 |
|
الشيخ رائد صلاح |
جاء
اعتقال الشيخ رائد صلاح، زعيم الحركة
الإسلامية في مناطق فلسطين 1948، و 14 من
إخوانه، ليمثل فاصلاً جديدًا في
إستراتيجية الحرب الصهيونية البشعة
التي يشنها شارون على الشعب
الفلسطيني، فقد مثَّلت هذه الحملة
امتدادًا للحملة الدموية التي يشنها
الكيان الصهيوني على أهلنا في الضفة
وغزة إلى مناطق الـ 48 أو ما يسمَّى
بالخط الأخضر.
ورغم
ما يمكن أن يقال عن ارتباط فلسطينيي
الـ 48 بالكيان الصهيوني وحملهم
لجنسيته، وانصهار عدد منهم في هذا
الكيان وقيامهم على خدمته، فإن
الكتلة الكبرى من هذا الشعب ما زالت
قابضة على هويتها الإسلامية وقضيتها
الوطنية ولا تفرط في ذلك قيد أنملة،
وظلت تمثل الوثيقة الحية والوحيدة
على تجذُّر القضية الفلسطينية في كل
الأرض الفلسطينية من النهر إلى
البحر، كما ظلت تمثل الشاهد الحي على
أن الجذور الديموجرافية للشعب
الفلسطيني ممتدة في أعماق التراب
الفلسطيني.
ومن
ناحية ثانية فإن أهلنا هناك يمثلون
نقطة ضوء كاشفة تفضح كذب ديمقراطية
الكيان الصهيوني، وتثبت عجزه عن
القدرة على إقامة دولة عادلة تضم
عربًا ويهودًا جنبًا إلى جنب، فحملات
التضييق ضد الوجود العربي لم تتوقف
يومًا، ومعاملتهم على الصعيد السياسي
والاجتماعي كمواطنين من الدرجة
الثانية قائمة، حَجْرًا على الحرية،
وتعسفًا في الحياة الاجتماعية،
وكبتًا للشعور الوطني.
الحفاظ
على الهوية
والمعروف
وفقًا لإحصاء صادر عن الكيان
الصهيوني في 25 إبريل 2001م أن تعداد
سكان الكيان بلغ 6.4 ملايين نسمة بينهم
1.8 مليون عربي، وهو عدد يمثل بالنسبة
لليهود قنبلة ديموجرافية ستقلب
الموازين على المدى البعيد؛ ولذلك
يسعى الكيان الصهيوني بكل أدواته إلى
تذويب هؤلاء العرب تذويبًا كاملاً،
أعني تذويب الهوية الإسلامية ومحو
الثقافة الإسلامية وإحلال ثقافات
أخرى، وقطع الصلة بين العرب
وتاريخهم، بل ومحو ذاكرتهم التاريخية
تعليميًّا وواقعيًّا، ويسير ذلك على
خط متوازٍ مع عمليات محو وتضييع معالم
الهوية الفلسطينية على الأرض في
العمران والجدران والطرق والسمت
العام للأحياء القديمة، الذي يشهد
بأن "فلسطين" هنا.
وقد
روى لي الشيخ رائد صلاح نفسه -في لقاء
معه قبل أكثر من عام بالقاهرة- كيف
تقوم السلطات بعملية تهويد واسعة
للعمران طالت أرصفة الطرق القديمة
التي يمكن أن تدل على الهوية
الفلسطينية.. لقد "قلعوها"، وتم
تركيب حجارة بديلة، لها صلة بالوضع
الجديد.
ولا
شك أن تيار الحركة الإسلامية بقيادة
الشيخ رائد صلاح وإخوانه الذي برز
وتبلور في منتصف السبعينيات من القرن
الماضي أخذ على عاتقه بالتعاون مع
التيار الوطني إعادة الروح الوطنية
والهوية الإسلامية كامتداد للروح
التي سرت في بقية أرجاء فلسطين،
والصحوة الإسلامية التي عمت أبناءها،
وأثمرت حركات المقاومة الإسلامية
هناك.
ملحمة
الجهاد المدني
وقد
صاغت الحركة الإسلامية بقيادة الشيخ
رائد صلاح مشروعًا حضاريًّا متكاملاً
خاضت على قاعدته ملحمة جهادية مدنية
لا تقل كفاءة وأهمية عن ملحمة الجهاد
العسكري والسياسي التي تخوضها حماس
والجهاد الإسلامي، وتمثلت تلك
الملحمة بمشروعها فيما يلي:
أولاً-
تأمين بقاء الشعب الفلسطيني في أرضه:
إن
من أهم الأمور التي ناضلت الحركة فيها
هو تأمين بقاء الشعب الفلسطيني في
أرضه وتثبيت وجوده فيها، والحفاظ
والمساعدة على تزايد نموِّه؛ لأن
بقاء العرب بكتلتهم السكانية الكبيرة
يمثل الوثيقة الحية، وشاهد الحق
الناطق بالحق في فلسطين.. كل فلسطين.
ومنذ
النكبة والسلطات الصهيونية تعمل
جاهدة وفق مخطط محكم لإنهاء هذا الوضع
بالسعي "لأسرلة" الأسر
الفلسطينية وتمزيقها، كما تمارس
عمليات طرد جماعي عليهم خارج الأرض
إلى عالم الشتات، وتضيِّق عليهم سبل
الحياة بالضرائب الباهظة وغلاء
الأسعار المعيشية.
وإن
المناقشات الدائرة داخل دوائر صنع
القرار الصهيوني تؤكد مدى المخاوف
الصهيونية من تزايد الكتلة السكانية
الفلسطينية، وتعتبرها قنبلة
ديموجرافية موقوتة، وقد كشفت
المناقشات - التي أجرتها لجنة
الخارجية والأمن في الكنيست في 16
يوليو من العام 2001 عن "المشكلات
الديموجرافية لإسرائيل"- أن الكيان
الصهيوني يأخذ هذه القضية مأخذ الجد،
ويكمن القلق الصهيوني في أن الزيادة
السكانية بين أهلنا في فلسطين الـ 48
تفوق حاصل جمع زيادة الصهاينة، وهناك "بحث
كبير شاركت فيه جهات (إسرائيلية) عدة
عن السيناريوهات المختلفة بالنسبة
لإسرائيل في العام 2025م، وكان أحد أبرز
نتائجه أن القنبلة الديموجرافية هي
أقرب مما كان متصورًا، فقد فرضت هذه
القنبلة نفسها على السيناريوهات كلها
بعدما تبين أنه بحلول العام 2025م سيكون
في إسرائيل ما بين 40 إلى 41% على الأقل
من غير اليهود معظمهم من فلسطيني الـ
48، ومن نتائج هذا البحث أن فلسطيني
الـ 48 قد يصبحون غالبية بحلول العام
2035م" (وحيد عبد المجيد – الحياة
العدد 14014).
ولتأمين
البقاء في الأرض وتثبيت الوجود، قامت
الحركة الإسلامية بتأمين الحياة
المعيشية بل وتحسينها، وقاية للناس
من حملة التجويع والحصار المفروض
عليهم، من خلال مسلسل لا يتوقف من
زيادة الضرائب والغرامات الباهظة على
المخالفات القانونية والرفع المتعمد
للأسعار، بل والحرص على شحّ المواد
التموينية حتى يضجّ الناس ويبحثوا
لهم عن مكان آخر، أو يبقوا ويخضعوا
للعدو ويندمجوا معه.
فسلطات
الكيان الصهيوني لا تكف عن ممارسة
سياسة مصادرة الأراضي وهدم البيوت
والمقدسات.
يقول الشيخ رائد صلاح: إنهم يرفضون
الاعتراف بـ 100 قرية فلسطينية تضمُّ
سبعين ألفًا من أهلنا، وهذه السياسة
قد تترجم أحيانًا بإهدار دمنا، كما
أنها قد تترجم بتفريغ مجتمعاتنا من
المقومات الحضارية المهمة، مثل
المستشفيات والجامعات والمناطق
الصناعية، الأمر الذي أدى إلى أن أكثر
من 60 % من أهلنا يعيشون تحت خط الفقر،
تمزقهم المشكلات الاجتماعية -
المجتمع العدد 1465.
ولذلك
فقد قامت الحركة الإسلامية بقيادة
الشيخ رائد صلاح بإبداع مشروع "المجتمع
العصامي" والذي يهدف إلى الإفلات
بالشعب الفلسطيني من جبروت الحصار،
ويعمل على تربية الناس على الاعتماد
على الذات بعد الله سبحانه وتعالى.
وضمن
هذا المشروع الكبير تم إنشاء "هيئة
الإغاثة العليا" والتي تتولى
الإشراف على الشئون الصحية
والاجتماعية والاقتصادية والمرافق.
ويوضح
الشيخ رائد صلاح أن الهدف من المشروع
هو بناء مجتمع متكامل يملك مؤسساته
وأمور حياته بيده، ويتحرر من حملات
الضغط الواقع عليه من السلطات
الإسرائيلية.
وكانت
الحركة الإسلامية واضحة وصارمة في
التشديد على أن تكون مصادر تمويل هذا
المشروع ذاتية، بإحياء الوقف
الإسلامي، وإحياء باب الوصية بالثلث
في الميراث، كما اتجهت الحركة لإقامة
المجتمعات التعاونية (كيبوتس إسلامي)
التي تتميز بتجارتها الخاصة وأمنها
المستقل.
وقد
نما مشروع المجتمع العصامي، واتسع
حتى أصبح يضم إحدى وعشرين هيئة وجمعية
تضم كل مناشط الحياة الاجتماعية
والاقتصادية والمعيشية، وإعمار
المساجد، وصيانة المقدسات وحراستها،
ومساعدة المعتقلين، وكفالة
الأيتام، والأسر المحتاجة، وطلبة
العلم، وغيرها...
وكان لهذا المشروع انعكاساته
الإيجابية الكبرى على حياة
الفلسطينيين، فقد كسر حصار التجويع
والتضييق عليهم، كما عطل مخطط فرض
البؤس والشقاء عليهم من قبل الاحتلال.
الأقصى
في العيون.. نفنى ولا يهون
 |
|
الأقصى |
ثانيًا
- الحفاظ على الهوية الإسلامية للشعب
والأرض من خلال:
-
إحياء الروح الإسلامية والالتزام
الإسلامي من خلال قوافل الدعاة الذين
جابوا الأرض يُذكِّرون الناس بالله،
ويربطونهم بدينهم، تربية وعملاً
ومعاملات.
-
انطلاق حركة واسعة من العمران
الإسلامي استهدفت ترميم المساجد
والمؤسسات الإسلامية التي تحولت إلى
متاحف وإسطبلات وبارات للخمر، أو
أوشكت على السقوط، وهو ما أعاد للأرض
والعمران سمتهما الإسلامي الحقيقي
ومثَّل شهادة ناطقة بأن هنا مسلمين.
-
في إطار مشروع المجتمع العصامي –كما
أسلفنا- تمت إقامة سلسلة من المؤسسات
الاجتماعية، كلجان الزكاة،
والمستشفيات، ودور تحفيظ القرآن
الكريم، والأندية الاجتماعية
والرياضية، وغيرها، والتي قامت بدور
محوري في التكافل والترابط الاجتماعي
أسهم بشكل كبير في تقوية النسيج
الاجتماعي ومتانة لُحمته في وجه
مشروع التذويب الصهيوني.
- تأسيس "مؤسسة الأقصى" لإعمار
المقدسات الإسلامية والتي كرست
جهودها في حراسة المسجد الأقصى،
والقيام على إعماره وترميمه، وتوصيل
صوت المسجد الأسير للعالم، وفضح ما
يبيت له من محاولات التدمير الصهيوني.
وفيما
يتعلق بالقدس والمسجد الأقصى فقد
أولته الحركة الإسلامية بقيادة الشيخ
رائد صلاح عناية وجهدًا وجهادًا
خاصًّا في مقابل مشروع صهيوني ماكر
وخطير، خُصِّص لتهويد المدينة
المقدسة، والسعي لهدم مسجدها الأقصى،
وإقامة الهيكل المزعوم محله، وفي نفس
الوقت العمل وفق إجراءات قمعية على
تفريغ المدينة من أهلها المسلمين
وإحلال اليهود محلهم.
وقد
التقيتُ مؤخرًا بأحد الذين يعيشون
بجوار أسوار المسجد الأقصى، ويعدون
من حراس المسجد الأقصى والمدينة
المقدسة، وهو يقوم بدور اجتماعي
وإغاثي وإشرافي على ترميم المسجد
الأقصى، ذلك رغم أن عمره ناهز السبعين
عامًا، التقيته خارج فلسطين وشرح لي -دون
رغبة منه في ذكر اسمه- كيف تسيطر
القوات الصهيونية على المسجد الأقصى،
وذلك على نطاقين:
الأول:
نطاق المسجد الأقصى ذاته.. حيث تسيطر
الشرطة عليه سيطرة تامة، بينما تمتد
تحت بنيانه شبكة الأنفاق المعروفة،
والتي بلغت اثني عشر نفقًا، وتغطي كل
مساحة المسجد ولا يسمح بالمرور فيها
إلا لليهود، ولا يُستبعد ملؤها
بالمتفجرات إيذانًا بتدمير المسجد -لا
قدر الله -.
الثاني:
وهو النطاق الأوسع، نطاق المدينة
المقدسة، حيث تجري عمليات تفريغها من
سكانها العرب سعيًا للقضاء على
كتلتها السكانية العربية، وذلك عبر
الآليات التالية:
-
سحب الهويات من العرب لأسباب واهية،
ويتبع ذلك أن يكون من حق الشرطة طرد من
تضبطه لا يحمل هوية المدينة، ولا تسمح
له بدخول المدينة مرة أخرى.
-
الحصار الاقتصادي، فالمدينة تعتمد في
غذائها من الخضراوات ومعظم المواد
الغذائية اليومية على القرى المجاورة
(خمس قرى رئيسية)، وقد تم عزلها تمامًا
عن هذه القرى، عبر القوات المحتشدة
على منافذ المدينة، مما تسبب في تضاعف
أسعار المواد الغذائية داخل القدس،
وتسبب في نفس الوقت في إحداث حالة من
الكساد التجاري في منتجات القرى
الزراعية والتي تمثل القدس سوقها
الرئيس.
-
مضاعفة الضرائب على سكان القدس، إلى
أن وصلت إلى ألف دولار ضريبة على
تشييد بيت واحد، وهو مبلغ طائل
بالنسبة لمعظم السكان.
وقد
تسببت هذه الإجراءات في خنق المدينة
وسكانها، وأفضت إلى تفريغها من نصف
سكانها تقريبًا، فبعد أن كان تعداد
المدينة مائتي ألف فلسطيني، صار مائة
وعشرة آلاف فقط، وما زال المسلسل
جاريًا.
في
ظل هذه الأجواء والمخططات الصهيونية،
تعمل الحركة الإسلامية في فلسطين الـ
48، وتجاهد مدنيًّا حفاظًا على الأرض
من التهويد، وعلى الشعب من التبديد
والتذويب والانكسار.
وقد
كان للشيخ رائد صلاح (43 سنة) -بعلمه
الشرعي من كلية الشريعة بجامعة
الخليل، وحنكته السياسية في رئاسة
بلدية أم الفحم، ومعايشته في صناعة
أحداث الصحوة الإسلامية وحركته
بين الناس- دور قيادي في هذه الملحمة
الكبرى، وهو ما وضع العدو الصهيوني
أمام مأزق كبير، ويحاول أن يفلت منه
باعتقال الشيخ بتهمة فارغة وسط بوادر
لحملة شرسة على أهلنا في فلسطين الـ 48.
لقد
ظن العدو يومًا أنه اقتطع جزءًا
مهمًّا من الشعب الفلسطيني وأمَّمه
لصالحه، فإذا به يجد شعبًا صلبًا
يستعصي على التطويع والتذويب، ولا
يرضى بغير فلسطين وطنًا ولا بالإسلام
هوية.
اقرأ
أيضًا:
مواقع ذات صلة:
**كاتب صحفي مصري
|