 |
|
هل خففت الهدنة آلام الشعب
الفلسطيني؟
|
لم يختلف اثنان على أن
الخطاب الدعوي الفلسطيني شهد تغيرًا
ملحوظًا في لهجته تجاه الانتفاضة
والمقاومة والعملية التفاوضية، خاصة
بعد إعلان الفصائل الفلسطينية للهدنة
التي تقتضي منها أن تتوقف عن شن هجمات
عسكرية ضد أهداف إسرائيلية لمدة
تراوحت من ثلاثة إلى ستة أشهر.
فالمتتبع لخط سير الخطاب
الدعوي، والذي يشمل بالطبع خطب
الجمعة والدروس والمواعظ، يلاحظ أنها
اتخذت طابعًا مسالمًا في الغالب، حيث
باتت تركز على الحياة العملية
للفلسطينيين وواقعهم المعيشي
والاجتماعي، وكذلك باتت تقوي من
العقيدة والإيمان، وتسترجع الماضي
التليد لمحاولة ربطه بالمضارع أو
بالمستقبل.
كما أنه يلاحظ أن عددًا
قليلاً من الخطباء والوعاظ الحركيين
بقوا محافظين على نهجهم الثوري – إن
صح التعبير- فهؤلاء يؤمنون بأن الهدنة
وما قد يتبعها ضرت بالفلسطينيين
وأفقدتهم روح المقاومة والجهاد، لذا
لا بد من الاستمرار في النهج ذاته،
وهو ما يعارضه كثير من الناس، حتى ممن
هم من أشد المتحمسين لاستمرار العمل
العسكري.
خطباء
السوق السوداء
 |
|
الشيخ أحمد الحاج علي
|
يقول الشيخ أحمد الحاج
علي، أحد أبرز الخطباء المحسوبين على
الاتجاه الاسلامي، والممنوع من
الخطابة منذ سنوات بسبب كلامه الذي لم
يرق للمسئولين، على حد زعمه: إن
الأوضاع السياسية بشكل عام تؤثر على
الخطباء وأئمة المساجد والوعاظ، كما
أن عدم وجود حرية الرأي تحد من ممارسة
أولئك لدورهم المتمثل في الإرشاد
والوعظ والتنبيه للمخاطر، فهم
كالسمكة، إن خرجت من الماء ماتت، خاصة
إن كان هناك من لا يريد سماع كلمة "لا"،
فهناك عدد كبير من الخطباء ممنوعون من
الصعود على المنبر، لذلك فهم يحاولون
الاعتماد على "السوق السوداء"،
والمقصود بها المساجد التي تكون في
طور التأسيس، وكذلك يتحدثون من خلال
المهرجانات والاحتفالات، والأماكن
التي لا يوجد عليها رقابة من قبل
المسئولين.
وأشار إلى أن الخطباء
يتبعون دومًا سياسة الحركة، كما أنهم
يشاركون في صناعة القرار وتشكيل
الرأي العام، فقبل موافقة حماس على
الهدنة استشيروا بخصوصها، وتم بحث
الموضوع معهم، وتم الحوار حول أدق
التفاصيل، فهم مشاركون فاعلون في
صناعة الهدنة وهذا ما يجهله كثير من
الناس.
دور
الخطباء أثناء الهدنة
وإن كان الخطيب قد شارك في
وضع بنود الهدنة التي وافقت عليها
الحركة الإسلامية، فهو بالتالي من
أوائل الذين سيلتزمون بها من تلقاء
نفسه.
لذلك كان دور الخطباء
والوعاظ المحسوبين على الاتجاه
الإسلامي خلال الهدنة:
1.
وضع المواطنين في صورة ما يجري حولهم
من أحداث، من دون تزييف أو خداع فيما
يتعلق بالهدنة، وهذا ما ظهر في الخطب
والدروس خلال الأسابيع الأولى للهدنة.
2.
أمَّن الخطباء المحسوبون على الاتجاه
الإسلامي على الهدنة من باب المصلحة
العليا للشعب الفلسطيني، بالرغم من
التحفظات الكثيرة جدًّا عليها،
وإدراكهم المسبق بأن إسرائيل لن
تلتزم بها على المدى البعيد، لذلك فإن
من واجبهم إيضاح هذا الأمر للناس
للخروج بمواطنين فاهمين للواقع،
وبعيدين عن الغوغائية أو العرضة
للإشاعات والدعاية الإعلامية من
العدو.
3. كان على الخطباء والدعاة
التخفيف من اللهجة القوية، وهذا
مرتبط بتخفيف حدة العمل العسكري
المتبادل من الفلسطينيين
والإسرائيليين على سواء، فلم يعد
هناك "ثورة الكلام" التي كانت
تثري الحالة السياسية لدى الناس.
عودة
للخطاب البنائي
ومن المعروف أن الأمور إذا
هدأت تبعها هدوء خطابي استُبدل به
خطاب بنائي عقائدي تاريخي، وبجزء
مضيء من الماضي لشحن المستقبل، ورفع
المعنويات ورفع منسوب الإيمان، من
خلال القصص والنماذج الصادقة من
التاريخ الإسلامي وأحاديث الجهاد.
ولم تكن الهدنة بعيدة عن
هذا السياق، فقد تحدث العديد من
الخطباء في الخطبة الأولى بعد توقيع
الهدنة وما تلاها من دروس ومواعظ
ومجالس علم، حول الهدنة التي أقرها
الرسول صلى الله عليه وسلم في صلح
الحديبية، وبيان كيف كانت من موقف قوة
وأتت بخير وفائدة على المسلين في ذلك
الوقت، وهذا ما جعل الناس يرجعون
للأسس الشرعية لهذا العمل مع الفارق
في الزمان والمكان.
كما تركزت الأحاديث
الدعوية حول المعارك الإسلامية
والفتوحات، وما كان يحدث من مواقف
للقادة العسكريين الإسلاميين وكيف
تعاملوا معها، وخاصة فتوحات صلاح
الدين التي استمرت 19 عامًا خاض خلالها
74 معركة، لكنه توجها بصلح الرملة ولم
يحرر كامل فلسطين.. أي إننا ندرس
التاريخ لصالحنا، ونعطي المقاتلين ما
يسمى باستراحة المقاتل.
الأمور
انقلبت
وأشار الشيخ أحمد إلى أن
النهج كان يقوم على كون الخطب أيام
الجمعة تتحدث بالغالب حول آخر
التطورات على الصعيد السياسي، وتهتم
بالموضوعات الساخنة، وتحرض على
المقاومة واستمرار الجهاد، وكانت
محاور الدروس والمواعظ بعد الصلاة
تتطرق إلى الموضوعات الاجتماعية
ومشكلات الناس وهمومهم، والحلول
الإسلامية لها، والفقه والعبادات،
إلا أن الهدنة فرضت علينا أن يحدث
العكس، فباتت الخطب حيث الحشد
الجماهيري تتحدث عن الزواج والطلاق
والمشكلات الاجتماعية والتكافل
والتراحم، وغابت عن أجندة المعظم
الموضوعات السياسية، تماشيًا مع
الحالة السائدة، والذي يريد أن ينتقد
فالمساجد بعد صلاة المغرب مثلاً
مفتوحة، حيث الكم العددي الأقل.
ومن أشكال تغير الخطاب
الدعوي بعد الهدنة: الخطبة الموحدة،
حيث تقوم دائرة الأوقاف الإسلامية في
كل مدينة بتعميم موضوع معين على كافة
الخطباء، ويبقى أسلوب وأداء الخطيب
هو الفيصل.
وبذلك باتت الخطبة الموحدة
نوعًا من التوجيه لإبعاد الناس عن
الواقع السياسي نسبيًّا بما يخدم
السلطة الحاكمة، إلا أن الخطباء
غالبًا - وخاصة الحركيين منهم
والمؤطَّرين - لا يلتزمون بها كليًّا،
بل يحاول من خلال كلامه تمرير بعض
الأفكار والمواقف التي يؤمن بها،
ويؤمن كذلك بضرورة نقلها للآخرين.
ومن الأساليب التي اتبعتها
الحركة بعد الهدنة: الاجتماع
الأسبوعي للخطباء، بحيث يكون إما يوم
الأربعاء أو الخميس لمناقشة آخر
التطورات ومستجدات الأحداث، وحسم
الموضوعات التي من الممكن أن يتطرق
إليها الأئمة في خطبهم، بحيث تتفق مع
الصالح العام.
وحول الهدنة، لا ينفي
الحاج أحمد أن الهدوء الذهني جاء بعد
حالة من السخونة استمرت 3 سنوات بصورة
يومية ومتواصلة من القتال إن صح
التعبير، والإنسان بطبيعته بحاجة إلى
فترات استراحة، والهدنة ربما تلبي
هذه الحاجات، حيث عملت على ما نسميه
بـ"الاسترخاء الموضعي"، وهذا
لصالح الطرفين.
آخرون:
الخطاب لم يتغير
 |
|
الشيخ حامد البيتاوي
|
وكما ذكرنا سابقًا فإن
هناك تيارًا يعتقد أن الخطاب الدعوي
الإسلامي بعد توقيع قرار الهدنة بقي
يسير في ذات الخط ولم يتغير.
وكما يعتقد هؤلاء فإنه لا
توجد ضغوطات على الدعاة بعدم التطرق
إلى الموضوعات السياسية وإن كانت ثمة
تعليمات خاصة من بعض المسئولين في
وزارة الأوقاف بعدم التطرق إلى
الموضوعات التي قد تحرج السلطة
الفلسطينية، كما حدث عندما عمم مدير
أوقاف نابلس على الخطباء عدم الحديث
عن مشروع قانون العقوبات الفلسطيني
المقدم إلى المجلس التشريعي للمصادقة
عليه، والمتعلق بفواحش الزنا واللواط
وشرب الخمر وسائر المخدرات، وإباحة
القمار.
ويمثل الشيخ حامد البيتاوي
رئيس رابطة علماء فلسطين وأكثر
الخطباء في نابلس جماهيرية هذا
الاتجاه، فيقول الشيخ البيتاوي: إن
واجب الداعية في هذه الظروف وغيرها أن
يستمر في حمل الدعوة إلى الله عز وجل
بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛
لأن حمل الدعوة إلى الله من أفضل
الأعمال الصالحة، لقول الله تعالى:
"ومن أحسن قولاً ممن دعا إلى الله
..."، ولقوله صلى الله عليه وسلم: "لتأمرن
بالمعروف ولتنهون عن المنكر...".
وعلى الدعاة والعلماء أن
يستمروا في حمل الدعوة إلى الله، ولا
يخشون في الله لومة لائم، وعليهم أن
يحذروا من كتمان العلم، قال تعالى:
"إن الذين يكتمون ما أنزلنا من
البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس
في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم
اللاعنون" (البقرة: 158-9).
وعلى الداعية أن يتجنب
غيبة الأشخاص وتجريح الهيئات، كما
أوصى بذلك الإمام حسن البنا رحمه
الله، ويقع على عاتق الداعية أيضًا أن
يدعو إلى الله بالحكمة والموعظة
الحسنة، قال تعالى: "ادع إلى سبيل
ربك بالحكمة والموعظة الحسنة" (النحل:
125).
والآن
.. ما دور الخطباء؟
1.
الحديث عن الانتهاكات الإسرائيلية
المتواصلة، والتي لم تتوقف بعد توقيع
الهدنة، من حصار وقتل وتجريف ومصادرة
للأراضي واعتقالات، وعدم الإفراج عن
آلاف المعتقلين، وهو الشرط الأساسي
للهدنة، وكذلك الحواجز والسور
الواقي، واقتحام مئات اليهود لساحات
المسجد الأقصى.
2.
التنبيه إلى استغلال إسرائيل للهدنة،
والعمل على تقوية أجهزتها العسكرية
والاستخبارية، وكذلك التنبيه إلى
تعنتها السياسي في المفاوضات
والمحادثات، ورفضها التنازل عن أي
نقطة خلاف.
3. بالرغم
من وجود كل هذه السلبيات الآن، فإنها
وبالإجماع تكاد لا تؤثر على الوضع
العام السائد المسيطر، كما أنها لن
تضعف الإرادة الفلسطينية في
المقاومة، وهذا يتطلب من الخطباء
الإبقاء على ذات القوة والنفس وشحذ
الهمم والتحفز لأي خطر محتمل من قبل
العدو.
4. التحذير من السلبيات
التي قد تحدث بسبب الهدنة، مثل الركون
والاستكانة للعدو، بالإضافة إلى
سلبيات اجتماعية، حيث إن الضغط الذي
تعرض له الفلسطينيون على مدار سنوات
الانتفاضة قد يسبب لهم الانفجار،
وبالتالي قد تظهر تصرفات لا تليق بشعب
قدم آلاف الشهداء والجرحى والمعتقلين.
|