إسلام أون لاين/دعوة ودعاة
 
بريدك الإلكتروني
الصفحة الرئيسة  | دعوة ودعاة   
 

بحث        |  بحث متقدم  |  لوحة المفاتيح العربية

مجلس مسلمي فرنسا.. تحليق أم تطويق؟؟

مصطفى عاشور- 08/06/2003

مسلم فرنسي يدلي بصوته في انتخابات مجلس مسلمي فرنسا

يبدو أنَّ قضايا الإسلام والمسلمين أصبحت هاجسًا عالميًّا سعت دول مختلفة للتعامل معه، سواء ما يطلق عليه "ديار الإسلام"، أو في المَهاجر التي استوطنها المسلمون وتجذر وجودهم في بعضها، حتى أصبحوا ظاهرة تستدعي التوقف والمراجعة، وربما التدجين والحصار؛ فلم تمضِ على انسياح هؤلاء إلى الغرب بحثًا عن الأرزاق الواسعة، أو الحرية الرحبة، أو المعرفة والعلم، إلا عقود قليلة، حتى استهوتهم تلك المهاجر، فاتخذوها موطنًا، ونما وجودهم فيها، وانتقلوا من البحث عن مميزات الهجرة إلى المطالبة بحقوق المواطنة الكاملة.

وأبدى هؤلاء المهاجرون اندماجًا بدرجات مختلفة في البنية الثقافية والاجتماعية الغربية مع استعصاء على الذوبان داخلها، فبقيت هويتهم الإسلامية، وأصبحت واقعًا ملموسًا لا يمكن تجاهله أو السكوت عليه، ومن ثم سعت بعض الدول الغربية للتعامل مع مطالب وقضايا هؤلاء المسلمين، وإيجاد حلول لبعض مشكلاتهم، أو تطويق هذا الوجود الإسلامي حتى لا يصبح مشكلة مستعصية على الحل في المستقبل.

يأتي هذا الحديث في أعقاب إنشاء "المجلس التمثيلي لمسلمي فرنسا" والذي أثار تساؤلات كثيرة تجد مبرراتها ودواعي إثارتها على اعتبار أن هذه الخطوة لم تأتِ بمبادرة من مسلمي فرنسا، وإنما جاءت بمبادرة وضغوط من الدولة الفرنسية، ووزير داخليتها "نيكولاي ساركوزي" الذي لوَّح بعصا السلطان وذهبه من أجل إنشاء هذا المجلس، وهو ما ألقى بظلال من الشك والقلق –رغم أهمية الخطوة- على الأهداف الحقيقة وراء الإصرار الفرنسي على تأطير المسلمين في أراضيها في مجلس واحد يعبر عنهم، وطبيعة العلاقة المحتملة بين المجلس والحكومة الفرنسية والقيم العلمانية، ومدى واقعية ما يتردد عن أن فرنسا ترغب في تطويع الإسلام لمبادئها العلمانية، وإنتاج نسخة "معدلة" من الإسلام يحلو للبعض أن يطلق عليها "الإسلام الفرنسي"، ومدى قدرة وفعالية المجلس في وقف التجاوزات العنصرية التي يتعرض لها المسلمون في مواقع العمل والحياة في فرنسا؛ نظرًا لتجذر صورة ذهنية سلبية عن الإسلام والمسلمين في العقلية الفرنسية، وانعكاسات التطورات الدولية في مكافحة الإرهاب بعد أحداث (11) سبتمبر على ظهور "سياسات وقائية" على غرار "الحرب الوقائية" الأمريكية للتعامل مع الخصوم والأعداء المحتملين قبل أن يجهروا بالعداوة والخصومة.

الوجود الإسلامي في فرنسا

يزيد عدد المسلمين في فرنسا عن ستة ملايين نسمة، يشكلون 10% من السكان، ويمتلكون قوة تصويتية 1.8 مليون صوت انتخابي، وينحدر هؤلاء من (53) بلدًا مختلفًا، ويتحدثون (21) لغة مختلفة إلى جانب الفرنسية، ويحتل الجزائريون أغلبية كبيرة من المسلمين، وتشير توقعات ودراسات إلى أن هؤلاء المسلمين سيتضاعفون ثلاث مرات حتى عام (2020) ليزيد عددهم عن (20) مليون نسمة بسبب نسبة الخصوبة والمواليد العالية بينهم، واستمرار تدفق المهاجرين المسلمين لفرنسا، ودخول أعداد غير قليلة من الفرنسيين في الإسلام (يزيد عدد المسلمين من أصل فرنسي عن 100 ألف)، وإذا أخذنا هذه المتغيرات في إطار قلة الإنجاب بين الفرنسيين، لأدركنا أن المسلمين يخطون في فرنسا خطوات لها ثقل لا يمكن تغافله أو غض الطرف عنه خاصة أنهم يشكلون أكثر من 17 % من العاملين في الجيش الفرنسي.

ورغم أن الإسلام هو الدين الثاني في فرنسا؛ فإن المسلمين يعانون من صورة ذهنية مغلقة لدى الفرنسيين تحكم في كثير من الأحيان تعاملهم مع المسلمين، ورسخ هذه الصورة التعليم والإعلام والأدب والسياسة، ففي التعليم يُصوَّر المسلمون على أنهم أعداء حاولوا غزو فرنسا؛ وفي أدب العصور الوسطى يُصوَّرون على أنهم "كفار" يضطهدون مسيحيي الشرق، وفي الأدب الاستعماري على أنهم متمردون، وفي الأدب المعاصر ضعاف عاجزون شهوانيون؛ أما الإعلام فلا يدخر جهدًا في إعادة إنتاج هذه الصور مع ربطها بإلحاح وتكرار بمشكلات فرنسا من الإرهاب والجريمة والبطالة، مع تعميق ما يطلق عليه "فوبيا الإسلام"، ومعالجة القضايا الإسلامية بتحيز وسوء نية.

وقد أفرزت هذه الصورة أشكالاً من التمييز العنصري ضد المسلمين في مجالات مختلفة؛ ففي الانتخابات التشريعية الأخيرة ترشح (126) نائبًا من أصل عربي لم ينجح منهم أحد، ولا تفضل الأحزاب السياسية الفرنسية ترشيح المسلمين على قوائمها، بل كان المسلمون هدفًا سياسيًّا لليمين الفرنسي لتحقيق مكاسب انتخابية، كما زادت نسبة البطالة بين المسلمين عن 40% في حين أنها في صفوف الفرنسيين 8%، حيث كانت دعوة اليمين الفرنسي بزعامة "جان ماري لوبان" تقوم على مبدأ الأفضلية للفرنسيين والأوروبيين في كل المجالات، وبذلك ارتبط العمل باتجاهات عنصرية، وفي استطلاع أجراه معهد "لويس-هاريس" منذ سنوات أعلن أن 69 % ممن شملهم الاستطلاع أكدوا أنهم عنصريون.

هذه العنصرية المتنامية وما صاحبها من ضغوط إعلامية جعلت بعض المسلمين في فرنسا ينعزل فيما يشبه "الجيتو" الثقافي داخل المجتمع، واقترن هذا الانعزال بمرارات معيشية في مجتمعات الهامش عمقتها أزمة الهوية والبطالة.

ورغم هذه الصورة السلبية والممارسات العنصرية، فإن مسئولين فرنسيين يعترفون أن انتشار الإسلام قلل عدد الجرائم ودرجة عنفها في المناطق المهمشة، وجفف بؤرًا إجرامية، وهو ما حدا بأحد الدعاة المسلمين للقول: "إن فتح مسجد جديد في فرنسا يعني إغلاق سجن".

المجلس التمثيلي لمسلمي فرنسا

طرحت قضية الجالية الإسلامية في فرنسا إشكالية مهمة على الطبقة السياسية في فرنسا، تطلبت ضرورة التعامل معها، خاصة أن لها أبعادًا سياسية واجتماعية متشابكة في جمهورية تؤمن بالعلمانية، لذلك اهتمت وزارة الداخلية الفرنسية منذ الثمانينيات بتنظيم "الإسلام" في فرنسا، وفي عهد الرئيس الراحل "فرانسوا ميتران" تم التفكير في إنشاء مجلس للمسلمين، وسعى حوالي ستة وزراء داخلية من اليمين واليسار لإنشاء هذا المجلس الذي أطلق عليه أحدهم "كنيسة فرنسا الإسلامية"، وكان الهدف من ذلك أن يكون المجلس حلقة وصل بين الحكومة الفرنسية وبين المسلمين، من خلال وضع شخصيات إسلامية تطمئن إليها باريس على رأس هذه المؤسسة التي تعبر عن المسلمين في إطار خطوة بعيدة المدى تقود إلى فك الارتباط –تدريجيًّا- بين هؤلاء المسلمين ومواطنهم الأصلية، وإيجاد "إسلام" يتعايش مع العلمانية الفرنسية المتشددة.

وعندما جاء "ساركوزي" إلى وزارة الداخلية، كانت الأجواء مُحمَّلة بتأثيرات ومخاوف (11) سبتمبر؛ وهو ما جعل مشروعه لتأطير المسلمين في مجلس تمثيلي واحد يحمل ملامح أمنية؛ لذلك لم يدخر جهدًا في دفع القيادات والتنظيمات الإسلامية لتبني رؤيته، واقتبس من الإمبراطور نابليون مسلكه في جمع القيادات اليهودية آنذاك وإمهالهم يومين لإنشاء مجلس تمثيلي لهم، مع تهديدهم في حالة الفشل، في التطبيق على واقع المسلمين في فرنسا، ولم يلبث وقتًا طويلاً حتى أعلن عن نجاحه في "إقناع" زعماء المنظمات الإسلامية من أهل الثقة لتمثيل المسلمين وترك خلافاتهم جانبًا، واقتسام المواقع في المجلس الجديد.

