إسلام أون لاين/دعوة ودعاة
 
بريدك الإلكتروني
الصفحة الرئيسة  | دعوة ودعاة   
 

بحث        |  بحث متقدم  |  لوحة المفاتيح العربية

هلموا إلى الحوار.. نداء من أسبانيا

هاني محمد- مدريد - 27/08/2003

جانب من المركز

رهبان وراهبات مسيحيون، بل وحاخامات يهود في ضيافة مركز إسلامي بقلب العاصمة الأسبانية مدريد.. مسلمون يدخلون للصلاة أو لقضاء مصالحهم (زواج – طلاق – دروس...) في الوقت الذي يدخل رجال دين (يهود ومسيحيون) ومثقفون آخرون للحوار والنقاش، بجوار أولئك الذين أتوا لزيارة المكان ومعرفة المزيد عن الإسلام. حيث يحفل المركز الثقافي الإسلامي بمدريد بالعديد من الأنشطة، ويصفه بعض المثقفين العرب المقيمين في أسبانيا بأنه من أنشط المراكز على المستويين الدعوي والثقافي.

 تجربة المركز تتمثل في مد جسور التعارف والحوار مع أصحاب الديانات الأخرى عبر جلسات الحوار التي تُنظَّم بين الحين والآخر تحت إشراف المركز، حتى إن منطق القائمين على هذه الجلسات يسترعي انتباه كل زائر لهذا المكان.

في البداية يقول القائمون على المركز: إن دوره ليس قاصرًا على خدمة المسلمين بأسبانيا فقط، بل يمتد لأبعد من ذلك، ساعيًا إلى تعزيز الحوار مع المؤسسات الأسبانية العاملة في المجال الثقافي والعلمي والاجتماعي بغية تحقيق مستوى أفضل من التعاون المتبادل، وبغية أن يكون هذا المركز بيتًا للمسلمين ومنارة إنسانية للجميع.

وهذا أحد المعنيّين بملف الحوار والمدافعين عنه بشدة، وهو الشيخ الدكتور منير محمود المسيري إمام المركز، الذي نظم وشارك في حلقات الحوار التي تعقد منذ عدة سنوات بالمركز.

حاولنا أن نتلمس معه الغرض من الحوارات التي تُجرى، خصوصًا أنها تتم في بلد أوربي يتمتع بعدة خصوصيات، أبرزها جذوره الإسلامية الضاربة في عمق التاريخ والحضارة.

الحوار في استضافة البلدية

يقول إمام المركز: إن المركز يعقد مثل هذه الحوارات منذ عام 1995، وآخر هذه الحوارات كان في شهر مايو 2003، وفاجأني حين قال: إن الذي قام بتنظيم مائدة الحوار ليس المركز، ولكن بلدية العاصمة مدريد، وإن المركز عرض استضافة الحوار لبيان سماحة الإسلام ولإقامة علاقات بين أصحاب الأديان والملل الأخرى بأسبانيا على أساس الحوار والتفاهم.

ويضيف: إن الندوة أو مائدة الحوار كانت بين متحدثين يمثلون الرسالات الثلاث: (اليهودية والمسيحية والإسلام)، غير أن الإعلامية اليهودية التي شاركت في الندوة أرادت الاتصال بإسرائيل قبل المشاركة؛ الأمر الذي أثار حفيظة الأسبان منظمي اللقاء، وقالوا لها: "المسلمون بادروا على الفور واستجابوا لدعوة الحوار وعرضوا استضافته، وأنت تريدين الاستئذان لتدخلي في نقاش!!".

ويقول الشيخ منير إنه جعل عنوان محاضرته خلال اللقاء: "على أي أساس نتعايش؟"، قائلاً بأنه طرح مفهوم التعايش الإنساني كتحديد لمعنى التعايش الذي يبتغيه؛ ذلك أن كلمة التعايش في المطلق قد تعني التعايش على أساس الصراع، وأن يأكل القوي الضعيف وفق منطق الغاب، لكن الإسلام يرى أن التعايش لا بد أن يكون تعايشًا إنسانيًّا بكل ما تعنيه كلمة إنسان، وهو التعايش الاجتماعي والاقتصادي والأمني.

وركز في حديثه على مفهوم الأمن في الإسلام، وقال: إن الإرهاب أصبح ثوبًا فضفاضًا يُفصِّله كل من أراد أن يلصق تهمة بالإسلام والمسلمين، وإن البشرية اليوم أحوج ما تكون إلى مبادئ التعايش والحوار، بعد أن عانت من قرن مضى مليء بالحروب والدماء، فقد راحت ملايين الأرواح ضحيةً خلال الحربين العالميتين.

وأضاف إمام المركز أن المشاركين في اللقاء من المثقفين وعلماء الدين البارزين في أسبانيا خرجوا بانطباع جيد لما رأوه من انفتاح المسلمين واستعدادهم للحوار والنقاش، واعتبر أن مثل هذه الحوارات والنقاشات التي يرعاها المركز بمثابة مبتدأ سيأتي خبره -عما قريب إن شاء الله- عبر إقامة عدد من الندوات في الجامعات والمراكز الأكاديمية والثقافية لبيان الوجه الصحيح للإسلام.

على أي أساس نتحاور؟

الحوار -كما يراه إمام المركز من منطلقات عقلية ومنطقية- يبدأ بالسؤال التالي: على أي أساس نتحاور؟ فمن المهم أن نحدد الأرضية التي ننطلق منها؛ لأن هذا يساعدنا كثيرًا عند الجلوس على موائد الحوار في الوصول إلى صيغ مشتركة يمكن الاتفاق عليها، وإلا فسنصل إلى كثير من دعوات الحوار ذات الإطار الفضفاض غير المحدد أو غير واضح المعالم، مما قد يؤدي في أحيان كثيرة إلى إخفاق تلك المحاولات، ثم نلقي باللائمة بعد ذلك على الحوار ذاته.

ويتابع قائلاً: إن كل مبادئ الإسلام تدعو إلى التعايش مع الآخرين، ذلك أن الإسلام يرفض أن يصبغ أي إنسان الآخر بصبغته؛ لأن هذا خطر على سنة التمايز والاختلاف التي فطر الله الكون عليها، فالتنوع أوجده المولى تبارك وتعالى في كل شيء في الوجود، وبالتالي فإن أهم أهداف الحوار هو الوصول إلى أفضل الصيغ للتعايش الإنساني بين بني البشر.

ويعرج بنا الدكتور منير إلى كتاب الله تعالى، فيقول: القرآن نفسه سما بالحوار بشكل لم يسبقه إليه أي دين أو عقيدة بشرية؛ فالحوار يشكل في القرآن لغة ومعلمًا هامًّا، وللحوار في القرآن تاريخ، فالله عز وجل لم يستثنِ أحدًا من حواره؛ حاور إبليس عدوه، انظر: مالك الملكوت يحاور رمز الشر والعصيان، ويسأله قبل الطرد: "ما منعك أن تسجد إذ أمرتك"؟. كما حاور ملائكته: "قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون"، وحاور أيضًا أبا البشر آدم عليه السلام، وحاور الأنبياء... وكلها كانت قضايا فيها نقاش وسؤال وجواب ودليل وبرهان.

وكثير من مواقف الحوار لرب العزة سبحانه وتعالى موجودة بالقرآن، مما يدلنا على أنها وسيلة ليست بالمبتدعة وليست للترفيه. هذا بالإضافة إلى أن الحوار كان وسيلة الأنبياء لنشر دين الله، حتى إن قوم نوح الذين ظل يدعوهم ألف سنة إلا خمسين عامًا ملوا من حواره وقالوا له: "يا نوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا"، والمقام لا يتسع هنا لذكر الآيات الأخرى التي تدعو إلى الحوار والجدال بالتي هي أحسن، وبعد كل هذا ما زلنا نناقش: هل الحوار ضرورة أم لا؟!

