|
طرح
المؤتمر العشرون لاتحاد المنظمات
الإسلامية بفرنسا الذي انعقد من 18 إلى
21 إبريل 2003 بقوة قضية ممارسة الإسلام
في مجتمع علماني، واتضح بما لا يدع
مجالا للشك أن الأمر يتعلق باكتشاف
وجه آخر من وجوه الإسلام، إسلام يندمج
وينصهر، ولكنه يظل محافظًا على
أعمدته وجوهره.
لم
يختلف مشهد المتحجبات أو الشباب
الملتحين الذين تجولوا في أروقة
المؤتمر عن مشاهد كثيرة لمتحجبات
وملتحين يتجولون في شوارع القاهرة أو
دمشق أو مراكش... غير أن فَهْمًا
للإسلام خاصا يبدو ملاصقا لخصوصيات
الحياة في لندن أو باريس هنا يعيشه
المتدينون يختلف باختلاف المجال
الجغرافي والإطار السياسي الذي يعيشه
المتدينون في بلاد المشرق أو المغرب
الإسلاميين.
فالورقة
التقديمية التي وزعت على كل الزائرين
لمؤتمر البورجي بباريس تؤكد على معانٍ
معينة يجب أخذها بعين الاعتبار،
الورقة تقول: "المسلمون في فرنسا
يعيشون في زخم ثقافي واجتماعي متميز"،
إنه طبعا مجتمع حديث علماني، تبدو
خيوط ترابطه مع النموذج الإسلامي
ضعيفة جدا أو بالمعنى القرآني "أوهن
من خيوط العنكبوت".
وتؤكد
الورقة التقديمية للمؤتمر "أن
المسلم كبقية الناس في هذه البلاد يجد
عقبات في رسم خطى حياته بداية من
التزامه الديني وتربية أولاده إلى
تصور صحيح وجاد في كيفية تطبيق دينه".
وفي
الحقيقة فإن طرح قضية معايشة الإسلام
داخل مجتمع علماني ثقافة وتاريخا
وخيارا سياسيا طرحت في مؤتمر البورجي
من خلال ثلاث نقاط رئيسية، هي:
أولا:
الاعتراف بحكم الغالبية العلمانية
ذلك
أنه بحكم وجودهم في مجتمع علماني
أغلبي؛ فإن الأقلية المسلمة في فرنسا
-على سبيل المثال- مطالبة باحترام
قانون الأغلبية، وهم لا يضعون محل
نقاش مسألة هذا الاعتراف؛ إذ يقول
التهامي إبريز رئيس اتحاد المنظمات
الإسلامية في فرنسا في كلمته
الافتتاحية: "إن المجلس الفرنسي
للديانة الإسلامية الذي انتُخب مؤخرا
لا يمكن أن يوجد إلا في الإطار
المؤسساتي للجمهورية الفرنسية
العلمانية التي تعتبر أن للإسلام
حقوقا متساوية كبقية الديانات في
فرنسا".
والناظر
كذالك في كلمة نيكول ساركوزي أثناء
المؤتمر يلاحظ أن عبارة وجوب احترام
المبادئ العلمانية للدولة ترددت في
خطابه حوالي 6 مرات أمام 15 ألف مسلم
متدينين، نصفهم من المتحجبات .
والحقيقة
أن كل التشكيلات والمنظمات الإسلامية
في فرنسا على اختلافها لا تضع هذا
المبدأ محل نقاش أو مساءلة؛ فهم
مسلمون داخل مجتمع علماني يحتكم إلى
قوانين وضعية هي قوانين الأغلبية،
وهذا أحد مرتكزات ديننا، كما يقول
فؤاد علوي أحد مسئولي الاتحاد بناء
على احترام رغبة وخيار الأغلبية.
بل
هناك من ذهب من المحاضرين في المؤتمر
إلى أبعد من ذلك.. إلى البحث عن نقاط
الالتقاء بين المعاني الإسلامية وأطر
وثقافة الدولة العلمانية؛ حيث خصص
الباحث المسلم "أساني فساسي"
محاضرته للبحث عن قيم الإسلام في
الشعارات التي قامت عليها الثورة
الفرنسية؛ حيث قال: "أليست هذه
الشعارات الثلاثة التي نجدها معلقة
في كل مكان في فرنسا، وهي المساواة
والحرية والأخوة.. أليست هذه الشعارات
الثلاثة هي من قيم الإسلام الأساسية".
ثانيا:
النظرة المخصوصة للأزمة العراقية
لا
يختلف اثنان على أن تفاعل مسلمي
أوروبا ضد العدوان الأمريكي
البريطاني على العراق كان تفاعلا
إيجابيا وحارا لم يشذ عن تفاعل
المسلمين في بقية أنحاء العالم، ولم
يشذ كذلك عن تفاعل الفرنسيين أو
البريطانيين ذاتهم على سبيل المثال،
غير أن خصوصية موقعهم والمجال الذي
يعيشون فيه دفعت الدكتور أحمد الراوي
-رئيس اتحاد المنظمات الإسلامية في
أوروبا- في محاضرته التي ألقاها في
المؤتمر إلى القول صراحة بأن "الفتاوى
التي صدرت من بعض علماء المسلمين في
أماكن عديدة قبل وبعد الحرب لا تلزم
مسلمي أوروبا"، ودون أن يفصح عن
مضمون هذه الفتاوى؛ فإن الأمر يرتبط
بالنسبة للمراقبين بالفتاوى
الجهادية التي لا تبدو متناسبة مع
واقع المواطنين المسلمين
البريطانيين مثلا الذين شارك بعض
أبنائهم في القتال على جبهة البصرة أو
أم قصر أو غيرها من المدن العراقية.
وقد
شدد الراوي بالقول: "نحن في حل من
هذه الفتاوى التي لا تتناسب مع
خصوصيات مجتمعاتنا التي نعيش فيها".
أمر كهذا يطرح السؤال الفقهي: هل هناك
فتاوى تبدو صالحة في مكان، ولا تبدو
ضرورية في مكان آخر؟
بعض
من الإجابة على هذا السؤال وردت في
كلمة التهامي إبريز؛ حيث قال: "إن
مسلمي فرنسا -على سبيل المثال- عليهم
أن يبحثوا عن قراءة للإسلام موائمة
لواقعهم الثقافي والسياسي، وهذه
القراءة يجب أن تأخذ بعين الاعتبار
عنصرين مهمين، هما: المكان والزمان؛
فالمسلمون الفرنسيون يعيشون في مكان
مخصوص، وهو فرنسا التي لها تاريخها
وثقافتها وفهمها الخاص للديانة"،
وهو ما يشير إلى أن فتاوى في غير
مجالها الاجتماعي والثقافي والسياسي
تصبح غير ذات جدوى.
ثالثا:
طرح قضية الحجاب في دولة علمانية
من
المُسلَّم به القول بأن المسلمين في
فرنسا لا يطرحون على أنفسهم إقامة
دولة إسلامية، ولا هم يريدون أن
يحكِّموا الإسلام في هذه البلاد؛
لأنهم أقلية تخضع ضرورة لحكم
الأغلبية، ولكن عندما يتعلق الأمر
بممارسة دينية تدخل تحت حيز الحريات
الخاصة كالحجاب مثلا؛ فإن الأمر قد
يؤدي إلى جدل قد لا يحسم بالسهولة
المطلوبة. فما حدث في اليوم الثاني
لمؤتمر البورجي أعاد الجدل الفرنسي
حول ما إذا كان الحجاب في أماكن العمل
وفي المعاهد ينتهك أحد مبادئ الدولة،
وهو "الائكية" كما يؤكد بعض
المسئولين لفرنسيين.
ولأن
المسألة لا تتعلق بالنظام العام
للمجتمع، ولا تمس الحريات العامة
للمجتمع؛ فإن ردود الفعل كانت ساخطة
من قبل المحجبات اللاتي استمعن إلى
خطاب وزير داخلية فرنسا، لا سيما أن
العشرات منهن -على الأقل- جئن إلى
فرنسا هروبا من الاضطهاد الديني الذي
مورس عليهن، وخاصة التونسيات مثلا
اللاتي يُمنعن في بلادهن من لبس
الحجاب بمقتضى قانون ردعي.
نستطيع
القول بأن قضية الحجاب في فرنسا تمثل
نقطة تماسّ حادة بين قوانين الدولة
العلمانية والحريات الشخصية للأقلية
المسلمة التي ارتضت أن تعيش في مجتمع
علماني، ولأن المثال الفرنسي في خصوص
قضية الحجاب غير معمم في العديد من
البلدان الغربية الأخرى؛ فإن الحكم
سيظل نسبيا .
الكثيرون
يقولون: إن الأمر يتعلق بتمشي وتدرج
طبيعي بالنسبة لأي أقلية تريد تحصيل
حقوقها الاجتماعية والسياسية،
والمسلمون في هذا الإطار الذين
يعيشون في مجتمع علماني ثقافة وسياسة
ليس لهم من مجال إلا العمل على
المطالبة بتحقيق مطالبهم. والأمر هنا
متروك لعامل الزمن؛ فقد كان مسئولو
اتحاد المنظمات الإسلامية صرحاء
لوزير الداخلية الفرنسي نيكول
ساركوزي، عندما قالوا له: إن ديننا
يعلمنا أن نحترم القانون طالما هو
موجود، ولكننا سنطالب بتغيير هذا
القانون إن كان جائرا. لقد صفق نيكول
ساركوزي لذلك.
اقرأ
أيضًا:
**صحفي
تونسي مقيم بباريس.
|