 |
|
الشيخ كمال الخطيب |
لقد
كان من أبرز مخلفات وآثار نكبة شعبنا
العربي الفلسطيني عام 1948 -هذه النكبة
التي مرت علينا قبل فترة قريبة يوم
15-5-2003 يوم ذكراها الخامسة والخمسين-
أقول بأنه كان من أبرز آثار تلك
النكبة انقطاع ما يقارب من 150.000
فلسطيني عن باقي شعبهم الفلسطيني،
وعن أمتهم العربية وعن روابطهم
الإسلامية في محيطهم الإسلامي
الكبير، ليعيشوا منذ ذلك الوقت أقلية
مسلمة عربية فلسطينية داخل أكثرية
يهودية في إسرائيل التي ما توانت لحظة
من اللحظات عن جعلهم مسخا وليس شعبا
له حقوقه وله تاريخه وانتماؤه الوطني
والديني والقومي، فعمدت إلى ما يسمى
سياسة تجفيف المنابع التي يمكن أن
تغذي هويتنا الدينية والتاريخية
والوطنية، فهم لا يرضون بنا كمواطنين
كاملي الحقوق، ونحن لسنا قادرين على
التواصل مع امتدادنا العربي وشعبنا
الإسلامي بسبب حالة الحرب التي
استمرت بين الدول العربية وإسرائيل،
وليس فقط أننا لم نتواصل مع أبناء
جلدتنا، بل إننا عشنا حالة من الحرب
الشرسة من حيث احتكار كل المؤسسات
والتضامن لإسرائيل كانت أوضح ما تكون
من خلال المناهج التعليمية، إضافة
إلى مصادرة أراضينا، وفرض الحكم
العسكري علينا، والتمييز ضدنا في فرص
العمل والتعليم؛ حيث أصبح معظمنا إما
عاملا في البناء والأشغال الشاقة، أو
يقوم على "جلي الصحون"، و"مسح
البلاط" في المطاعم والنوادي
الليلية في "تل أبيب" وحيفا
وغيرهما من "المدن اليهودية".
وخلال
هذه المدة لم يُبن مسجد جديد واحد في
أيٍّ من الأرض الفلسطينية في الداخل،
لا بل إن المسجد الذي يموت إمامه فإنه
يبقى شاغرًا لعدم وجود أصحاب كفاءات
شرعية للقيام بالمهمة؛ الأمر الذي
يجعل الجهلة أو محدودي العلم الشرعي
يتصدرون إمامة المساجد، ويعتلون
المنابر مما زاد الطين بلة.. فلا أئمة
مؤهلون للمساجد، ولا مدرسين يعطون
ويعلمون تلاميذهم مناهج الإسلام
الصحيحة.
وظل
هذا الحال إلى أن كانت نكبة عام 1967
وضياع ما تبقى من الأرض الفلسطينية
باحتلال الضفة الغربية وقطاع غزة
والقدس الشريف، إضافة إلى هضبة
الجولان السورية وشبه جزيرة سيناء
المصرية؛ ليتبدد ذلك الوهم والسراب
الذي نثره أدعياء القومية العربية
المنسلخة عن الإسلام، والتي طالما
زعمت أنها تحمل مفتاح السعادة للشعوب
العربية، وإذا بها تترنح أمام جيوش
إسرائيل تقودها جولدا مائير، فهزمت
الجيوش العربية السبعة خلال 6 أيام.
وفي
الليلة الظلماء ينبلج الفجر
وعلى
الرغم من سوء الحال الذي أسفرت عنه
نكبة 1967؛ فإن حِكمًا ومقادير لا
يعلمها كلُّ العباد نتجت عنها، ولعل
من أبرزها حالة اليقظة الدينية
والصحوة الإسلامية التي جاءت على وقع
فشل المشروع القومي العربي.