وأعلن في 19-12-2002 عن الاتفاق على عضوية المكتب التنفيذي لهذا المجلس الذي يضم (16) عضوًا، برئاسة الدكتور "دليل أبو بكر" إمام مسجد باريس، والقريب من الجزائر، والشخصية التي تطمئن إليها فرنسا، على أن يكون له نائبان، أحدهما من "الاتحاد الفيدرالي لمسلمي فرنسا" القريب من المغرب، والآخر من "اتحاد المنظمات الإسلامية في فرنسا" القريب من جماعة الإخوان المسلمين، وتمثل هذه التنظيمات أكثر من 70% من هؤلاء المسلمين.

وقبل المسلمون أن تكون هناك نسبة من المعينين لا تتجاوز 20% بضغط من "ساركوزي" بعد أن كان يقترح أن تكون نسبة المعينين 55%، هذا الدعم العلني والواضح من الحكومة الفرنسية لبعض الشخصيات والاتجاهات أثار بعض القلق في أوساط المسلمين؛ لأن بعض الشخصيات لها أفكار لا تتفق مع أفكار كثير من مسلمي فرنسا، مثل "دليل أبو بكر" رئيس المجلس الذي أصدر كتابًا بعنوان "لا، الإسلام ليس سياسة" والذي اعتبر فيه أي نشاط سياسي يقوم به المسلمون هو شكل من أشكال الثورة والإرهاب، وأن الفارق بين الإسلام السياسي والإرهاب ما هو إلا اختلاف في الدرجة؛ لأن أحدهما امتداد للآخر.

وأسفرت الانتخابات لتشكيل هذا المجلس عن فوز "الاتحاد الوطني لمسلمي فرنسا" بنسبة 39% من الأصوات، وحصول "اتحاد المنظمات الإسلامية في فرنسا" على نسبة 31.7%، بينما حصل مسجد باريس على 14.6%.

وأثار فوز الاتجاه القريب من الإخوان المسلمين بنسبة كبيرة من الأصوات قلقًا في بعض الأوساط الفرنسية، حاول زعماء الاتحاد تخفيف حدته بالإعلان في المؤتمر الحاشد الذي ينظمه الاتحاد ويؤمه حوالي (60) ألف مسلم من فرنسا وأوروبا في ضاحية "بورجيه" بباريس على التأكيد على نقطتين أساسيتين أولاهما: الإشادة بوضعهم في فرنسا حيث تحمي القوانين حقوقهم، وثانيهما: التأكيد على التزامهم بالقوانين الفرنسية وأنهم لا يشكلون تهديدًا للأمن الداخلي في فرنسا.

أزمة الحجاب.. اختبار لقدرة المجلس على البقاء

ولم تمض على الأزمات التي رافقت ميلاد "المجلس التمثيلي لمسلمي فرنسا" إلا أسابيع قليلة حتى تعرض المسلمون في فرنسا لاختبار صعب، وقعت أحداثه في ضاحية "بورجيه" الباريسية التي عقد فيها "اتحاد المنظمات الإسلامية في فرنسا" مؤتمره العشرين تحت شعار "الإسلام من الفهم إلى التطبيق" وحضره "ساركوزي" الذي قوبل بترحيب حار سرعان ما تحول إلى عاصفة من الاحتجاج عندما أخذ في إلقاء خطابه أمام هذا الجمع الحاشد؛ حيث دعا المسلمين إلى احترام القوانين الفرنسية، ومنها أن تكون الصورة الشخصية التي تظهر على البطاقات الشخصية عارية الرأس للرجال والنساء على حد سواء، وأن يسري هذا القانون على المسلمة المحجبة كما يسري على الراهبة المسيحية.

واستغل الإعلام الاحتجاج على كلمة "ساركوزي" من قبل بعض الحاضرين، لبدء حملة جديدة على المسلمين، وتصوير هذه الاعتراضات على أنها موجهة للدولة الفرنسية وممثلها، وهو ما يمثل اعتداءً على هيبتها، وترافقت هذه الهجمة التحريضية مع تصريحات لرئيس الوزراء الفرنسي "جان بيير رافان" أكد فيها أن حكومته تسعى لمنح المعلمين سندًا قانونيًّا لطرد الطلبة الذين يفصحون عن دياناتهم، ودعا أن يتخذ المعلمون موقفًا حاسمًا من الطلبة الذين يقومون بتحدي التقاليد العلمانية.

وعمومًا.. فإن قضية الحجاب ستكون محكًّا مهمًّا لإظهار حقيقة هذا المجلس، إلا أن تشكيله يعد خطوة تحول مهمة في تاريخ المسلمين في فرنسا، باعتباره أول إطار مؤسسي لتنظيم شئون المسلمين، ويعترف بوجود أطياف واتجاهات متعددة، تمثل حالة الوجود الإسلامي في فرنسا.

 اقرأ أيضا:


** كاتب مصري

عودة



دعوة للتأمل | زاد المسير  | قضايا معاصرة |  التواصل فن | تجارب دعوية | خدمات دعويةلقطة وفكرة

 

 

أخبار وتحليلات شرعي دعوي تزكية نماء علوم وصحة ثقافة وفن حواء وآدم مشاكل وحلول وسائط متعددة

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع