة، فخصصنا
صفحة من صفحات موقعنا لتناول مشكلات
الشباب، أيا كانت هذه المشكلات، يفتح
فيها الشباب قلوبهم وعقولهم، يفيضون
بما يعتمل فيها، ليتلقى أناتهم أهل
العلم والدراية، فيجيبون عليهم بما
يمليه العلم والشرع بكل أمانة
وصراحة، في أدب الإسلام وأخلاقه، هذه
الصفحة هي مشاكل
وحلول للشباب.
وبالطبع
لم تسلم تلك الصفحة من نقد لجرأتها في
تناول قضايا ما زال البعض يرى أنها
يجب ألا تناقش، وأن نغض الطرف عنها،
متخذين النعام قدوتهم، حين يضع رأسه
في التراب، ويظن أنه بذلك قد اختفى عن
أعين الناظرين!.
لكن
ليت تجاهلنا لمثل هذه القضايا يمحوها
من الوجود، بل العكس هو الصحيح، حيث
ستظل هذه القضايا موجودة بصورة ملحة
في الواقع، حتى وإن تجاهلها
المتجاهلون، منتظرة من يخرجها، فلم
تترك الفضائيات وغيرها من وسائل
الإعلام أي مكان بالعالم نستطيع أن
نخفي فيه أو عنه شيئا. فهلا كان
المخلصون من الدعاة والعلماء، ممن هم
أهل لتناول هذه القضايا، بما يملكون
من علم - هلا كانوا هم السابقين لها
ولعلاجها وتناولها، قبل غيرهم ممن
يضمر سوءا بشبابنا وبأمتنا، ولا يملك
في جعبته إلا الضلال والإفساد؟!
اقرأ
أيضًا:
**
محرر
صفحة دعوة ودعاة بالموقع
|