 |
|
أثناء
إحدى المحاضرات |
على
مدار ثلاثة أشهر قامت وزارة الأوقاف المصرية بتنظيم أول
معسكر من نوعه للأئمة وخطباء المساجد، وذلك في معسكر أبو
بكر الصديق بالإسكندرية، قامت خلال هذا المعسكر
بإعطائهم دورة تثقيفية مكثفة على أعلى مستوى في جميع
علوم المعرفة، وذلك من أجل رفع المستوى العلمي للدعاة في
مصر، من خلال محاضرات وندوات ولقاءات ودروس في الكمبيوتر
واللغة الإنجليزية وحتى ممارسة الأنشطة الرياضية.
ويبدأ
برنامجهم اليومي من الثامنة صباحًا وحتى الثامنة مساء،
وقد لاقت هذه الدورة استحسانًا كبيرًا من الدعاة الذين
لمسوا مدى حاجتهم إلى مثل هذه الدورة وإلى الإلمام بكثير
من أنواع المعرفة، إضافة إلى احتكاكهم بعلماء وأساتذة في
شتى أنواع العلوم، نادرًا ما يتجمعون بمثل هذا الشكل.
كان
لا بد من الاطلاع على التجربة بشكل عملي، حيث عايشت يومًا
بالكامل مع هؤلاء الأئمة والدعاة للتعرف على مدى نجاح
هذه التجربة الرائدة التي قامت بها وزارة الأوقاف
المصرية، فكانت النتائج رائعة، نتركها للقارئ ليتابعها
معنا على ألسنة أصحابها.
دعاة
مميزون لمهام مميزة
كانت
البداية مع إبراهيم البنا مستشار وزير الأوقاف، المشرف
على الدورة التثقيفية الراقية الأولى لأئمة المساجد
بمعسكر أبو بكر الصديق، الذي أوضح أن الأئمة الموجودين
بالمعسكر من الحاصلين على الماجستير والدكتوراه، وجاء
اختيارهم من خلال لجنة خاصة، وبعد مقابلات شخصية مع
هؤلاء الأئمة.
كما
بيّن أن الهدف من هذا التدريب هو إلمام الخطيب بالقضايا
التي يعيشها في مجتمعه، وألا يحصر اهتمامه على الجوانب
الشرعية فقط، وهذا يؤدي إلى تعديل الخطاب الديني الذي
نطالب به حاليًّا.
والدراسة
داخل المعسكر تبدأ من الثامنة صباحًا وحتى الثامنة مساء
يوميًّا لمدة ثلاثة شهور، ثم يقوم وزير الأوقاف بتسليمهم
شهادات اجتياز هذه الدورة في حفل يقام في نهاية الدورة مع
إهدائهم مجموعة من كتب التراث.
وفي
هذه الدورة لا يوجد امتحان؛ ولكن يتم التقييم من خلال
أبحاث وآراء المشرفين والأساتذة الذين يقومون بتدريس
جميع أنواع المعرفة لهم.
 |
|
الأئمة
يتعلمون الكمبيوتر |
وقد
حققت هذه الدورة نجاحًا طيبًا، وحازت على رضا جميع
الأئمة المشتركين، وسوف يتم تقييم التجربة بالكامل
لمعرفة إمكانية إعادة التجربة مرة ثانية مع مجموعة أخرى،
ولا شك أن الفائدة العائدة على هؤلاء الدعاة سوف تعود
بالتالي على المتلقين من رواد المساجد سواء في خطب
الجمعة أو خلال الدروس التي تتم بشكل دوري في المساجد
للتفقه في الدين، ولا شك أن مثل هؤلاء يمكن أن يتم
الاستعانة بهم في المراكز الإسلامية المنتشرة في دول
العالم من خلال بروتوكولات التعاون بين هذه المراكز وبين
وزارة الأوقاف، وخاصة في شهر رمضان.
الاحتكاك
بخبرات وتجارب جديدة
يقول
صبري الجميزي، أحد الأئمة المشتركين في الدورة: إن هذه
الدورة أضافت لنا الكثير، وأتاحت لنا الفرصة للالتقاء
بعلماء أجلاء، وقد احتكت عقولنا بعقولهم، واستفدنا من
خبراتهم وتجاربهم في الدعوة إلى الله، وقد أثيرت في هذه
الدورة بعض القضايا المهمة التي لا تنفصل عن الدعوة، مثل
قضايا المواطنة والمرأة والاستنساخ، وكل ما يتعلق
بالأحداث الجارية التي تمر بأمتنا، وهي دورة تدعو
للتجديد القائم على المرجعية والتراثية الإسلامية؛ وهو
ما يخدم المصالح العليا للدعوة الإسلامية في الداخل
والخارج، وقد بصرتنا بالواقع المعيش وما يحتاجه من إعداد
علمي وتثقيفي نابع من كتاب الله وسنة رسوله، وأتاحت لنا
الفرصة لمدارسة بعض العلوم الحديثة، كمادة الاقتصاد
الإسلامي، والسياسة الدولية، والكمبيوتر، والإنترنت،
واللغات، وكثير من العلوم التي تخدم في مجموعها العمل
الدعوى.
مواجهة
مستجدات العصر
ويضيف
عبد الله درويش: إننا بصفتنا دعاة كنا في أشد الحاجة لمثل
هذه الدورة، لمواجهة مستجدات العصر الذي نعيش فيه، فلا
بد أن نكون مدركين للواقع الحديث ودافع ومشكلات الدعوة،
وكيف يتعامل الداعية مع الناس في ظل الظروف المحيطة
الجديدة على الجميع، ومن هنا جاءت أهمية تجديد الخطاب
الديني.
والتجديد
له شقان أو معنيان: الأول هو العودة بالخطاب الديني إلى
النبع الصافي، وهو القرآن الكريم وسنة الرسول عليه
الصلاة والسلام، وتنقية السنة مما علق بها من شوائب، مثل
الأحاديث الضعيفة والقصص الواهية. والشق الثاني هو
استخدام الوسائل الحديثة في الدعوة، مثل الكمبيوتر،
وكان هذا غير متاح لي على الأقل، فأنا لم أتعلم استخدام
الكمبيوتر إلا في هذه الدورة فقط، ولا شك أن استخدام هذه
الوسائل في خدمة الدعوة ضروري جدًّا.
مسئولية
الدعاة
ويقول
عاشور عبد الرازق محمد: من أهم مزايا الدورة تركيزها على
تنوع العلوم المختلفة، فقد درسنا فيها جانبًا من علوم
الاجتماع والسياسة والاقتصاد، وغير ذلك. وهذه العلوم
يحتاجها الداعية في الوقت الحاضر، وكما هو معلوم أن
الدعوة الإسلامية هي الدعوة الخاتمة ورسولها هو الرسول
الخاتم، وحتى تتحقق العالمية لها، فإنها تحتاج إلى أئمة
ودعاة على قدر هذه المسئولية؛ لأنه كما هو معلوم أن صورة
الإسلام تحتاج إلى تغيير في العالم بعدما ألصق بها
الكثير التهم الباطلة التي تنفر الناس من الدخول أو مجرد
معرفة الإسلام.
ويصدق
على كلامه ويضيف حسني توفيق: إن الهزائم السياسية ليست
دليلاً على ضعف الإسلام، بل بالعكس لو تصفحنا التاريخ
الإسلامي لوجدنا أنه في فترات الانتكاسات السياسية كان
يقابلها انتشار أوسع للإسلام بالخارج، بل لدى أعدائه
الذين جاءوا ليحاربوه، فمثلاً التتار الذين جاءوا لكي
يقضوا على الإسلام والمسلمين نراهم بعد فترة من الزمن
يحتويهم الإسلام ويصيرون من جنوده، وكذلك الصليبيون
عندما أتوا بيت المقدس عاد الكثير منهم إلى بلاده مسلمًا،
بل وصار منهم دعاة للإسلام هناك.
وهذا
ما يجب أن يستفيد منه الداعية، بأن يكرس جهده لاحتواء
أعداء الإسلام، وذلك بعد أن يوضح لهم الإسلام على صورته
الحقيقية، فبدلاً من أن نتعامل معهم على أساس أنهم أعداء
نتعامل معهم على أساس أنهم أرض خصبة صالحة لزراعة
الإسلام فيها.
الإمام
المثالي
 |
|
ممارسة
النشاط الرياضي |
أما
عبد الرحمن محمد عبد الرحمن، فيقول: نجحت فكرة هذه الدورة
في تكوين الإمام المثالي الذي يتصف بصفات طيبة تميزه عن
غيره، سواء من الناحية الأخلاقية مثل التقوى والشجاعة
والأمانة والإخلاص وغيرها، ومن الناحية العلمية كحفظ
القرآن والإلمام بالسنة النبوية والإلمام بعلوم اللغة
وآدابها وعلوم الكون، ومن الناحية العملية كالاهتمام
بحسن السمت والمظهر، والاهتمام بالخدمات الاجتماعية
والعلاقة التي تربطه بالأئمة الآخرين وتحركه بالدعوة في
كل مكان والتدريب على كل شيء مستحدث في العصر.
ويؤكد
على أهمية الوسائط المتعددة عادل طه، الحاصل على ماجستير
في استخدام الوسائط المتعددة في تدريس المواد الشرعية
فيقول: يظن الناس أن الداعية لا يعرف شيئًا إلا النواحي
الدينية فقط، ولا يتمكن إلا فيها، ولذلك لا بد من تغيير
هذه الصورة في أذهان الناس وخاصة المسلمين أنفسهم قبل أن
نغيرها في أذهان غير المسلمين، وهذه الدورة خير مثال على
ذلك.
تصحيح
السلوكيات والأخلاق واجب أساسي
ومن
الذين حاضروا داخل هذا المعسكر، كان الدكتور عبد الفتاح
غنيمة، أستاذ تاريخ العلوم، وعضو المجلس الأعلى للشئون
الإسلامية، والذي أكد على أن الأئمة والخطباء يمكنهم
علاج جميع قضايانا ومشكلاتنا من خلال الحديث عن العبادات
والمعاملات، فإذا ركزنا على السلوكيات فسنلاحظ أن معظم
سلوكيات الناس غير منضبطة وبعيدة عن الإسلام تمامًا، وهو
ما يؤخذ ضدنا في الخارج مع الأسف، عندما يشيرون إلى أي
مسلم له سلوك معوج ويقولون بأن هذا هو الإسلام؛ ولذلك دور
الدعاة في تصحيح السلوك هو أول واجب عليهم وأهم قضية يجب
أن تشغل بالهم؛ لأن الأمانة سلوك، والعدل سلوك، والإخلاص
سلوك، وكلها صفات أوصى بها الإسلام.
ويضيف:
إذا أراد الخطيب أن يتحدث في السياسة أو في الاقتصاد أو
في غيرهما، فلا مانع، ولكن عليه أن يدرس ما سيتحدث فيه
أولاً، لا أن يتحدث من مجرد بعض المعلومات العابرة، وهذا
هو المطلوب من الخطاب الديني الصحيح في وجهة نظري.
مطلوب
دورة مماثلة في الشريعة لعلماء في العلوم الاجتماعية
وتقول
الأستاذة هبة رءوف، إحدى المحاضرات في الدورة: في داخل
هذا المعسكر الرائع ناقشنا العديد من المسائل نحن في أمسِّ
الحاجة إليها، وتمت في هذا المعسكر بدون إحساس بالمصادمة
أو الحساسية، بل اشتركت الأفكار كلها في الإجابة عن
تساؤلات للأسئلة التي نواجهها في عصرنا، وأنا أتمنى أن
تكون هناك دورات بالمقابل لعلماء وباحثين في العلوم
الاجتماعية للتعرف على منهجية العلوم الشرعية، حتى يحدث
تكامل ينهض بالفكر الإسلامي وبالواقع الثقافي المصري.
وتضيف
هبة رءوف: نحن في حاجة إلى تجديد الخطاب ومنهج التفكير في
كل الدوائر، والحاجة لتجديد الخطاب الثقافي لا تقل
إلحاحًا عن الحاجة لتجديد الخطاب الديني، للخروج من
التنافر والتصارع بين ما يسمى بالخطاب العلماني وما
يختزل في وصف الخطاب الديني، وإن نهضة الدول الإسلامية
لن تتحقق إلا ببناء خطاب وطني تشارك فيه كل الأطراف
والمدارس الفكرية في كل بلد، من خلال الانفتاح على
الخطاب الشرعي من منطلق التواصل معه واعتباره مصدرًا من
مصادر الثراء الفكري، وليس مشكلة أو أزمة نبحث لها عن حل،
وإدراك عمق المناهج الإسلامية الفلسفية والفقهية
والتربوية، وما يمكن أن تسهم به في ترشيد واقعنا المعاصر.
**
صحفي مصري
|