ولكن
الأبرز على صعيد الأقلية العربية
الفلسطينية أن تلك الهزيمة العربية
واحتلال القدس والضفة الغربية وقطاع
غزة كانت سببًا للتواصل بين الأقلية
العربية الفلسطينية المنسية داخل
الخط الأخضر (فلسطين المحتلة عام 1948)
وبين شعبهم الفلسطيني، وظهر ذلك
جليًا في مطلع السبعينيات في القرن
الماضي عند وصول عدد من الدعاة
والمشايخ من الضفة الغربية والقطاع
إلى داخل الوطن الفلسطيني لإلقاء
الدروس والمحاضرات، ونشر بعض الكتب
الإسلامية التي لم يكن لها وجود، وكيف
توجد ونسخ القرآن الكريم لم تكن
موجودة إلا في بعض البيوت، ولكنها على
الأرفف، وقد علاها الغبار؟! وكان من
هؤلاء الكرام فضيلة الشيخ حامد
البيتاوي، وأحمد الحاج علي من نابلس،
وفضيلة الشيخ محمد فؤاد أبو زيد من
قباطية، والشيخ أحمد ياسين من غزة.
وهكذا
كانت البداية التي تطورت حين أكرم
الله عددًا من الشباب لأول مرة
بالذهاب لدراسة العلوم الشرعية في
معاهد وكليات في نابلس والخليل
والقدس وقلقيلية.
وكان
فضل الله الذي آتانا إياه بتلك الصحوة
الدينية التي ظهرت ملامحها الأولى
منتصف العقد السابع من القرن الماضي
1975-1980 التي بدأت تبرز بشكل منظم منذ
منتصف العقد الثامن من القرن الماضي
1980-1985 وصاعدا، وذلك تحت اسم الحركة
الإسلامية.
هذه
الحركة التي حملت المشروع الإسلامي
برؤيته الشمولية على هدي الكتاب
والسنة، ورغم أن أبناءها لم يحظوا
بشرف لقاء وسماع والتتلمذ على أيدي
الأفاضل من علماء الأمة؛ فإنهم كانوا
يسيرون على هدي الفهم الشمولي
للإسلام من خلال مدرسة الأستاذ البنا
وتلاميذه وكتبه، والشهيد سيد قطب،
والدكتور القرضاوي، والشيخ محمد
الغزالي، والشيخ فتحي يكن، ومدرسة
الأستاذ أبي الأعلى المودودي، وأبي
الحسن الندوي.
لقد
كان الهم الأكبر للحركة الإسلامية
الناشئة سعيها لتطبيق الشرع الإسلامي
من خلال وجودنا.. ليس فقط في دولة غير
عربية وغير إسلامية.. بل في ظل دولة
يهودية صهيونية احتلت أرضنا، وهي في
حالة حرب دائمة مع أبناء شعبنا
الفلسطيني ومع أمتنا العربية، وعليه
فلم يكن من السهل القدرة على التوفيق
بين هذه المتناقضات. ولكن لما كان في
الإسلام سعة ومرونة اجتهدنا من
خلالها في أن يكون الولاء للإسلام هو
الأساس، وفي نفس الوقت سعينا وما زلنا
نسعى للحفاظ على وجودنا من خلال
محاولتنا لصبغ المسلمين بالصبغة
الإسلامية، وعدم الذوبان والانصهار
ضمن المجتمع الإسرائيلي كليا
واجتماعيا وأخلاقيا. نعم لقد كان همُّ
الحركة الإسلامية الحفاظ على هوية
أهلها الدينية والقومية والوطنية؛
حيث كان لا بد من محاولة بناء
المؤسسات والمشاريع التي تحافظ
وتساهم في الحفاظ على هذه الهوية،
فاعتمدنا أسلوب العمل وإيقاد الشمعة
بدلا من التنظير وسب الظلام، معتمدين
على الله ثم على طموحنا للمشروع
الإسلامي عمليا وليس نظريا، من خلال
نماذج من خيار الرجال الذين نذروا
أنفسهم لله تعالى في معاكسة تيار
الأسرلة الذي كان يسعى لتذويبنا في
المجتمع الإسرائيلي حتى النخاع.
بالبناء
لا بالبكاء تكون المقاومة
وعليه
فلقد ذهبنا إلى اعتماد بناء الشخصية
الإسلامية فكريا وأخلاقيا وعقائديا
عبر الوسائل الدعوية المتاحة.. من
خلال المساجد ودروسها ونشاطاتها
والمحاضرات، ومعارض الكتب
الإسلامية، واعتمادنا على وسائل
الدعوة الفردية والجماعية؛ الأمر
الذي جعلها -والحمد لله- تنتقل من
مجتمع كان يتهدده الذوبان والأسرلة
إلى مجتمع أصبح -والفضل لله- الصوت
الإسلامي هو الأكثر حضورًا؛ فامتلأت
المساجد المهجورة، وبني المئات منها،
وظهرت ملامح الهوية الإسلامية
بالنساء والفتيات المحجبات في كل
مكان داخل الجامعات الإسرائيلية وبين
أهلنا الذين يسكنون في المدن
المختلطة مع اليهود مثل عكا وحيفا
واللد والرملة.
ثم
كان لا بد من سد العجز والنقص النابع
من التمييز العنصري في الخدمات
لأهلنا، فاعتمدنا سياسة البناء وليس
البكاء وتوسل الحقوق، فأقمنا
المؤسسات والجمعيات التي تقوم على
بناء رياض الأطفال والمدارس
والعيادات الطبية والمستشفيات
والنوادي الرياضية.
وذهبنا
إلى إقامة المؤسسات والمنابر
الإعلامية الإسلامية؛ حيث كان لنا -والحمد
لله- فيها الصحيفة الأسبوعية "صوت
الحق والحرية"، والمجلة
الاجتماعية الشهرية "إشراقة"،
والمجلة الفصلية الثقافية "آباء
وأبناء".
لقد
سعينا لإقامة مؤسسة تقوم على تحفيظ
القرآن تضم اليوم -والحمد لله- ما يزيد
على أربعة آلاف طالب وطالبة، وقد
احتفلنا في العام الأخير -والحمد لله-
بتخريج عدد من الحفظة لكتاب الله..
إضافة إلى المؤسسات التي ترعى
طلابنا على اختلاف أجيالهم وتخصصاتهم.
مرابطون
على الهوية
ولعل
من أهم ما سعينا للقيام به هو
المحافظة على شعورنا بأننا في الصف
الأول إسلاميًّا وعربيا من خلال مهمة
الحفاظ على المسجد الأقصى المبارك؛
فكان فضل الله علينا العظيم حين
أصبحنا نعيش شعورًا أننا نسد مسد كل
المسلمين في الدفاع عن إسلامية هذا
المسجد، خاصة بعد منع أهلنا في الضفة
والقطاع من الوصول إليه، في الوقت
الذي تيسر لنا ذلك من خلال حملنا
للهوية الإسرائيلية؛ فكان المشروع
المبارك عام 1996 الذي قمنا فيه ببداية
الأعمال في المسجد الأقصى بالتنسيق
مع دائرة الأوقاف الإسلامية في القدس
الشريف، ولجنة إعمار المسجد الأقصى؛
فكان إعمار المصلَّى المرواني،
والمسجد الأقصى القديم، ثم كان كشفنا
وفضحنا حفر الأنفاق الذي قام به
اليهود تحت المسجد الأقصى بحجة البحث
عن آثار الهيكل المزعوم هناك، حيث
قامت صرختنا المدوية، التي جعلنا لها
موعدًا سنويًا في المهرجان السنوي
الشهير الذي نسميه "الأقصى في خطر"،
هذا إلى جانب تشريف الله لنا وإكرامه
لنا بأننا حافظنا على عدد من المساجد
التي حوّلها اليهود إلى خمارات
ومراقص ونواد ليلية في القرى والمدن
الفلسطينية التي هُجِّر أهلها، وكذلك
المقابر والمقدسات؛ حيث سعينا للحفاظ
عليها وترميمها لتظل شواهد حق وصدق
على هوية هذه الأرض.
ومنذ
اندلاع انتفاضة الأقصى الفلسطينية
الأولى عام 1987 فقد كان لنا شرف القيام
بواجبنا الأخوي تجاه أبناء شعبنا من
خلال عمل إغاثي يتراوح بين الثابت
طوال العام -الذي يتمثل بكفالتنا 12
ألف يتيم من أبناء الشعب الفلسطيني في
الضفة والقطاع- والموسمي من خلال
حملات الإغاثة في الأعياد، وعند
الحصار الشديد عليهم عبر توصيل
المواد الغذائية والمعونات الطبية
والملابس.
إن
هذا الذي ذكرته قليل من كثير لم أذكره
من العمل المبارك للحركة ساهم في حالة
الشعور بالاعتزاز بالانتماء الديني
عند أهلنا؛ حيث أدركوا أن الإسلام
كمنهج يمكن أن يكون هو البديل لحالة
الضياع والتردد التي يعانونها، بل
لعل في الانتماء للإسلام السد المنيع
أمام محاولات تذويب شخصيتنا
الإسلامية العربية الفلسطينية، ورغم
قيامنا بهذا الدور في الحفاظ على
أرضنا وعرضنا وقبل ذلك على ديننا هناك
الكثير من العرب والمسلمين الذين ما
زالوا إلى الآن ينظرون إلينا بعين
الشك؛ بين من يقول بأننا "عرب
اليهود"، ومن يقول عنا "عرب
إسرائيل"، وغير ذلك من المصطلحات
الظالمة، بل ولعلها تكون ضمن خانة
الأوصاف التي وصفنا بها، ولعل منها
أننا بعنا أرضنا لليهود، وأننا عملاء
لهم، والعياذ بالله تعالى.
إنهم
أهلنا وأحبابنا الذين ظنوا أننا يجب
أن نحمل السلاح لمقاومة
الإسرائيليين، غير مقدرين لظرفنا
وخصوصياتنا، وأن حفاظنا على هويتنا
وأصالتنا وانتمائنا هو أبلغ أنواع
المقاومة، إننا نعتز بأننا تجاوزنا
صلة التذويب وطمس الهوية، بل إننا
نعتز بأننا ما زلنا نعتبر أنفسنا رئة
يتنفس منها شعبنا في الضفة والقطاع
وأراملهم ومعوزوهم، وهذا ما حملنا
الله إياه، ونحن نقوم به والحمد لله،
ولا يكلف الله نفسًا إلا وسعها، وأن
ما يحصل هذه الأيام من حملة
الاعتقالات لعدد من قيادات الحركة
الإسلامية -وعلى رأسهم رئيس الحركة
الإسلامية الأخ الشيخ رائد صلاح حفظه
الله من تلك الحملة التي تم فيها
التحقيق في أجهزة الأمن الإسرائيلية
مع المئات من الناشطين في الحركة
الإسلامية- أقول بأن هذه الحملة
المسعورة والظالمة إنما يراد من
خلالها معاقبة الحركة الإسلامية،
وجعلها تدفع ضريبة مواقفها مع أيتام
شعبنا، ودفاعها عن المسجد الأقصى
المبارك، وكشف وفضح المؤامرات عليه،
وأهم من ذلك حفاظها على هوية الأقلية
العربية الفلسطينية داخل الخط الأخضر.
نعم
إننا نقول بملء الفم وعالي الصوت بأن
حملنا للهوية الإسرائيلية لن يكون
على حساب حملنا للإسلام دينا،
وللعروبة قومية، وللفلسطينية وطنية،
وهكذا نفهم انتماءنا، وهكذا مراتب
هويتنا، وهكذا نفهم واجبنا ونقدر
ظرفنا ونعمل من خلال هذه الإمكانيات
المتاحة لنا نسدد ونقارب.
إننا
في أرضنا صابرون، إننا في حمى الأقصى
مرابطون، في أرض المسرى باقون ما بقي
الزعتر والزيتون، ما بقيت آيات
الإسراء، لا نذل ولا نهون إن شاء الله.
نطلب من إخواننا وأحبابنا خالص
الدعاء لنا بالثبات.
{يَا
أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا
وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ
تُفْلِحُونَ}
{وَاللهُ
غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ
أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ}.
اقرأ
أيضا:
**
نائب رئيس الحركة الإسلامية لفلسطيني 48
|