إسلام أون لاين/دعوة ودعاة
 
بريدك الإلكتروني
الصفحة الرئيسة  | دعوة ودعاة   
 

بحث        |  بحث متقدم  |  لوحة المفاتيح العربية

فكر الأزمة أم أزمة الفكر؟!

مثنى أمين الكردستاني 19/07/2003

قد يتحفظ البعض على مصطلح "أزمة الفكر" في الإطار الإسلامي باعتبار أن ذلك استباق للنتيجة، وتأكيد للافتراض الذي ينبغي مناقشته، ولكن سواء سلمنا بهذا الرأي أم لا، فإن الشيء الذي لا يمكن أن ينكره أحد هو: إن الحياة الإسلامية الآن تشهد العديد من الأزمات الطاحنة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والإدارية... إلخ، ولا شك أن هذه الأجواء المشحونة بكل هذه الأزمات التي تنوء بحملها الأمة الإسلامية تفرز على الدوام أفكارًا وتحليلات وأطروحات متنوعة تحمل بصمات تلك الأزمات، وتتأثر بها بشكل واضح، وذلك راجع إلى الجدلية الحتمية الموجودة بين الواقع والفكر والمثال، حيث يشكل الفكر البشري حلقة الوصل بين المثال الذي نرنو إليه والواقع الذي نعيشه، مهما كان شكل هذا الواقع ومقدار بعده أو قربه من المثال المرجو.

ولما كانت الأزمات التي تصيب الواقع تكبر مع الواقع شيئًا فشيئًا، وبتدرج لا يدع الفرصة للانتباه المبكر غالبًا، وخصوصًا عندما تعيش الأمة حالة من الغفلة وتبلد الحس، وتفتقر إلى آليات الفحص الدقيق والإنذار المبكر؛ لأن شأن كل الأزمات أو الكثير منها مثل النمو المتدرج للطفل أمام والديه حيث لا يشعران به، بخلاف الشخص الذي ينقطع عن ذلك الطفل فترة من الزمان فيفاجأ بالزيادة التي حصلت في نموه وزيادة حجمه وشكله.

أولئك الذين تاهوا!!

وخطورة أزمات الواقع على الفكر عند عدم الانتباه إليه، هو أن الفكر يتدهور ويتراجع مبررًا الواقع شيئًا فشيئًا إلى حد الذوبان والتميُّع أمام الضغوطات التي تفرضها أزمات الواقع المختلفة، وهذا الكلام لا يعني ضرورة تجاهل الواقع وعدم الانتباه إلى متطلباته العملية والتي تؤطر عملية التعاطي مع النصوص والأحكام إلى حد كبير، بل يؤكده ويدعو إليه، ولكن يحذر من عدم التفريق بين ما هو واقع وبين ما هو أزمة ذلك الواقع ومرضه المنتشر المستفحل.

وإذا كنا نتحدث عن أزمة الفكر وآفاته، فإن الإشارة هنا هي إلى أن يؤدي التفاتنا إلى الأزمات وانشغالنا بعلاجها إلى نسيان الأولويات الإستراتيجية التي نهدف إليها، ونستعين -بالإضافة إلى آليات التصدي وطرح أقراص العلاج- بعنصر الزمان كجزء من العلاج الذي نرجوه لمجتمعاتنا المنهكة المعلولة.

ويمكن في هذا المجال ضرب الكثير من الأمثلة، ومنها التهويل من شأن بعض الأحداث والكوارث والحروب، والانشغال بعلاجها لدرجة الإخلال بالأولويات وعدم القيام بطرح موازنة بين أهمية تلك القضايا ومثيلاتها، وأهمية المشاريع الإستراتيجية ذات المردود الحضاري البعيد المدى، وبين المقدار المتوفر من الموارد البشرية والمالية والإعلامية... إلخ.

الجميع يلاحظ في العمل الخيري الإسلامي -مثلاً- هذا التأثر الواضح، حيث إننا عندما تأتي مواسم جمع الزكاة والتبرعات والمال لخدمة العمل الإسلامي، نلاحظ تفجيرًا لأزمة دموية ترافق الموسم أو تسبقه بقليل، فيُصرف أغلب الاهتمامات إليها، ويُنسَى دعم العديد من المشاريع الحيوية المهمة في غمرة الانشغال العاطفي بتسجيل موقف عابر مع قضية ما، ونرى أن التخصيصات المالية تنصرف لتلك القضايا الساخنة، وتتدفق الأموال لكي تُصرَف على نفقات استهلاكية قد يُختَلف على درجة أهميتها، ولكنه لا مجال للاختلاف حول تأثيرها السلبي على وجود المشاريع الأخرى المشار إليها أو تأجيلها أو حتى إلغاء تنفيذها.

ومن الأمثلة الواضحة أيضًا ذلك الاضطراب الذي يحدث عندما تتفجر أي قضية سياسية في بلادنا، حيث نلاحظ أن بعض العاملين في الحقل الإسلامي يركزون عليها ويبلورون فيها مواقف حديَّةٍ جدِّيَّة لدرجة تكاد تعني اختزال قضايا المسلمين فيها، وتعليق مصير الأمة عليها، وإثارة الخلافات المتنوعة التي تؤدي إلى إضاعة الجهود، وتفتيت القلوب، ونقض كثير من غَزْلِنا وبنائنا، وتوتير أجواء الأمن في بلادنا لدرجة الأزمة والاحتقان؛ الأمر الذي يوفر الفرصة للتدخلات الأجنبية، ويدفع بالحكام للاحتماء أكثر فأكثر بقلاع الديكتاتورية والاستبداد، وتبذير ميزانيات قوت أطفالنا ودواء مرضانا وكساء عوراتنا للأمن والعسكر والمخابرات.

ويمكن ملاحظة آثار الأزمات على أدائنا التربوي الشخصي، حيث نلاحظ أن الانشغال المفرط بالأخبار السياسية غير الجوهرية، ومتابعة النشرات الموجزة والمطولة عطل الكثيرين عن تحقيق إنجازات مهمة، وحول ثقافتهم إلى ثقافة ضحلة لا ترى إلا الظاهري من الأمور، ولا تهتم إلا بالعالي من الصرخات، ونحن نعرف كيف تسرق وسائل الإعلام أغلى وأثمن أوقات حياتنا لصالح العاجل من الأمور، والحادث من الأخبار، وحتى اللهو المباح وغير المباح على حساب التعلُّم، والتربِّي، والتعمُّق لرؤية ما وراء السطور، وما وراء الأحداث، وما هو مسكوت عنه عمدًا أو سهوًا.

العلاج في ثلاث

وهكذا نلاحظ الآثار الخطيرة للأزمات، بدءًا من المستوى الفردي، وانتهاءً بالمستوى الجماعي، ومرورًا بجميع إستراتيجياتنا التي تهتز ويتراجع تطبيقها، حينما نتعرض لبعض الأزمات التي لو صبرنا على الكثير منها فإنها لن تعدو أن تكون آلامًا مؤقتة وأعراضًا لعلل أخرى مستفحلة أفصحت عن نفسها عن طريق تلك التشنجات والآلام المصاحبة للحظات ظهورها في توقيت ضعفنا ونتيجة إهمالنا لمسائل جوهرية أخرى.

هذا إذا أحسنَّا الظن، وإلا فإن هناك أزمات أخرى لا تعدو أن تكون بالونات تُفجَّر بعيدًا عن القضايا الحقيقية لإشغال العاملين وإغراق وقتهم، واستنفاد جهدهم، واستنزاف أموالهم، والأخذ بهم بعيدًا عن أهدافهم، والأخطر من ذلك هو جرهم لساحات الصراع والصدام والاستفزاز، لنكون "رد فعل" بدل أن نكون "فعلاً"، ولنكون "متابعين" بدل أن نكون "مبادرين"، ولندخل حربًا هم يختارون مكانها وزمانها وأدواتها وحدودها، وبالتالي يكسبون جولاتها ويحققون غاياتهم من ورائها.

وينبغي أن نكون على يقين من أن هناك ساسة وتجارا وتيارات لا تعيش إلا في أوقات الأزمات، ولا تنتعش إلا على الفوضى والترديات، تمامًا مثل الجراثيم والطفيليات القذرة.

لقد أبدع الاتحاد الإسلامي الكردستاني عندما وضع لنفسه شعارات ثلاث لعلاج تلك العاهة في العمل الإسلامي، والشعارات هي "لا نثور"، و"لا نثير"، و"لا نثار".

"لا نثور"، و"لا نثير"، و"لا نثار"

لا نثور: لأن الذي يثور يفقد القدرة على التوازن والتفكير الصحيح، ويفسد غالبًا أكثر مما يصلح، ولأن مجتمعاتنا لا تحتمل، فثورات الأحزاب والعسكر خربت البلاد والعباد، وحولت مجتمعاتنا إلى سجون كبيرة، فيكفي هذه الشعوب والمجتمعات ما فيها من بؤس وتخلف وفقر، وهي ليست بحاجة إلى حروب واقتتال، ولا صراع ودمار، بل هي بحاجة إلى قلوب حانية، وأيادٍ بيضاء، وتكاتف صادق أخوي، ومشروعات جادة للتعمير والبناء، تحتاج إلى نبذ الخلافات، والكف عن الأطماع في السلطة والثروة، وتحتاج منا نحن إلى أن نكون بلسمًا شافيًا، وحضنًا دافئًا، وظلاً وفيرًا، نوفر الأمن والراحة والسكينة والدواء والنصيحة المخلصة... إلخ.

ولا نثير: لأن الذي لا نرضاه لأنفسنا، لا نرضاه لغيرنا، ولأن الإثارة نوع من التهييج والتهريج، يؤدي للفوضى والاضطراب، ونحن نريد الإصلاح والبناء، والإثارة بضاعة الدهماء والغوغاء، وليست عملاً من أعمال المصلحين والمفكرين، وهي طريقة من لا يملك مشروعًا وبرنامجًا وخططًا إستراتيجية، ويلجأ إليها من لا يلقي بالاً لعواقبها، ويهمه أن يتشفى وينتقم لا أن يهدي ويعمر، ويلجأ إليها من هو محبط مفتون مفكك، لا من هو موقن هادٍ متماسك.

ولا نثار: وهذه هي النقطة الأهم، وهي "مربط الفرس"، وبيت القصيد، حيث من الممكن والوارد أن لا ينتهج الإنسان نهج الثورة والعنف، ولكن من الصعب أن يستقيم على ذلك النهج وهو يتعرض للاستفزاز المستمر، والابتزاز الدائم، وهنا التحدي الحقيقي للجماعة التي تريد الإصلاح، وتدعي أن لها خطة وبرنامجًا وأولويات وإستراتيجيات، فإن استطاعت أن تغلِّب دومًا العقل على العاطفة، وقوة المنطق على منطق القوة، وتسير على النهج المرسوم والخطة المحددة سلفًا في أجواء الهدوء والحكمة، ولم تلتفت إلى البالونات التي تفجَّر لها، والأجندات التي يراد فرضها عليها عبر جرها لرد الفعل، والانشغال بالقضايا غير الجوهرية؛ فهي قد أثبتت بذلك أنها على مستوى التحدي، وأنها تستحق القيادة والبقاء، وهي أهل لحمل أمانة التبليغ والإصلاح.

إن الجماعة التي لا تثار، هي التي تتمكن من أن ترى الأمور دائمًا على حقائقها بعيدًا عن الزيف، والأسماء الموهمة، والهالات المزخرفة، والعواطف المضيعة للعقل والحكمة، وهي التي تعرف تمامًا كيف توظف الإمكانيات المتاحة وتوجهها إلى الغايات المرسومة بأقصر الأزمان فتحقق أكبر الإنجازات بأقل الأثمان، وهذه الجماعة الراشدة هي التي تعلو على الواقع وأزماته في الوقت الذي تستجيب لتحدياته وتراعي متطلباته، تفرق بين الغاية والوسيلة، تدرك المقاصد ولا تنشغل بالأشكال والمظاهر، تميز بين حظوظ نفسها والانتصار لها، وبين حظ الدين والانتصار له.

ولا نعني بقولنا "لا نثار" أننا لا نغار على حرمات الله، ومفهوم أن قضية الغيرة غير معنى الثورة، وفقه تغيير المنكر وتفصيلاته له مجال آخر غير هذا المقال المتواضع.

اتزنوا معاشر الدعاة

نعود إلى "الواقع" ومتطلباته وضرورة الاستجابة لتحدياته بإيجابية وخطة مدروسة، بعيدًا عن الارتجالية وردود الأفعال والإثارة؛ فالواقعية في الفكر سمة للفكر الذي استعلى على الأزمة، ونجا من التردي مع ترديات الواقع المريض، ما نعنيه بالواقعية هو أن تكون عملية تنزيل النصوص على الواقع في التوقيت المناسب، كما كان ربنا جل وعلا ينزل القرآن تفريقًا، وينزله تنزيلاً لا جملة واحدة: {وقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ ونَزَّلْنَاهُ تَنزِيلاً}، والآية كانت تنزل في توقيت تصادف فيه حاجة حقيقيةً واستعدادًا كاملاً لتقبلها وتمثلها، وكانت الآية تأتي لا لتمس المطلب الحقيقي والسقف النهائي، وإنما لترتب الجو وتهيئ الأرضية لنزول الحكم النهائي والقرار الأخير، وهذا معروف بشأن تحريم الخمر، وتحرير العبيد، وفرض الفرائض المختلفة... إلخ.

ومع ذلك نلاحظ أن القرآن لمّا دُوِّن وجُمع في المصحف لم يراعِ هذا الترتيب الزمني في النزول، وإنما جُرِّد القرآن من أسباب نزوله وتوالي آياته، ليس بفعل الصحابة، وإنما بتوجيه من الوحي، وأمرٍ من الرسول صلى الله عليه وسلم، الذي كان يقول ضعوا هذه الآية في المكان الفلاني في السورة الفلانية بعد الآية المعينة، ومن عِلل هذا الأمر هو إعطاء الفرصة للمجتهدين والمفكرين والمصلحين لكي يعيدوا تنزيل القرآن على أحداث الواقع بعناية وحرص يراعي عامل الزمان وتداعيات وحيثيات المكان المراد إصلاحه، ونوع البشر الذين يخاطَبون بالقرآن وأنواره وأحكامه.

إن مراعاة عوامل الزمان والمكان وإمكانيات الاستجابة الموجودة في الناس والواقع أمر في غاية الأهمية، ويوفر فرصة فهم الدين في ضوء مقاصده وغاياته لا ظواهره وأشكاله؛ لأن النص القرآني والحديث النبوي وحتى أقوال الفقهاء لا بد من فهمها في ضوء الملابسات والحيثيات التي وردت فيها، والغايات التي كانت ترمي إليها، وإلا ضيعنا الروح من أجل الاحتفاظ بالجسد، وأفسدنا المعنى من أجل تنسيق اللفظ وزخرفته، وكنا كمن يقطع أصل الشجرة الذي به تقوم، ليحصل على حطب ويهلك نفسه في الوقت نفسه.

وأخيرًا.. ما أردنا قوله هو بأن من واجب الدعاة والمفكرين أن يتريثوا في الأزمات ليبصروا مواقع أقدامهم جيدًا، ويفهموا الواقع بكل ملابساته قبل أن يصدروا فتوى أو يخطو خطوة إلى الأمام أو الخلف، ويفرقوا بين الواقعية والاستغراق في الواقع، ويستعينوا بالواقع لفهم النص، ويستهدوا بالنصوص لفهم ما يجري في الواقع دون إخلال بالتوازن المطلوب، وأن يحذروا من فكر ينتج ويعاد إنتاجه في الأزمات؛ لأن ذلك هو أحد عوامل أزمتنا الفكرية التي تتجسد في أشكال مختلفة هنا وهناك، وأبرز ما تتجسد فيه هو اختلاف الدعاة حول الكثير من الأمور لحد التناقض كلما حدث حادث أو جد جديد.. وحروب الخليج خير دليل.


** باحث عراقي في العقيدة والفلسفة

Mouthana70@hotmail.com 

عودة



دعوة للتأمل | زاد المسير  | قضايا معاصرة |  التواصل فن | تجارب دعوية | خدمات دعويةلقطة وفكرة

 

 

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع