إسلام أون لاين/دعوة ودعاة
 
بريدك الإلكتروني
الصفحة الرئيسة  | دعوة ودعاة   
 

بحث        |  بحث متقدم  |  لوحة المفاتيح العربية

 

مسلمو أوروبا وقضية الاندماج والتأقلم

مصطفى عاشور- 26/01/2003

تشغل قضية اندماج المسلمين في المجتمعات الأوروبية حيّزًا كبيرًا من الاهتمام من جانب الحكومات الأوروبية والمسلمين على حد سواء، بعد ما بات تنامي المسلمين داخل هذه المجتمعات ظاهرة معترفا بها بشكل غير مسبوق، وأصبح هؤلاء المسلمون يشكلون أقلية دينية تأتي في المرتبة الثانية بعد المسيحية في كثير من الدول الأوروبية.

مستقبل واعد

وزاد الاهتمام بالظاهرة الإسلامية في أوروبا حدوث تغير نوعي كبير في الوجود الإسلامي في تلك القارة، كان أبرز مظاهره انتقال الهجرة المؤقتة للمسلمين إلى هجرة دائمة، وتغير نوعية المهاجرين من العمال البسطاء إلى هجرة العقول والكفاءات، إضافة إلى مظهر هام يتمثل في دخول أعداد كبيرة من الأوروبيين الإسلام، وانتشار الإسلام في طبقات مختلفة من المجتمع وعدم اقتصاره على إسلام بعض أفراد النخبة الأوروبية، وتشير الإحصاءات إلى أن عدد المسلمين من ذوي أصول أوروبية في الاتحاد الأوروبي أكثر من  نصف مليون شخص.

وقراءة واقع الإسلام في أوروبا تكشف أن الإسلام يتحرك فيها بقوة، ويشق طريقًا ومسارًا يصعب إيقافه أو تغييره، ورغم كثرة الضجيج المفتعل حول هذه المسيرة، فإن عملية استنبات الإسلام هناك قد نجحت في عقود قليلة، والرهان -حاليا- حول نتائج وحصاد التجربة، وفي دراسة مسحية أعدها "الكونجرس اليهودي العالمي" بعنوان "صعود الإسلام في أوروبا" أكدت "أن الإسلام يتمتع بمعدلات النمو الأعلى في أوروبا؛ فهناك حوالي 20 مليون مسلم في الاتحاد الأوروبي يعتبرون أنفسهم مسلمين؛ فالمسلمون في أوروبا يمثلون قوة يجب أخذها في الحسبان، وإذا تواصل هذا الاتجاه سيشكل المسلمون في عام 2020 حوالي 10% من مجموع سكان أوروبا".

ودلل التقرير على توقعه بأن عدد المسلمين في بريطانيا -مثلا- عام 1963 كان لا يزيد على 82 ألف مسلم، وارتفع في ثلاثين عاما إلى أكثر من المليونين.

ويدور -حاليا- حديث طويل عن الإسلام الأوروبي الذي أصبح جزءا من الحياة الأوروبية ومكونًا داخليا لملايين من المسلمين المواطنين في أوروبا، ويستوعب ويتعايش مع مفاهيم الحضارة الغربية ويتطلع إلى المشاركة السياسية في عملية صنع القرار على الأقل فيما يخص شئون الجالية الإسلامية.

وتشير الإحصاءات أن في الاتحاد الأوروبي 7 آلاف جمعية ومركز إسلامي ومسجد، يستفيد من خدماتها أكثر من 16 مليون مسلم، وسط توقعات بتزايد كبير للمسلمين في الأجل القصير لعدم وجود قانون أوربي صريح يعادي المسلمين، بل إن بعض المسلمين لجئوا إلى القانون الأوروبي لرفع الظلم عنهم وتحقق لهم ما أرادوا، كما أن المسلمين يتمتعون بحقوق ممارسة شعائرهم الدينية بحرية وطمأنينة وحرية بإنشاء المؤسسات وبناء المساجد، إضافة إلى أن المسلمين المولودين في أوروبا يشكلون شريحة كبرى من المسلمين هناك، وهؤلاء يشعرون أنهم مسلمون دينًا أوروبيون وطنا وموطنًا، ولذلك تحتل قضية الاندماج مكانها المتميز في حركة الإسلام في أوروبا.

أزمة مصطلح أم ممارسة

وقد سبق لمؤسسة "رينمند ترست" وهي منظمة غير حكومية مقرها لندن، أن دعت الحكومة البريطانية إلى اتخاذ كل الإجراءات لضمان اندماج المسلمين في المجتمع البريطاني. ويؤكد كتاب "إستراتيجية العمل الثقافي في الغرب" الذي أصدرته المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة "إيسسكو" "أن مخطط إدماج الأقليات المسلمة في الكيان الثقافي الغربي غالبا ما يلقى معارضة ومقاومة كبيرة من المسلمين؛ بسبب حرص الجاليات والأقليات المسلمة على التمسك بذاتيتها الثقافية وخصوصيتها الإسلامية الأصيلة، غير أن هذا الحرص كان لا يعني الانغلاق على الذات أو الانعزال في المجتمعات الغربية".

والواقع أن مصطلح الاندماج من المصطلحات الملبسة الذي يخضع لتفسيرات متعددة ومتباينة في بعض الأحيان؛ لأنه يتخذ من الثقافة الذاتية نقطة انطلاق لمحاولة استيعاب الآخر ضمن منظومته الثقافية، كما أنه مصطلح يختلط بمصطلحات أخرى تقترب منه بدرجات متفاوتة، مثل: التماثل، والتجانس، والتأقلم، والتكيف، والإدراج الثقافي، والإلحاق الحضاري.

لهذا كان هناك تمايز وفروقات بين الدول الأوروبية في عمليات إدماج المسلمين تبعًا لقوانين وثقافة كل بلد أوروبي على حدة، مع ضرورة إدراك أن النشاط الإسلامي مسموح به في حدود عدم إحداثه تغييرات في بنيات المجتمعات الأوروبية، وفي مستوى لا يسمح ببزوغ منظومة إسلامية واحدة في أوروبا؛ إذ تسود مخاوف كبيرة من بعض الأوروبيين من القوة السكانية والثقافية للإسلام في أوروبا أطلق عليها "الإسلاموفوبيا" دفعت هؤلاء إلى إطلاق صيحات تحذيرية أنهم أمام غزو ديني واستعمار عقائدي إسلامي، وأفرز هذا القلق بعض التوترات العنصرية العارضة ضد المسلمين ووجودهم في بعض الدول، إلا أن الحقيقة تؤكد أن المجتمع الأوروبي ما زال متفتحًا رغم الأزمات العارضة، وما زال يمتلك القدرة على التعايش مع الآخر في مناخ يظله الحوار والقانون بعيدًا عن عنف الدولة، والتطرف العقائدي.

الدول الأوروبية واندماج المسلمين

اختلفت تجارب الدول الأوروبية في إدماج المسلمين، واختلفت معها تفاعلات المسلمين، ويأتي اعتراف الإمبراطور النمساوي فرانز جوزيف سنة 1912 بالإسلام كدين رسمي، كأقدم اعتراف رسمي بالإسلام في أوروبا، ورغم ذلك فإن أول جمعية إسلامية دينية أنشئت كانت في فيينا سنة 1979، أي بعد ما يقرب من سبعين عاما، ولم يتم تدريس التربية الدينية لأبناء المسلمين إلا عام 1982م، إلا أن أعداد المسلمين تضاعفت فيها خلال عشرين عاما أربعة أضعاف.

وفي إيطاليا وصل عدد المسلمين بها أكثر من مليون مسلم يضاف إليهم 80 ألف مسلم إيطالي، وأنشأ هؤلاء 450 مسجدًا، ورغم ذلك فإن الحكومة الإيطالية لا تزال لا تعترف بالإسلام كدين رسمي، وأثر ذلك في حدوث ازدواجية ثقافية وصراع نفسي لدى الناشئة المسلمين الذين لا يستطيعون أن يندمجوا في المجتمع الإيطالي؛ لأنهم مسلمون، ويشعرون بالانتماء إلى الأرض التي ولدوا ونشئوا عليها، كما أدى عدم تجانس الجالية الإسلامية عرقيا وقوميا إلى انعكاسات سلبية نسبيا في عملية الاندماج.

وفي ألمانيا التي يزيد عدد المسلمين فيها عن 3 ملايين مسلم غالبيتهم من الأتراك ما زال الألمان ينظرون إلى المسلمين على أنهم أجانب وخطر على المجتمع؛ إذ كان القصور السابق عن المسلمين أن إقامتهم ستكون في ألمانيا عدة سنوات يجمعون فيها المال ثم يعودون إلى أوطانهم، إلا أن تطور رؤية المسلمين ووجود قناعات لدى قطاعات كبيرة منهم بأن تكون الإقامة والمواطنة هي الأساس، وقوبل ببعض الكراهية والعنصرية من جماعات النازيين الجدد.

أما هولندا فدعا رئيس وزرائها "بيتر بالكينيد" إلى إغلاق المدارس الإسلامية وعددها 35 مدرسة، بحجة أنها لا تشجع على إدماج الأطفال المسلمين داخل المجتمع، أمام هذه الدعوات قام بعض الخطباء المسلمين بترجمة خطبة الجمعة إلى الهولندية وإرسالها إلى سكان المنطقة التي يقع فيها المسجد حتى يتأكد الهولنديون أن الإسلام لا يدعو إلى الكراهية أو العنف.

وتأتي التجربتان البريطانية والفرنسية كتجربتين رائدتين في التعامل مع قضية اندماج المسلمين في المجتمع في أوروبا رغم ما يوجد في أوروبا ما يوجد بينهما من تمايز واختلاف.

بريطانيا

يشكل المسلمون في بريطانيا أكثر من 5% من مجموع السكان؛ إذ يزيد عددهم عن مليوني نسمة يشكل ذوي الأصول الهندية ثلثهم، ويتحدث المسلمون هناك حوالي (100) لغة، ولهم جذور من (56) دولة، ويوجد فيهم حوالي 5 آلاف مسلم من الأثرياء ثراء كبيرًا، وللمسلمين (600) مسجد مسجلة كوحدات خيرية دينية مقارنة بـ (13) مسجدًا كانت موجودة عام 1963، كذلك يوجد (1400) جمعية إسلامية.

ويتميز المسلمون في بريطانيا بأنهم أكثر امتلاكًا للعنصر الشبابي من البريطانيين أنفسهم، لارتفاع نسبة الخصوبة بين المسلمين، ومعدل المواليد المرتفع نسبيًا، ويبلغ نسبة المسلمين بريطانيي المولد حوالي 55% من مجموع المسلمين، إضافة إلى وجود سياسي في مجلس العموم واللوردات وعلى مستوى البلديات كذلك يوجد حزب إسلامي.

ويعد مفهوم الجنسية في بريطانيا محدود القدرة كوسيلة لتحقيق الاندماج في المجتمع لجميع حاملي الجنسية؛ فحمل الجواز لا يعني الحصول على الشعور الكامل بالمواطنة؛ إذ لا تعد الجنسية البريطانية بمثابة مفهوم متجانس التكوين؛ فالدولة البريطانية متعددة القوميات والأعراق فهناك الأسكتلدنيون والأيرلنديون، وسكان ويلز، وغيرهم وهؤلاء يشكلون الأمة الإنجليزية.

ومن ثم فإن القانون البريطاني ينظر إلى الجماعات العرقية المختلفة نظرة إيجابية، ويسمح لها بقدر من التمايز؛ فالعرق في بريطانيا يشير إلى وضع قانوني وليس إلى شيء مذموم، وفي ظل الحرية المسموحة للتعبير عن الهوية السياسية للقوميات استطاع المسلمون أن يعبروا عن أنفسهم في النظام السياسي، وذلك لاكتساب وضعية محلية موازية للوضعية التي تحظى بها القوميات الأخرى، ومن ثم فإن مسلمي بريطانيا في طور تشكيل أمة محتملة تحت حماية مفهوم المواطنة نفسه والذي يحتوي في داخله كل الوافدين الجدد تحت مسمى العرق أو الدين أو كليهما معًا.

