|
رغم
ما تقضي به مواثيقها من حتمية فصل
الدين عن الدولة، وضرورة علمنة
القضية الفلسطينية، فإن المراقب
للفصائل الوطنية والتقدمية على
الساحة الفلسطينية خلال انتفاضة
الأقصى يرصد ما تنحو إليه من أسلمة
لشعارها، وتديين لخطابها الجماهيري،
سواء أكان ذلك من خلال بياناتها
السياسية، أو حتى من خلال وصايا
شهدائها التي لا تكاد تخلو عبارة من
عباراتها من لفظ ديني تخشع له القلوب
المؤمنة.
فظاهرة
كهذه برغم ما تزفه من بشرى للقلوب
فإنها في الوقت ذاته تحمل بين طياتها
العديد من علامات الاستفهام، فإلى أي
مدى يمكن لنا اعتبارها ظاهرة تتعدى
القشور نحو الجوهر؟.
وهل
يجوز لنا أن نرفع أبصارنا ونعتبر
أسلمة الشعار خطوة على طريق أسلمة
القضية برمتها على قاعدة الوحدة
الإسلامية في الوطن الواحد؟
بعضها
شعارات تسويقية!!
د.عاطف
عدوان أستاذ العلوم السياسية في
الجامعة الإسلامية بغزة يرجع ظاهرة
أسلمة الشعار إلى سعي الفصائل
الوطنية والتقدمية وراء تأييد
المجتمع وتقديره، مضيفا: "إن تلك
الفصائل عندما رأت أن المجتمع يميل
نحو المفاهيم الإسلامية دأبت على طرح
شعارات إسلامية لتسوق لنفسها ورؤيتها
في سوق يقبل هذه البضاعة، خاصة أن
الشعارات الأخرى قد ثبت للمجتمع أنها
بلا مضامين".
وأردف
عدوان: "علينا أن نذكر أن هذه
الفصائل إنما هي انعكاس للشارع
الفلسطيني الذي أيقن بضرورة أسلمة
الشعار، وبالتالي انعكس الفهم
الإسلامي على ثقافات القائمين على
العمل السياسي للفصائل".
جزء
من الهوية
وأوضح
عدوان أن هناك سببا آخر يرجع إلى ذات
الفصيل نفسه، حيث إن طرح الشعارات
الإسلامية يقصد منها الحفاظ على ذات
التنظيم لأنه لا يستطيع أن يعيش بمعزل
عن المجتمع.
ويقول
عدوان: "الفكر الإسلامي بات هو
الفكر القائد في هذه المرحلة سواء
داخل فلسطين أو خارجها، وهذا يظهر من
خلال إقبال الجماهير على انتخاب
الرموز الإسلامية في العواصم العربية
والإسلامية.
ويرى
عدوان أنه أمر طبيعي للمجتمع أن يتوجه
نحو الشعار الإسلامي؛ لأنه جزء من
هويته التي تبرز على حساب بقية
التوجهات الأخرى.
ونوه
إلى أن المتابع لمنحنى التطور الفكري
الإسلامي يجد أنه منحنى صاعد، ويتابع
بأن هذا المنحنى يمثل الحالة
الإسلامية في جميع البلدان الإسلامية
والعربية إذ نجد التضامن مع القضايا
الإسلامية والعودة إلى أسلمة الشعار
ظاهرتين مألوفتين.
ويؤكد
عدوان على أنه بقدر ما يتمسك أي فصيل
بمبادئه فإنه يحظى بالتقدير
والاحترام من المجتمع، ويتابع: إنه
حين يتخلى عن مبادئه المعلنة فإنه
يخسر كثيرا؛ لأن ذلك من قبيل المشيرات
السلبية، مضيفا إلى أن انتقال الفصيل
من موقف إلى موقف بشكل سريع استنادا
إلى المصلحة دون المبادئ إنما يدفع
الجمهور للتخلي عنه لأنه لم يحترم
ذاته.
في
انتظار التغيير الدراماتيكي
ويقول
عدوان: "المجتمع يقدر أي فصيل ينسجم
مع رؤيته شريطة ألا يظهر هذا الفصيل
بمظهر المستغل لواقع واتجاهات
المجتمع؛ لأن ذلك سيكون سببا في
اندثاره".
ويؤكد
عدوان على أن إمكانية تحقيق الوحدة
الإسلامية ليست بالأمر الهين؛ لأنها
تحتاج إلى ظروف معينة يتحرر فيها
الإنسان من الضغوط الخارجية
والمؤامرات الداخلية، ويتابع بأن هذه
الظروف لم تتحقق بعد والحسابات
السياسية تقول إنها لن تتحقق في المدى
القريب إلا إذا تغيرت الظروف بشكل
دراماتيكي غير متوقع.
ويرى
عدوان أن الآفاق تظهر لنا عودة الأمور
إلى مسارها السليم، "ويظهر ذلك من
خلال توسيع الاهتمام من قبل الشعوب
والأنظمة بالقضية الفلسطينية إلى مدى
أبعد من الدائرة العربية وهي الدائرة
الإسلامية"، معتبرا أن هذا من
المشيرات إلى الاتجاه نحو أسلمة
القضية الفلسطينية.
تعبير
عن نبض الشارع
ومن
جهته شدد د. فضل أبو هين أستاذ علم
النفس في كلية الأقصى بغزة على أنه
ثبت علميا أنه في حين اشتداد الكروب
فإن أفراد المجتمع يزيد ميلهم نحو
الدين والمنهج الديني لأنه منهج
رباني، مشيرا إلى أن الفرد في المجتمع
الفلسطيني في حالة استعداد دائم
للموت لأن حياته باتت مستهدفة في أي
لحظة في ظل عدوان مستمر لا يفرق بين
أحد وأحد.
ويقول
أبو هين: "عندما يكون الفرد مهددا
في حياته فإنه يتولد لديه خوف من
خالقه ومن حسابه في الدنيا والآخرة،
وبالتالي تتولد لديه ثقة بالخالق
وبدينه، ومن ثم ميل للاتجاهات التي
تمثل هذا التوجه.
ويرى
أبو هين أن هذا المنطق خارجيا ربما
يكون مسايرا للتنظيمات العلمانية،
ولكن داخليا فهو استجابة من الفرد
ولميله الديني.
وأوضح
أن التنظيم هو بالأساس يعبر عن نبض
الشارع، وهو عبارة عن أفراد لديهم
ميول واتجاهات، وبالتالي فإن التنظيم
حتما سيتأثر باتجاه الأفراد الذين
يمثلونه.
ربما
توقعًا للموت!!
ويؤكد
أن إقناع الفرد بالدين لا يحتاج إلى
جهد لأنه اتجاه غير علماني، ولكنه
تراث وسلوك يومي يمارسه الإنسان،
وبالتالي فإن الدين له وجود داخل
الفرد منذ نعومة أظافره، ويتابع: "الثقافة
الإسلامية تمارس في كل لحظة من الحياة
حتى في حياة الفرد صاحب التوجه
الشيوعي أو العلماني".
ويشير
أبو هين إلى أن بعض الأفراد يقصدون
الدين للمرحلة؛ لأنهم يتوقعون الموت
فيها، ولذلك يتشبثون بالدين حتى إذا
ما أتاهم الموت كانوا على طهارة،
مؤكدا على أنه إذا ما انقضت هذه
المرحلة وعادت الحياة إلى طبيعتها
بانفتاح آفاق الحياة فإن هذا الفرد
سرعان ما يعود لسابق عهده مع
الاستفادة من تجاربه السابقة.
العودة
حتمية
ومن
جهة أخرى يرى د. وليد شبير رئيس قسم
الخدمة الاجتماعية بالجامعة
الإسلامية بغزة أن الدين هو أساس
الحياة الاجتماعية، وأن المجتمع لا
بد أن يعود لمبادئه الصحيحة وعقيدته
الخالصة التي تملك تحريره وتحرير
أوطانه، مضيفا أن ظهور الشعارات
الإسلامية إنما هو توافق مع تلك
الرؤية.
فيقول:
"لقد تولد شعور لدى المجتمع
الفلسطيني بأن العودة إلى الدين هي
الطريق الوحيدة المخلصة له، ولازمته
التي يعيشها في ظل انتفاضة الأقصى".
ويؤكد
شبير أن هذا التوجة جاء نتيجة لخبرة
المجتمع الطويلة من خلال تجريبه
لأفكار كثيرة واتجاهات غير إسلامية
ثبت له فشلها، مضيفا أن أسلمة الشعار
إنما هي ظاهرة، بمعنى أنها تقبل
التغير من وقت إلى آخر، والتردد بين
الظهور والخفاء.
التوازن
تجنبًا للصدمات
وأوضح
شبير أنه يمكن تغيير سلوك الإنسان
الذي لديه توجه معين، "ولكن لا يمكن
أن يكون هذا التغيير جذريا، حيث يبقى
التوجه السابق في صراع مع التوجه
الجديد إلى أن يتغلب أحدهما على الآخر".
ويؤكد
أن الفرد الذي يتعرض إلى تغيير فكري
مستمر فإنه يتعرض لصدمة ثقافية،
مشيرا إلى أنه لا بد من تحقيق التوازن
بين المتغيرات المعنوية والمادية.
وأخيرا
يمكن القول بأنه ليس ثمة سر في صمود
الحقائق الإسلامية ومن يمثلها على
الأرض في وجه الرياح العاتية غير
التمسك بأسباب الصيانة والحماية
الربانية التي تغلفها بغطاء صلب يكسر
أنياب الوحوش إذا ما حاولت قضمه، وهو
أيضا ما يفسر أسباب اجتياح العقائد
الأخرى وانحرافها عن أصلها.
شارك
في الحوار حول هذا الموضوع:
اقرأ
أيضًا:
|