|
لقد
اقتضت سُنَّة الله في خلقه ألا يدوم
طاغية ولا متجبر، وأن الله تعالى ينصر
المظلومين، ويُعلِي شأن المؤمنين..
لقد أهلك الله فرعون الذي تعالى
وتكبر، حتى قال: {مَا عَلِمْتُ لَكُم
مِّنْ إلَهٍ غَيْرِي} [القصص: 38]،
وأهلك من قبله عادًا وثمود وإخوان
لوط، وجعلهم جميعًا عبرةً في التاريخ
لمن اعتبر، ونصر أنبياءه ومن تبعهم من
المؤمنين على ضعفهم وقلة عددهم، ولكن
بعد المحنة والتمحيص.
لقد
قاسى الأنبياء ظلم أقوامهم وإيذاءهم
لهم ولأتباعهم، ومنهم من قُتل بيد
قومه، وقد أخبرنا الصادق المصدوق
عليه الصلاة والسلام أنه كان ممَّن
قبلنا يُؤخَذ فتُجعَل المناشير على
رأسه؛ فيُشَق إلى نصفين ما يصرفه ذلك
عن دينه، وأخبر صلى الله عليه وسلم أن
الواحد منهم كان يُمشَّط بأمشاط
الحديد ما دون عظمه من لحم وعصب، لا
يصرفه ذلك عن دينه.
ورأينا
أن قوم نوح -عليه السلام- بلغ بهم
العناد والتعالي أن جعلوا أصابعهم في
آذانهم، واستغشوا ثيابهم، كلما دعاهم
نوح إلى الله ليغفر لهم، واستهزءوا به
وسخروا منه وهو يبني السفينة التي
أمره الله ببنائها، فأخذهم الله
بالطوفان الجارف، وما كانوا ليعجزوا
الله في الأرض.
وإبراهيم
عليه السلام تداعى عليه قومه كما
يتداعى الأكَلَة إلى قصعتهم، قاموا
عليه في سبيل حجارة بالية يعبدونها من
دون الله، وقد أقام عليهم الحُجَّة
التي جحدوا بها واستيقنتها أنفسهم
ظلمًا وعُلُوًّا، وأوقدوا له النار
العظيمة، فأذلهم الله ونجَّاه.
وبنو
إسرائيل كانوا مستضعفين مضطهدين من
قِبَل فرعون، وعندما تبعوا موسى عليه
السلام زاد عليهم الأذى، قالوا لموسى
عليه السلام حين أمرهم بالصبر
والاحتساب: {أُوذِينَا مِن قَبْلِ أَن
تَأْتِيَنَا ومِن بَعْدِ مَا
جِئْتَنَا} [الأعراف: 129]، ولكن الله
تعالى نصرهم {ونُرِيدُ أَن نَّمُنَّ
عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي
الأَرْضِ ونَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً
ونَجْعَلَهُمُ الوَارِثِينَ *
ونُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأَرْضِ
ونُرِيَ فِرْعَوْنَ وهَامَانَ
وجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا
يَحْذَرُونَ} [القصص: 5، 6].
ومحمد
صلى الله عليه وسلم لقي من أذى
المشركين ما هو غني عن الوصف والبيان؛
أُدميت قدماه، ووُضِع سلا الجزور على
ظهره وهو ساجد، واستهزأ به المشركون
وبدعوته، بل وصفوه بالكذب والسحر
والكهانة، بعد أن كان عندهم الصادق
الأمين، حاصروه هو وقومه في شِعب أبي
طالب بمكة ثلاث سنوات، حتى أكلوا ورق
الشجر، تآمروا على قتله، ولحقوا به
يوم هجرته، وجمعوا له الجموع
وقاتلوه، خانوا العهود. كل هذا والحق
واضح وضوح الشمس، عَلِمُوه وجَحَدُوه
لمصالح ذاتية، وكبرًا من عند أنفسهم،
فأذلهم الله تعالى بانتصاره عليهم هو
والمؤمنون، حتى دخل عليهم مكة فاتحًا
مظفرًا، يتلو: {جَاءَ الحَقُّ وزَهَقَ
البَاطِلُ إنَّ البَاطِلَ كَانَ
زَهُوقًا) [الإسراء: 81]، (كَتَبَ
اللَّهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَا
ورُسُلِي إنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ
عَزِيزٌ} [المجادلة 21]، {إنَّا
لَنَنصُرُ رُسُلَنَا والَّذِينَ
آمَنُوا فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا
ويَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ} [غافر:
51]، {وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ
المُؤْمِنِين} [الروم: 47].
المِحَن
مُحرِّكة للعمل لا داعية للقعود
فمِحَن
المسلمين وآلامهم بدأت منذ بدء
الدعوة، لكنهم لم يجعلوا من هذه المحن
إلا مُحَرِّكًا نحو مزيد من العمل
والجِد وإصلاح الخلل، ولو أنهم جلسوا
يبكون وينتحبون ويصرخون، لتوقفت
الدعوة وماتت منذ بدأت قريش تعذيب
المسلمين الأوائل، أو منذ ما حدث لهم
في غزوة أحد، أو منذ مقتل الأفاضل من
الصحابة في بئر معونة.
ومن
الجراحات التي لا تُنسَى من تاريخ هذه
الأمة استيلاء الفرنجة عام 492هـ على
بيت المقدس، وقتلهم ما يزيد على سبعين
ألفًا من المسلمين، غاصت في دمائهم
الخيل حتى الركاب، وخرج الناس من
الشام إلى العراق مستغيثين، وخرج
الفقهاء ليحرضوا الملوك على الجهاد؛
فلم يفِد ذلك شيئًا، فقال في ذلك أبو
المظفر الأبيوردي يصف حال الأمة
المتخاذلة التي لم تهزها تلك المجازر
البشعة:
تسومهم
الروم الهوان وأنــتم*****تجرون ذيل
الخفض فعل المسالم
أرى
أمتي لا يشرعون إلى العدا*****رماحـهم،
والدين واهي الدعائم
فالجراحات
والتخاذل والصمت أمام ما يحدث
للمسلمين هنا وهناك ليس هذا كله وليد
اليوم في هذه الأمة، لقد حدث من قبل
مرات ومرات، وفي غمرة هذا التخاذل
الذي جثم على قلب الأمة حينًا من
الزمان، قيض الله تعالى للأمة نور
الدين زنكي، الذي بدأ معاركه ضد
الفرنجة، وأكمل الطريق بعده تلميذه
صلاح الدين الأيوبي، فأعاد الله
تعالى بيت المقدس للمسلمين على يديه
هو وجنوده، فأذاقوا أعداء الله ما لم
يحتسبوا من خزي وهوان في حطين،
وأعادوا للمسلمين عزهم وقوتهم عام 583هـ،
بعد ما يقارب القرن من الزمان، وهي في
أيدي المعتدين.
ومما
لا ينساه التاريخ أيضًا دخول التتار
بغداد سنة 656هـ، فعاثوا فيها فسادًا
أربعين يومًا، يقول ابن كثير واصفًا
درة المسلمين المفقودة بأنها كانت
بعد هجمتهم: "خاوية على عروشها، ليس
بها أحد إلا الشاذ من الناس، والقتلى
في الطرقات كأنها التلول، وقد سقط
عليهم المطر فتغيرت صورهم، وأنتنت من
جيفهم البلد، وتغير الهواء، فحصل
بسببه الوباء الشديد، حتى تعدَّى
وسرى في الهواء إلى بلاد الشام، فمات
خلق كثير من تغير الجو وفساد الريح،
فاجتمع على الناس الغلاء والوباء
والفناء والطعن والطاعون، فإنا لله
وإنا إليه راجعون".
ثم
توجهوا إلى بلاد الشام وعاثوا فيها
فسادًا كما فعلوا ببغداد، حتى وصلوا
إلى غزة على مشارف مصر، وهناك دحرهم
الله تعالى على يد الملك المظفر قطز
في عين جالوت.
حِكَم
النصر ودروس الهزيمة
لقد
اقتضت سنة الله تعالى في خلقه أن
يبتليهم بالمحن والشدائد، قال تعالى:
{ولَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ
الخَوْفِ والْجُوعِ ونَقْصٍ مِّنَ
الأَمْوَالِ والأَنفُسِ
والثَّمَرَاتِ وبَشِّرِ
الصَّابِرِينَ} [البقرة: 155]، وقال
تعالى: {وتِلْكَ الأَيَّامُ
نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ
ولِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ
آمَنُوا ويَتَّخِذَ مِنكُمْ
شُهَدَاءَ واللَّهُ لا يُحِبُّ
الظَّالِمِينَ * ولِيُمَحِّصَ
اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا
ويَمْحَقَ الكَافِرِينَ} [آل عمران: 140،
141].
يقول
ابن القيم في "زاد المعاد" في
ذكره الحكم والدروس المستفادة مما
حدث مع المسلمين في أُحد: "ومنها: أن
حكمة الله وسنته في رسله وأتباعهم،
جرت بأن يُدالُوا مرة، ويُدال عليهم
أخرى، لكن تكون لهم العاقبة، فإنهم لو
انتصروا دائمًا دخل معهم المؤمنون
وغيرهم، ولم يتميز الصادق من غيره،
ولو انتُصِر عليهم دائمًا لم يحصل
المقصود من البعثة والرسالة.
ومنها:
أن الله سبحانه وتعالى إذا أراد أن
يُهلكَ أعداءه ويمحقهم، قيَّض لهم
الأسباب التي يستوجبون بها هلاكهم
ومَحْقَهم، ومن أعظمها بعد كفرهم
بَغْيُهم وطغيانهم ومبالغتهم في أذى
أوليائه ومحاربتهم وقتالهم والتسلط
عليهم، فيتمحص بذلك أولياؤه من
ذنوبهم وعيوبهم، ويزداد بذلك أعداؤه
من أسباب محقهم وهلاكهم، وقد ذكر الله
سبحانه وتعالى: {ولا تَهِنُوا ولا
تَحْزَنُوا وأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ
إن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ * إن
يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ
القَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وتِلْكَ
الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ
النَّاسِ ولِيَعْلَمَ اللَّهُ
الَّذِينَ آمَنُوا ويَتَّخِذَ
مِنكُمْ شُهَدَاءَ واللَّهُ لا
يُحِبُّ الظَّالِمِينَ *
ولِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ
آمَنُوا ويَمْحَقَ الكَافِرِينَ} [آل
عمران: 139 – 141]، فجمع لهم في هذا
الخطاب بين تشجيعهم وتقوية نفوسهم،
وإحياء عزائمهم وهممهم، وبين حُسْن
التسلية، وذكر الحكم الباهرة التي
اقتضت إدالة الكفار عليهم، فقال: {إن
يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ
القَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ}، فقد
استويتم في القرح والألم، وتباينتم
في الرجاء والثواب، كما قال: {إن
تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإنَّهُمْ
يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ} [النساء:
104]، فما بالكم تهنون وتضعفون عند
القرح والألم؟! فقد أصابهم ذلك في
سبيل الشيطان وأنتم أصبتم في سبيلي
وابتغاء مرضاتي".
لا
انتظار ولا انتحار
قد
تدمع العين لما نرى من مواجع وآلام
إخواننا، ويتألم القلب ويتمزق حسرة
وكمدًا على ما نحن فيه من ذل وهوان،
وعلى الكيد للإسلام وأهله في كل مكان،
لكن علينا ألا نتوقف عند هذا فقط،
ونجعل الدموع موانع دون البلوغ
لأهدافنا، ونقتل القلوب حسرة، فما
يعود منها نفع ولا رجاء، ونقضي
الأوقات الثمينة في التحسر وضرب الكف
بالكف.
فقد
يدفعنا اليأس الذي قد يصيبنا جرَّاء
ما نواجه من مِحَن وفتن إلى أحد شيئين
كلاهما مُهلك؛ فهو إما يدفعنا إلى
السلبية تجاه ما يحدث، والانفصال
شعوريًّا وفعليًّا عن الواقع، في
انتظار شخص "المُخلِّص"، الذي
سيُغيِّر وجه الأرض، ويعيد الحق إلى
نصابه، وهو لن يأتي بحال، دون أن نقوم
نحن بتمهيد طريقه، والاستعداد للجهاد
وراءه مهما طال الانتظار.
أو
يدفعنا إلى التهور والاندفاع في
مواجهة الباطل، بعد أن يئسنا من
التغيير من سوى هذا الطريق، فنخسر
كثيرًا، إن لم نخسر كل شيء، فيكون هذا
التهور كمن يُقدِم على الانتحار
يأسًا من تحقيق نجاح في حياته، فيخسر
دنياه وآخرته معًا.
بل
الواجب علينا أن ننهض من جديد كما نهض
من كان قبلنا، ولنعلم أن الله تعالى
لا محالة ناصر هذا الدين، ولا محالة
متحققة بشارة رسوله الكريم: "ليبلغن
هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار، ولا
يترك الله بيت مدر ولا وبر إلا أدخله
الله هذا الدين، بعِز عزيز أو بذُل
ذليل، عزًّا يعز الله به الإسلام،
وذلا يذل الله به الكفر" [رواه أحمد]،
{واللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ ولَوْ
كَرِهَ الكَافِرُونَ} [الصف: 8]، لكن
علينا التسلح بالثقة بالله تعالى،
وبصدق ما وعد به نبيه صلى الله عليه
وسلم، ولنعمل عسى أن نكون نحن، أو
أولادنا، أو حتى أحفادنا ممن يفوزون
بهذا الفضل والشرف.
إن
ما يستحق الحزن حقًّا هو أن نفقد هذا
الشرف، شرف إعزاز الله تعالى الإسلام
على أيدينا، ونكون كما قال تعالى: {وإن
تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا
غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا
أَمْثَالَكُمْ} [محمد: 38].
{فَسَوْفَ
يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ
يُحِبُّهُمْ ويُحِبُّونَهُ
أَذِلَّةٍ عَلَى المُؤْمِنِينَ
أَعِزَّةٍ عَلَى الكَافِرِينَ
يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ
ولا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ
ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن
يَشَاءُ واللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ} [المائدة
54].
**
داعية فلسطينية مقيمة ببريطانيا
|