حالة حوار مستمر

نشاط الدكتور منير المسيري -كما عاينَّاه- لا ينصب فقط على المهام الموكلة إليه من إمامة للصلاة وإبرام عقود الزواج والطلاق فقط، بل إنه يقوم بإعطاء دروس للمسلمين ولغير المسلمين، بالإضافة لمحاضرات وإصدار الكتب. وهو يؤكد أن الدعوة في أسبانيا تؤتي أكلها، وهناك كثير من الأسبان دخلوا في الإسلام وأعدادهم في ازدياد. ويمكن أن نصف تلك الأنشطة التي يقوم بها بأنها حالة من الحوار المستمر. ففي أعقاب أحداث الحادي عشر من سبتمبر ألقى الدكتور منير عدة محاضرات في أماكن متفرقة بأسبانيا والولايات المتحدة الأمريكية عن الإسلام والحوار ونبذ العنف، وخلال تلك المحاضرات كان يقول: إنه يسعى إلى ترسيخ مفهوم الحوار والتعايش في الإسلام، وتثبيت الخط المعتدل غير المائل في نفوس وقلوب المستمعين، بغض النظر عن ديانتهم وتوجهاتهم، دون إفراط أو تفريط، ذلك أن الحوار يوفر الأمن الإنساني النفسي والاجتماعي والاقتصادي، وهو ما ينشده الإسلام.

ويتساءل إمام المركز: إذا كنا نتعايش مع غير المسلم في بلادنا العربية والإسلامية بسلام، فلماذا لا نتعايش معه في بلاده أيضًا؟!

الإفراط أخطر

الشيخ منير محمود

وفي معرض حديثه عن الحوار وأهمية إرساء مفهوم السلام في الإسلام، يعتبر الدكتور منير أن خط الإفراط أكثر خطورة على الأمة من التفريط؛ ذلك أن المجتمع يعرف من هو المفرط المتسيب، ويعرف أن من يقوم بهذا الأمر يأتي شيئًا مستهجنًا غريبًا لا يقره أحد، أما من يتبنى خط الإفراط فإنه يخدع نفسه ويخدع الناس بمظهره، كمن يضع السم في العسل، فيشوه من حوله فكريًّا وسلوكيًّا، وتدفع الأمة في النهاية ضريبة هذا الغلو.

وينفعل الدكتور منير وهو يقول: على العلماء أن يتركوا الحجرات المكيفة وينزلوا إلى الشباب في كل مكان، ويتركوا مسائل الحيض والنفاس ويتوجهوا لبناء موقف الإسلام الصحيح من دعوات الإرهاب والعنف.

ويبدي إمام المركز قلقه على مستقبل الحوار كصيغة تفاعل بين المسلمين وغيرهم، ويقول: أصبح الحوار متهمًا من قبل بعض العلماء والمثقفين نظرًا لما يسمونه عدم الفائدة أو انعدام الجدوى منه، وربما لدوافع أخرى خفية لا تهدف إلى التعايش وإنهاء فرض ثقافة بعينها.

ويرى الدكتور منير أن المسلمين يجب ألا يتركوا الحوار يأسًا من الواقع المعيش مهما كانت الأسباب، فليس لدينا ضعف أو خوف على عقائدنا، وديننا أقوى من أن تهزه أي حجج مهما كانت، وما الذي يضطرنا لترك ساحة الحوار مع أصحاب الأديان والمذاهب والأفكار الأخرى وليس لدينا ما نخشاه من أن يُسيِّر أحد الأمور بغير إرادتنا، طالما أننا نتكلم بكل ما نريد.

ويختتم الشيخ الدكتور منير المسيري حديثه قائلاً: يجب على كل مثقف اليوم ألا يكون أسيرًا لخيارات ثقافية أو أنماط معينة فرضت عليه، حتى الحوار ذاته عليه ألا يقبل أيضًا أنماطًا لا يرتضيها، بل يقبل ما يرتضي منه نوعه وكيفيته.

اقرأ أيضًا:

عودة



دعوة للتأمل | زاد المسير  | قضايا معاصرة |  التواصل فن | تجارب دعوية | خدمات دعويةلقطة وفكرة

 

 

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع