إسلام أون لاين/دعوة ودعاة
 
بريدك الإلكتروني
الصفحة الرئيسة  | دعوة ودعاة   
 

بحث        |  بحث متقدم  |  لوحة المفاتيح العربية

حين تخضر الدعوة

ناهد إبراهيم - 10/08/2003

الدعوة إلى الله والتشجير.. مشروعان يختلفان إلى حد كبير في شكلهما، ولكنهما يتفقان في جوهرهما؛ ففي أحدهما تغرس زرعًا طيبًا تأمل منه الخير في توفير الظل، أو في إتيان الثمر الطيب، أو كليهما، أو علاج تلوث البيئة والإسهام في تحسين صحة الإنسان والكوكب. وفي ثاني المشروعين غرس لكلمة طيبة تأمل منها الخير في هداية نفس، والأخذ بها إلى طريق رضا الله وجنته. لكن ليس هذا ما أرمي إليه بحديثي أساسًا عن جوهر الاشتراك.. فماذا أقصد إذن؟!

ما أرمي إليه في هذا الصدد أن للدعوة إلى الله تعالى مجموعة أشكال تقليدية، ربما صار بعضها يبعث على الملل، وربما اعتاد الناس عليه حتى ما بات يؤثر فيهم، وربما قامت أقلام السوء بتسميم وجدان الناس ضدها وضد القائمين عليها.

الدعوة وهموم المجتمع

وقد نجحت جهود بعض الدعاة الشباب حينما غيروا في بعض الجوانب الشكلية أو الموضوعية في أساليب الدعوة، وطرق توصيل كلمة الله الطيبة لقلوب عباده.. فلماذا لا يصير التجديد في أساليب الدعوة وطرائقها من هموم كل داعية؟!

والأكثر من ذلك أهمية وفاعلية تساؤل آخر: لماذا لا نربط الدعوة إلى الله بهموم مجتمعاتنا؟ ولماذا لا نطور الأمر لتتواصل عالمية الدعوة مع عالمية هموم الكوكب؟ ثم لماذا نصر على أن نجعل الدعوة إلى الله حبيسة السياسة؟ أما آن لنا أن نجعل الدعوة إحدى سبل علاج مشكلات مجتمعاتنا؛ لتكون الدعوة إضافة روحية ومادية لمجتمعاتنا وأهلنا، بدلا من الحالة الراهنة التي تمثل فيها الدعوة عبئًا على مجتمعاتنا بسبب أبعادها السياسية؟ ثم أليس من مظاهر الدعوة الربط بينها وبين مقصد الشارع جل وعلا في إعمار الكون؟

لقد أنف الدعاة ذات يوم أن تقترن صورتهم في أعين مجتمعاتهم بصورة جامعي القمامة.. فهل يأنفون من مشروع التشجير؟

ليس التوجه العالمي هو ما يدفعنا للتفكير في مشروع أهلي للتشجير، وليس الجمال وحده الدافع، لكن فلينظر كل منا إلى ضرورة هذا للحفاظ على صحة أبيه وأمه وأخيه وزوجه وابنه وابنته، والمسلم الحق يجب أن يعنى بهذا عندما يجد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إذا قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة، فإن استطاع ألا يقوم حتى يغرسها فليفعل"، إنه حق الله وحق رسوله وحق كل شخص قريب وحبيب، إنه حق الوطن، حق كوكب الأرض الذي علينا التحرك لإنقاذه من هذا التلوث والقبح.

مشروع لكل مدرسة وجمعية

ما نريد أن نؤكده هنا أن هذا المشروع ينبغي أن يبادر إلى تنفيذه كل جمعية خيرية، وكل مدرسة، وكل اتحاد ملاك، وكل مبنى سكني أو تجاري، وكل اتحاد شاغلين أو مستأجرين، بل لو اعتبرناه فرضًا دينيًّا يتوجب على سبيل "الكفاية" إذا ما كانت مصلحة الإنسانية ومصلحة الوطن ومصلحة الأهل والآباء والأبناء في ذلك؛ فإن هذه المشروعات تصير واجبة بما يحقق كفاية الوطن من نقاء الجو ومكافحة التلوث، وجمال الموطن الذي نقيم فيه.

فقط المطلوب مبادرة تقوم بها مؤسسة أهلية، وتحاول تعبئة الأفراد وراءها، محاولة في هذا الإطار الاستفادة من العطلة الصيفية، وتجميع الشباب، وتوجيه طاقتهم لما فيه صالحهم وصالح أهلهم وصالح وطنهم وصالح كوكبهم، بل أكثر من ذلك يمكن لأي فرد -طالبا كان أو موظفا في مؤسسة حكومية أو أهلية- أن يتقدم بهذه المبادرة؛ إعذارًا لله في ممارسة هذا الواجب الذي يحتاج لمن يكفي الأمة في أدائه.

إرشادات لكل راغب في المبادرة

إذا كان متعينًا على كل فرد حتى تتحقق الكفاية أن يباشر مهمة التشجير كواجب ديني؛ فإن المبادر يحتاج إلى مجموعة من الإرشادات والخطوات العملية اللازمة لتقديم اقتراح عملي شامل، تتقبله أي مؤسسة جادة بقدر عالٍ من الاحترام.

أ-  خطة قوية = مشروع مقبول:

من أهم ما ينبغي على الراغب في القيام بمثل هذا المشروع أن يتجنب العفوية؛ فإنها تؤدي إلى تشتيت الجهد، وإهدار الموارد من طاقة الشباب وجهدهم ووقتهم، والمال المجموع لتنفيذ المشروع.

ويمكن إعداد خطة قوية تكون ملامحها كالتالي:

1- تحديد المكان المستهدف بالتشجير، وهذا الأمر بالغ الأهمية؛ لأن كل مكان له الشجر الخاص به؛ فالشجر العريض لا يناسب الطرق ومفارقها التي يجب أن تتضح فيها علامات المرور، والبيئة الصحراوية لا ينفع لها الشجر الذي يحتاج لري كثيف.

2- الاستعانة بمهندس زراعي لاختيار أنسب أنواع الشجر، ويمكن توفيره عن طريق:

- سؤال الأصدقاء والمعارف في الحي حول مهندس زراعي.

- التقدم بطلب للجمعيات الأهلية المهتمة بشئون البيئة لتوفير مهندس زراعي يساعد في هذا الإطار.

- طلب مساعدة مجالس الأحياء والبلديات كخيار أخير.

3- تحديد كيفية متابعة جهود الري؛ فتكون من خلال البيوت، أو من الدارس في يوم الخدمة الذاتية أثناء فترة الدراسة، أو من خلال النادي الصيفي للمدرسة في الصيف، أو من خلال جماعات البيئة بالأندية الرياضية والاجتماعية، أو من خلال العاملين بالمؤسسات والجمعيات المشتركة بالمشروع.

ب- اجمع المقتنعين بالفكرة:

من المهم على كل مبادر بمثل هذا المشروع أن يبدأ بإقناع من حوله بالفكرة من خلال الحجج الشرعية، والحجج التي تتضمنها كتيبات جماعات البيئة وأضرابها، أو البيان الذين تعلنه مجالس البلديات والأحياء. والتركيز على قيادات المؤسسات الأهلية مهم، مثل مجالس إدارات النوادي، والنقابات المهنية، والجمعيات الأهلية، والمهتمين بالعمل العام، والجيران ذوي القوة والهيبة في المنطقة، والقيادات الدينية في المساجد المحيطة به.

ويأتي بعد ذلك جمع الشباب اللازمين لتشكيل أفواج العمل، ويأتي ذلك عبر عدة خطوات، هي:

1- أصدقاؤك أو أبناء أصدقائك المقتنعون بالفكرة.

2- الشباب المنخرطون في أنشطة البيئة بالنوادي الرياضية والاجتماعية.

3- قوائم المتطوعين أو المستعدين للتطوع بالجمعيات الأهلية المهتمة بشئون البيئة.

4- الشباب الذين يتجمعون في المساجد في الصيف، أو من خلال دعوة المساجد نفسها، عبر منابرها للترغيب في هذا النشاط.

ج- ابدأ وعينك على مصروفات المشروع:

حينما تتحرك أنت بشخصك أو بصفتك رئيس جمعية أهلية ذات صلة أو بصفتك الساكن في أحد الشوارع التي تحتاج للتجميل، أو بصفتك داعية في مسجد ترغب في أن يباشر هذا المسجد دورًا في تجميل المكان المحيط به، أو بصفتك طالبا في مدرسة ترغب في تجميل المكان حول مدرستك، أو تجميل المكان بطول الطريق من مدرستك إلى بيتك، أو من ناديك إلى بيتك.. حينما تتحرك بأي صفة من هذه الصفات يجب أن تبدأ وعينك على مصروفات المشروع.

ولا يمكنك تحديد هذه المصروفات من دون مشورة مهندس زراعي؛ وهو ما تحدثنا عنه سابقًا، ومهمة المهندس أن يتولى أمرين:

1- تحديد الأشجار الملائمة لمناخ وتربة المنطقة.

2- تحديد طبيعة المكان (طريق عام – طريق فرعي – مسطح واسع... إلخ).

فدولة مناخها حار جدًّا وجاف كالمملكة العربية السعودية تحتاج نوعية ملائمة من الشجر الذي يتحمل الحرارة، كالكافور والأكاسيا والجازورينا والدوم والجميز... إلخ، بينما المكان المطير يحتاج أشجارًا كثيفة تمد ظلالها، مثل الصفصاف، في حين أن الشوارع الضيقة تحتاج أشجارًا تتمدد طوليًّا مثل الكافور، بالإضافة لتقدير العلاقة ما بين قوة جذور الشجرة وأساس المنزل.

والطرق العامة التي تستخدم لأغراض المرور لا يمكن استخدام الشجر الكثيف فيها، وهو الشجر الذي يحجب عن المارة رؤية السيارات، ويحجب على سائقي السيارات رؤية علامات المرور.

كل هذه الاعتبارات لا يراعيها معك سوى مهندس زراعي تكون مهمته تقدير تلك الاعتبارات، وقياس المسافة المطلوبة بين الأشجار، ومن ثَم تحديد عدد الشتلات ونوعها؛ وهو ما يعني في النهاية إنتاج ميزانيتك المبدئية.

وبعد تحديد عدد المشاركين معك ومدة عملهم، والأدوات التي تحتاجونها يمكنك وضع الملامح النهائية لميزانية وليدك.. أقصد مشروعك.

إياك وإهمال مرحلة ما بعد التشجير

أخي المبادر، كما أوصى الرسول صلى الله عليه وسلم بغرسها أوصانا أيضًا بإتقان عملنا في صون غرسها، يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه"، إن الغرسة لا يستقيم حالها بمجرد غرسها وتركها، بل تحتاج لمهمتين اثنتين فيما بعد الغرس، في حالة وجود مهندس زراعي مساعد في المشروع؛ فوجوده يوفر مهمة ثالثة، هي مهمة العلاج، وتبقي مهمتان وهما:

1- الري.

2- التقليم.

مهمة التقليم محدودة؛ حيث يتوقف عملها على طبيعة المنطقة، أو على مراحل نمو الشجرة؛ فالشجرة في مراحلها الأولى تحتاج تقليمًا جانبيًّا، وفي مراحلها المتقدمة تحتاج تقليمًا علويًّا، كما أنها في حالة الطرق تحتاج لتقليم جانبي، وفي حالة المجاورة السكنية تحتاج تقليمًا علويًّا.

أما مهمة الري فهي التي تستمر طوال عمر الشجرة، ويحدد دورة الري المهندس الزراعي الذي يختار نوعية الشجر.

وبالنظر لمشروعات التشجير التي تشرف عليها الحكومات نجدها تعتمد على ثلاث طرق:

أ‌-  التنقيط: ويعتمد على وجود أنابيب تحت الأرض تقوم بالرش على المنطقة المزروعة بشكل مسطحات.

ب‌- النبع: هي تطوير لطريقة التنقيط، ولكنها تقنية معقدة.

ت‌- طريقة الرش من خلال عربات رش، أو عن طريق أنبوب عمومي.

وننصح المبادر باستخدام الطريقة الأخيرة لقلة تكلفتها.

ويمكن إيكال مهام الري للمنظمات والمؤسسات القريبة من مناطق التشجير، مثل طلبة المدارس، ومرتادي النوادي، ومتعهدي المساجد، ومتطوعي الجمعيات والمنظمات البيئية، وقاطني كل شارع.. كل أمام بيته.

ولا بد من تدبير عملية الري هذه مع الجهات التي ستقوم بها؛ لكي تتجنب التواكل في عملية الري، وهذا التبليغ مهم جدًّا؛ لأنه يتضمن أيضًا إعلام المضطلع بعملية الري هذه بدورة الرش التي يوصي بها المهندس الزراعي.

تقسيم العمل

وللتيسير عليك في نظام العمل نشير عليك بأن العون الذي تلقاه ستحتاجه في تقسيم مَن يشاركك مشروع التشجير، ويشمل هذا التقسيم مجموعتين أساسيتين:

أ‌- قوافل التشجير، وهي المجموعات التي ستتولى مهام الحفر والغرس والردم.

ب‌- مجموعات التوعية، وهي التي ستتولى بحث وتوزيع مهام الري والتقليم، والتوعية بأهمية عملية التشجير، ويمكن أن تتكون هذه المجموعات من أهل المنطقة حتى يتسنى لهم مباشرة مهمتهم بيسر، كما يمكنهم جمع التبرعات.

العمل التطوعي والإدارة الحكومية

وبما أنك –أخي- قد أخذت على عاتقك الالتزام بهذا المشروع الثمين عند الله ثم عند الناس وجب أن أوضح لك أمرًا مهمًّا يتعلق بالعلاقة بالجهات الحكومية المعنية مثل المجالس البلدية وإدارات الأحياء التي يجب أن يلفها الود والتعاون..

الميزة الأساسية للعمل التطوعي أنه يتجنب الأعباء الإدارية المرتبطة بالإدارات الحكومية التي يُعقِّدها إما كثرة أعباء هذه الإدارات، أو تدقيقها في سير العمل بصورة قد يغالي فيها البعض من موظفي هذه الإدارات.

لكن المبادرة بالعمل التطوعي ينبغي ألا تغفل أمرين:

أ‌- ضرورة الحصول على إذن من هذه الجهات، وبخاصة في الطرق الكبرى، ومراعاة الاعتبارات المرورية.

ب‌- إمكان الحصول على دعم من الإدارات المختصة مثل المساعدة في تقديم عمال للقيام بأعمال الحفر والغرس، أو للمساعدة في أعمال الري.

بقي أن أذكرك بالنية؛ فهي من أهم المقومات التي تعينك على إنجاز مشروعك؛ فهي تفيد من جهات ثلاث:

أ- تدخر لك جزيل الثواب عند الله تعالى، وما عند الله خير وأبقى.

ب- تعينك على شحذ همتك عندما تواجهك صعاب.

جـ- تساعدك على استمالة شريحة عريضة من الأشخاص الذين سيُسدون لك أوسع العون.

عودة



دعوة للتأمل | زاد المسير  | قضايا معاصرة |  التواصل فن | تجارب دعوية | خدمات دعويةلقطة وفكرة

 

 

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع