|

|
|
مفتي مصر خلال الحوار
|
هل الغرب الذي درس مستشرقوه الإسلام
دراسة عميقة يحتاج إلى تعريفه
بالإسلام؟
ألا
يمكن للأمة الإسلامية أن تتوحد حتى
ولو في أمر يسير كالاتفاق على بدء
شهورها العربية؟
ما
دور دار الإفتاء في التصدي للفساد
المستشري في المجتمع؟
ما
مرتكزات تجديد الخطاب الديني؟
هل
من الممكن أن يتم الحج باستخدام
التكنولوجيا الحديثة؟
هذه
الأسئلة وغيرها من الأفكار والرؤى تم
طرحها ومناقشتها مع مفتي مصر فضيلة
الدكتور علي جمعة خلال حوار أجرته معه
شبكة "إسلام أون لاين.نت"، لعل
كثيرين يتفقون معها، والبعض قد يختلف
حولها.
يعاني
المسلمون اليوم حالة من التشرذم
والاختلاف تظهر بصورة جلية في
اختلافهم حول بداية شهر رمضان الذي
يؤدون فيه إحدى فرائضهم الخمس، ألا
يمكن للأمة الإسلامية أن تتوحد حتى
ولو في أمر يسير كالاتفاق على بدء
شهورها العربية؟
**
هناك العديد من المؤتمرات التي تقرر
فيها بالإجماع أن تحديد بداية الشهور
العربية بالحساب الفلكي أمر قطعي في
ثبوت بداية الشهر.
فالرؤية
في اللغة العربية من أفعال العلم
وليست من أفعال الإدراك البصري فقط؛
فالعلم المتوصَّل إليه بالبصر
والحساب والكاميرات والأقمار
الصناعية شيء يمكن أن يصل بنا إلى
الإدراك، ونتيجة لما يصيب الأرض من
تلوث مستمر، فإننا بعد عشر سنوات
مثلاً قد لا نستطيع رؤية الهلال رغم
أننا على يقين تام من وجوده.
إذن
فنحن لا نفتقد إلى الآلية في توحيد
الرؤية بين المسلمين، ولكن هذا
الخلاف يرجع إلى سببين رئيسين:
الأول:
تصميم بعض الجهات على الاختلاف
الفقهي في فهم النصوص الشرعية قبل
النظر إلى وحدة الأمة، وقبل النظر إلى
عالمنا الذي تحول إلى قرية كونية
واحدة بسبب ثورة الاتصالات.
والثاني:
الدوافع السياسية ورغبة بعض الساسة
في التميز.
وينبغي
علينا أن نعلو فوق هذه الخلافات؛ لأن
مصلحة الإسلام والمسلمين أن نظهر
أمام العالمين على أننا أمة واحدة،
فنحن لنا كتاب واحد، ونبي واحد، وقبلة
واحدة؛ فمفهوم التوحيد في الإسلام
ليس فقط توحيد الإله بل هو توحيد
الإله الذي ينتج منه توحيد النبوة
والكتاب والشهر والقبلة، فنحن أمة
توحيد، وأُمِرنا بالوحدة.
بم
تفتي سيادتكم المسلمين الذين تقع
دولهم في الغرب في قضية الرؤية إذا
ظهرت الرؤية في إحدى دول الشرق؟
**
بناء على الحالة الكونية التي يعيشها
المسلمون الآن في أركان الأرض، وبناء
على التلوث الذي أصاب الجو في كافة
أرجاء الأرض وهو ما يحول دون رؤية
الهلال، وبناء على العمل على تجاوز
الخلاف والاختلاف، فإنني أفتي بأننا
ينبغي أن نتمسك بالحساب الفلكي
ابتداء وانتهاء، وعلى ذلك فالمسلمون
في كل مكان عليهم أن يصوموا بمثل ذلك
الحساب الفلكي حتى لو بقي الهلال
دقيقة بعد غروب الشمس، وحتى لو تعذرت
رؤيته، وبذلك سنتفق، وبذلك سنصل إلى
رؤية موحدة.
هذا
الكلام يوجه للمسئولين في هذه الدول،
ولكن ماذا عن فرادى المسلمين هل
يتبعون رؤية بلدهم أم رؤية ثبتت في
بلد آخر؟
**
لا بد عليه أن يتبع ما عليه بلده إلى
أن يأتي الله بأمره.
ما
رأي فضيلتكم في استخدام التكنولوجيا
الحديثة في الحج كالطواف الآلي أو رمي
الجمار عن طريق المسدس؟
**
هذه أمور يجب أن تُدرَس حتى نرى ما
هدفها وكيفية تطبيقها، ونقدر المنافع
والمضار؛ فالفكرة في حد ذاتها لا
نستجيب لها مباشرة ولا نرفضها
ابتداء، ولكن ندرسها ثم نأخذ بعد ذلك
قرارا مناسبا لما أسفرت عنه الدراسة،
والمثال على ذلك الأضاحي وحسن
تنظيمها بعد أن كانت تفسد ولا يستفيد
منها أحد، وكذلك هذه القضية، إذا كان
القصد هو المحافظة على الأرواح أو
التيسير على المرضى والنساء، فلا بد
أن ندرس هذه الفكرة وبعد ذلك نفتي.
نرى
الآن العديد من الدول الإسلامية تقوم
بحملات لتعريف الغرب بالإسلام وتحسين
صورته، فهل الغرب لا يعرف الإسلام
حقيقة رغم الدراسات العديدة التي قام
بها المستشرقون؟ أم أن الأمر يقتصر
على كونه توجهات سياسية لهذه الدول؟
**
الغرب لم يعرف الإسلام ولم يعرف
العقلية الشرقية، وهذا ما يؤكده
رينيه جونوه وهو فيلسوف فرنسي منّ
الله عليه بالإسلام، وسمى نفسه عبد
الواحد يحيى.
فالغربيون
يعيشون الآن فيما أسماه عبد الواحد
بالتحيز الكلاسيكي الذي يعتبر أنهم
الحضارة ولا حضارة إلا هم، (ويحكمهم)
ذلك العقل الذي يهتم بالجانب العملي
على الفكري ويتقدم فيه النشاط على
التفكير.
ومن
أسباب عدم فهم الغرب للإسلام
الصعوبات اللغوية الموجودة بين
العربية بعمقها وحلاوتها وابتنائها
على عقلية متدبرة متفكرة عميقة، في
مقابلة العقلية الغربية التي شاعت
فيها لغة مختلفة في عمقها وفي قوتها
عن اللغة العربية.
هذا
بالإضافة إلى مشكلات الترجمة من
العربية إلى اللغات الغربية والناتجة
عن اختلاف الحالة الذهنية، وعمق
اللغة العربية عن هذه اللغات، حتى
إننا حين حاولنا ترجمة معاني القرآن
للفرنسية وجدنا صعوبة شديدة في
ترجمتها لضحالة اللغة الفرنسية أمام
تعبيرات العربية.
وللإجابة
على هذا السؤال بعمق: هم لم يفهموا
الإسلام، ولو قلنا في وقتنا المعاصر
إن عموم الغربيين أصبحوا أبعد عن
الفهم الصحيح لنا وللإسلام لكنا
صادقين، بل إنهم يوما بعد يوم يزدادون
بعدًا عن معرفة الإسلام وفهمه.
أما
الدراسات التي تمت من المستشرقين
للعالم الإسلامي فإنما كانت إحدى
أدوات الاستعمار من أجل احتلال الأرض
وليست بحوثًا فكرية محايدة تبحث عن
الحقيقة.
فهذه
الدعاوى ليست قاصرة على التوجهات
السياسية أو المماطلة الفكرية أو
محاولة استرضاء الغير أو مثل هذه
الخواطر التي ترد في أذهان بعض
المسلمين لعدم اطلاعهم على الحقيقة.
هل قضية تغيير المناهج
الدراسية في البلدان الإسلامية التي
يثار حولها الكثير من الجدل الآن تعد
مجرد استجابة للضغوط الغربية في هذا
الشأن؟
**
نحن عندنا حقائق:
الحقيقة
الأولى: أنه ينبغي علينا أن نصحح
أنفسنا من الداخل.
الحقيقة
الثانية: ألا نقلد الغرب في كل شيء،
وإلا كان تقليدًا مدمرًا.
فحين
نقرأ مناهجنا من الداخل وننقدها نقدا
ذاتيا، نجد فيها ضعفا، وهذا يضعف
بدوره بناء الشخصية المسلمة، ثم
نتيجة لذلك نبدأ في تغيير هذه المناهج
بناء على كتاب الله وسنة رسوله، فإذا
صادف ذلك اتفقنا مع رغبة الغرب في
التغيير، فعلينا أن نتغاضى عن هذا ولا
يكون سلوكنا رد فعل لسلوكهم، سواء
بالمخالفة أو بالتبعية لهم، أو
بالانتقاء العشوائي بلا منهج، ولكن
المنهج الصحيح هو التأصيل بمعني
البحث عن المنهج بأنفسنا، وتغييره،
ابتداء بالله ورسوله وانتهاء بهما،
دون التأثر بالدعاوى التي حولنا، وأن
نهدف من التغير إلى إنشاء مسلم مدرك
لعصره عالم بشأنه، متخلق بالرؤية
الكلية للإسلام الله والإنسان
والحياة، متحليا بالمبادئ التي تركها
لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم،
ليس واقفا عند حد معين للوصول للقوة.
ما
المرتكزات التي ينبغي أن يستند إليها
تجديد الخطاب الديني من وجهة نظركم؟
**
هذا الخطاب الديني مبشرا به من النبي
صلى الله عليه وسلم، حين قال: "يبعث
الله على رأس كل مائة عام من يجدد لهذه
الأمة أمر دينها"، والتجديد أيضا
موجود في التراث الإسلامي، فحينما
أدرك الإمام أبو حامد الغزالي أن
الشعائر أصبحت شعارات، وخلت من
المعاني، ألف كتاب إحياء علوم الدين.
والمرتكزات
التي ينبغي أن يستند إليها التجديد هي:
الأمر
الأول: الكتاب.
الأمر
الثاني: السنة.
الأمر
الثالث: اللغة العربية.
الأمر
الرابع: الإجماع.
الأمر
الخامس: المقاصد الشرعية، من حفظ
الدين والعقل والنفس والعرض والمال.
هذا
بالإضافة إلى إدراك العوالم الخمس
التي تحيط بالإنسان، وهي: عالم
الأشياء، وعالم الأشخاص، وعالم
الأفكار، وعالم الأحداث، وعالم النظم.
وكيفية التعامل مع هذه العوالم
الخمسة في إطار الإسلام.
وهناك
أمر آخر قد لا يعده البعض موضوعيًّا،
وهو حب الله ورسوله، فلا شك أن من يحب
الله ورسوله سيكون تجديده ذا جدوى
وفاعلية، وهناك فارق بين مجدد يحب
الله ورسوله وآخر لا يخاف الله ثم
يتصدى للتجديد.
هل
من الأفضل الرجوع بالأمة إلى كليات
الدين حتى لا يُستهلك وقت الأمة في
الخلافات التي بدأت تتناول بعض
الأمور المسلَّم بها، مثل الجدال
الذي دار حول قضية الحجاب في فرنسا؟.
**
حال الأمة الآن أفضل من حالها من مائة
سنة؛ لأننا تدربنا خلال هذه المائة
على كيفية خطاب الآخر، ولم يختلف
اثنان على أن الربا حرام، ولكن قد
يحدث الخلاف على معاملات البنوك، هل
هي ربا أم لا، وكذلك الخمر لم يُختَلف
على حرمتها، وقد يحدث الخلاف على بعض
المشروبات هل هي خمر أم لا، وكذلك
الحجاب لم يختلف عليه اثنان من
العلماء، فالحجاب فرض إلهي لا يمكن
لحاكم أو محكوم أن يتدخل فيه، وهذا ما
قاله فضيلة الإمام الأكبر شيخ
الأزهر، ولكن الصحفيين هم الذين
أنشئوا خلافا وهميا بين الناس في قضية
الحجاب.
هل تنظم دار الإفتاء
بعض الحملات لمحاربة الفساد المستشري
في المجتمع مثل تناول المخدرات أو
أغاني الفيديو كليب الماجنة، أو غير
ذلك، وتعمل على نشر هذه الفتاوى في
المساجد؟
**
لقد درسنا هذه الأشياء دراسة مستفيضة
في عدة مؤتمرات، ولكن الإشكال هو أن
من يتناول المخدرات لا يذهب إلى
المسجد، ومن يذهب إلى المسجد لا
يتناول المخدرات، هذا من ناحية، ومن
ناحية أخرى هؤلاء المنحرفون لا
يحتاجون إلى مجرد فتوى تقول لهم هذا
حلال وهذا حرام، بل إن الأمر يتعلق
بالتربية في المدرسة والأسرة
والإعلام وأمور اقتصادية وغير ذلك.
شارك
في الحوار حول هذا الموضوع:
|