|
عبر
تجاذبات هذا العصر نجد أننا نلمس
شوقًا لموضوع قديم جديد، وطرحًا
حديثًا في أساليبه، عريقًا في فكرته،
ومع ما لهذا الأمر من أهمية، وما
يحمله من حاجز يومي ينعكس على
مستقبلنا بعد أن فهمنا من خلاله
ماضينا، ونتصارع منه في حاضرنا،
فإننا لم نصل إلى صيغة أساسية ينبع
منها تأصيل أساسي ومنهجي للتعامل
الفردي، فضلا عن المذهبي، ولعل النظر
ينصَبُّ في هذا الأمر على عدم وجود
آليات التقريب.
فعندما
نجد تقاربًا نجد أنه في ذاته يحمل
تباعدًا، إضافة إلى إدخال بعض
الزوايا التي تفتح بوابات لساحات
واسعة من التجاذب والتنافر، فتنتهي
القضية على أحسن الأحوال بمجاملات
مبطنة تحمل كل منها خصائص الترصد عبر
غطاء (دبلوماسي)، حتى وصل الأمر إلى
تدعيم موثق من مؤسسات علمية تحت غطاء
مبطن. ولست في هذه الكلمات أرجح أحدًا
على أحد، أو أنتقد أحدًا، لكني أحاول
أن أكون ناظرًا عن بُعْد لذلك،
ومتلمسًا عن قرب حجم ذلك.
ولكي
نبدأ لا بد من تحديد آليات التقريب،
ولعل آليات التقريب تسبقها عدة أمور
تبين القواسم المشتركة، وما هو
الأقرب فالأقرب للتقريب، وهذا يؤسس
مدخلا واضحًا لبناء آليات التعامل
نحو التقريب، الذي يمتد في النهاية
زمانًا ومكانًا نحو التوحيد.
أولا:
أفق الغاية
لعل
النظر إلى الغاية يرسم أمامنا طبيعة
الطريق، ومدى سلاسته ووعورته، وعمق
منحدراته، وشدة انحناءاته، وبُعْد
ارتفاعاته، وبالتالي يفتح أمامنا
آفاق التعامل وآليات العمل للوصول
إلى تلك الغاية. ولعل هذا نلحظه في
مفرداتنا التي نرفعها؛ فنحن نرفع
التقريب، لكن لم ندع للوحدة كوحدة،
ولم نتصور أبعادها، بل اتجهنا للدعوة
إلى التقريب، والتي قد يضيق أفقها عن
واقع الوحدة والتوحيد، مما يدعونا
لتحديد غاية عليا تتناسب الجهود معها
ومع الساعي لتحقيقها، ولتكن تستبطن
التقريب وتحققه في مرحلة من مراحل
البناء التوحيدي.
ثانيًا:
القبول بما هو هو
وأعني
بذلك أن يقبل جميع الأطراف كل طرف كما
هو، وبما هو، دون أي مساس أو تدخل في
صغيرة أو كبيرة كضمان لاستمرار النظر
والوصول للغاية، وهذا في حد ذاته يعد
مدخلا أساسيًّا لتقريب المسافات؛ حيث
يعيش كلٌّ منَّا الآخر بما فيه، مع غض
النظر عن رأيي ورأيك، وغير ذلك من
الإثارات المدعوم بعضها بوثيقة
الخروج عن دائرة الإسلام.
ثالثًا:
تحديد الأهداف
لا
بد أن ننظر من خلال الأهداف وحدودها؛
بمعنى أن نرسم مسارًا تتشكل به
المبادئ العليا للأمة، والذي يجمع
شتاتها الذي يزداد بين آونة وأخرى؛
حتى وصل الأمر بالبعض -ويا للأسف- إلى
رسم إيحاء، بأسلوب يدعي أنه حضاري،
بأن الإطار العام للشريعة هو مجال
تشتت لا وحدة؛ حيث نرى أننا أصبحنا
نختلف في كل شيء، من ثبوت الهلال حتى
أعمق المسائل والدلالات التوحيدية،
ولم نحاول أن نستلهم من كل ذلك
الإيجابيات، لنراجع من خلالها
السلبيات.
علمًا
أننا نتذكر واقعًا ونعيش حلمًا
ونحترمه كأمنية؛ لأننا فقدناه ولم
نلتفت إلى موضوعية الاختلاف وروح
الاختلاف، مع اختلاف محتواه وتفاوته،
إلا أن أساسها هو التشخيص على مستوى
الفرد، لكن فلننظر إليه ببُعْده
الإيجابي الذي يخدم الأمة، لا "التشخص"
الذي يفرز الأنانية والتشرذم.
رابعًا:
القواسم المشتركة
وهذا
ما ينبغي البناء عليه، وجعله الأساس
في التحرك التنفيذي حول كل شيء؛ حيث
ننتقل عبر هذه الآلية إلى بناء ذات
التقريب وأساس التقريب لرسم نواة
الوحدة والذي لا بد أن يكون أساسًا في
كل تحركاتنا ومحاورنا الفردية
والجماعية، فننهض نحو الاتفاق الذي
يؤدي لبناء التقريب الحقيقي والتطبيق
الفعلي لمرحلة قبول الآخر بما هو هو،
والتي تتشكل منها دائرة التفاعل
التوحيدي الذي نصبو إليه تحت راية
التوحيد ولسان التوحيد.
خامسًا:
حوار الخلاف العلمي
لعل
ما يميز المدارس العلمية والمذاهب
بأنواعها، ويحدد سعة عطائها الروح
العلمية، التي تعزز في واقعها روح
النمو والازدهار على الصعيد الفردي
والاجتماعي، الذي ينعكس على فكر
الأمة ومنهجها. لذا لا بد أن يُستثمَر
هذا الإطار بكافة إيجابياته الفكرية
والمنهجية، فما دُمْنا نؤمن بالتقريب
فنحن نُقِرُّ بالاختلاف، وما دمنا
نقر بالاختلاف فلا بد أن نوظف هذا
الاختلاف بأزكى صوره، لذا لا بد أن
ننطلق نحو بناء الذات الفردية عبر ذات
الأمة، من خلال تفعيل وتطوير دائرة
البحث المعرفي والعلمي، وإن حمل
بطيَّاته سمة الخلاف الذي هو نقطة
إيجابية.
ولعل
التجارب تدل على ذلك، وازدهار الأمر
في عصورنا الماضية سببه ذلك مع أسباب
أخرى لا مجال لعرضها، وإن كان للخلاف
أثر في فهم البعض الذي انطلق من خلاله
لتشتيت كيان الأمة.
سادسًا:
وحدة التقارب العلمي
إن
كان الخلاف العلمي هو المحرك الأساسي
لتطوير الفكر وازدهاره، والمدارس
العلمية والمذاهب الإسلامية تعيشه
بتراثها وعصورها يومًا بيوم -حيث رسمت
الذات العلمية لكل شخص أو منهج أو
مدرسة أو مذهب- فإننا نراه في الواقع
التاريخي والمعاصر للمدارس العلمية
والمذاهب الإسلامية وأعلام الأمة
يعكس ذلك. ولعل النظرة إلى تراثنا
الفكري والمعرفي لكافة المناهج
والمدارس الإسلامية تنطق بذلك.
والذي
نردده ونتناوله بل وننهل منه اليوم
علومنا هو بيننا الآن، لكننا لم
نستثمره، وإن كان الآخر قد نهل منه
وارتقى، ومن هنا يتجلى التقارب
العلمي الذي يمثل العقل الجمعي للفرد
والأمة، والتقريب الأساسي لتوحيد
منهج الأمة وفكرها، وتطوير فكر الفرد
بلحاظ الأمة، والأساس العملي في دفع
عجلة تحركنا. فبالتقارب العلمي نقرر
التقريب المؤدي للوحدة الذي يمر عبر
الآليات السابقة، وتسلسلها الذي قد
يعبر عن منهجها وتدرجه.
لذا
لا بد من كل ذلك لبناء ذات الفرد
والأمة، فعلى هذا الأساس يمكن أن نؤسس
الإنسان المسلم، ونبني ذهن الإنسان
المسلم الذي يعكس ذات الأمة
الإسلامية بهذه الآليات التي لنا أن
نصفها بالأساسية، والتي من الممكن أن
تكون فاعلة نحو التحرك المدعوم -بلا
شك- بقوائم وأبعاد لا بد أن تلازم
مسيرة التحرك الذي نتمنى، بل نعمل على
أن يمتلكها كل فرد مسلم، بل كل إنسان
يفكر في التقريب المؤدي للوحدة، أو من
يتمنى الاتجاه نحوه، والتي منها:
1
ـ الموضوعية.
2
ـ الإنصاف.
3
ـ حسن الظن.
4
ـ تجاوز الذات.
5
ـ نقاء الذات نظريًّا وعمليًّا.
6
ـ الإبداع نحو الوحدة.
فهذه
الأمور هي زوايا أساسية تتشكل منها
مجموعة دائرة التحرك، بما تحويها من
تفرعات وتداخلات، والتي سوف تفرز
باعتقادنا أساسًا لوحدة الأمة، وترسم
مسارها وهي موحدة، ولعل هذه الأمور
تكون قواعد حاكمة؛ خصوصًا للفرد
المسلم الذي يرى فعله وقوله من خلال
انتمائه للأمة الإسلامية لا بلحاظ
آخر. فلا بد أن يكون كلٌّ منَّا أمة في
فرد، والكل فردٌ لهذه الأمة، فيتحرك
بمسؤولية وحِكْمة، ويكبر بكبر حجم
هذه الأمة، بماضيها وحاضرها، ويحدد
مستقبلها، لا أن نُصغِّر الأمة
بصغرنا، هذا ما يمكن أن يكون مدخلا
أساسيًّا لترميم آليات الوحدة. ولعل
الحديث حول ذلك يحتاج لبسط أكثر
وتفريع أوسع، وتحليل يفتح محاور تلك
الآليات التي سعيت من خلالها أن أسير،
وأُسسَ لِمَا يمكن أن يكون تحت إطار (كلنا
راعٍ وكلٌّ منَّا مسئول عن رعيته).
ولعل الإسلام والمسلمين رعية تستحق
ذلك.
اقرأ
أيضًا:
**مدير
جامعة آل البيت العالمية AIU
|