وقد سعى مسلمو بريطانيا لإبراز هويتهم الدينية والثقافية من خلال آليات متعددة منها التدخل في العملية التعليمية من أجل فرض ما يجب تعليمه لأطفال المسلمين، وتشكيل جماعات ضغط من المسلمين في الانتخابات البلدية والتشريعية تهدف لوضع مصالح المسلمين في الحسبان، وفتح قنوات للحوار مع الحكومة لتحقيق حمايتهم من الهجمات العنصرية، والاعتراف بالزواج الشرعي الإسلامي أمام المحاكم البريطانية، إلا أن الحكومة ما زالت تكتفي بالحديث عن تراث الإسلام وجدية المسلمين في العمل.

فرنسا

فرنسا من الدول التي تضم أكبر جالية إسلامية على أراضيها؛ إذ يبلغ عدد المسلمين بها حوالي ستة ملايين لديهم (1300) مسجد، وحوالي (600) جمعية، وإذاعات محلية إضافة إلى وجود أكثر من (100) ألف مسلم من أصل فرنسي. ونشرت مجلة "لوموند" الشهيرة تعليقًا على ظاهرة إسلام الفرنسيين بعد إسلام "بييربونارد" رئيس الغرفة التجارية في باريس أن معتنقي الإسلام في فرناس سيشكلون النموذج المرتقب لما سيكون عليه مستقبل الإسلام في فرنسا.

وتشير الإحصاءات أن 40% من الجاليات المغربية يحصلون سنويًّا على الجنسية الفرنسية، في حين يفوق الذين هم دون سن الرابعة عشرة من هذه الجالية 40%، وذلك يعني أن مستقبل المواطنة الفرنسية لذوي الأصول الإسلامية واعد، والمعروف أن الدستور الفرنسي لا يسمح للحكومة بالتدخل في شئون الطوائف الدينية لعلمانية الدولة، كما لا يتيح للدولة الفرنسية التدخل لمساعدة الأديان أو الإشراف على مؤسساتها.

ويوجد ارتباك ملحوظ في سياسية الدولة الفرنسية تجاه المسلمين بالنسبة لقضية الاندماج، ووجود افتقار لسياسات واضحة لإدماج المهاجرين؛ لذلك احتلت قضية المهاجرين حيزًا كبيرًا في الانتخابات الرئاسية في فرنسا، وكان السبب في صعود اليمين المتطرف بزعامة جان لوبن بسبب تعهده بالحد من الهجرة الأجنبية لفرنسا، حيث أوضحت صناديق الاقتراع حجم كراهية الأجانب من جانب قطاع كبير من الشعب الفرنسي، لهذا بدأت الحكومة تنتهج سياسة جديدة للحد من الكراهية للأجانب تجسدت في إعلانات تلفزيونية تظهر ضرورة السماحة مع الملونين، وتنتهي هذه الإعلانات بعبارة "بدون عنصرية فرنسا أفضل".

كما قامت الحكومة الفرنسية بمساعدة المهاجرين على الاندماج في المجتمع وأنشأت وزارة خاصة بالتنمية المستديمة والاندماج، وعينت وزيرة من أصل جزائري على رأسها هي تقية صيفي، من مهامها مساعدة المهاجرين على الاندماج، كما قامت الداخلية الفرنسية بعقد لقاءات مع مسئولي منظمات وهيئات إسلامية في فرنسا تمهيدًا لتشكيل مجلس تمثيلي لمسلمي فرنسا يمثل المسلمين لدى السلطات العامة.

وعمومًا فمن المنتظر أن تزداد مشكلة إدماج المهاجرين خاصة المسلمين في الاتحاد الأوروبي بعد انضمام 10 دول إلى الاتحاد عام 2004 ليتحول إلى رقعة جغرافية ضخمة تضم (25) دولة ونحو (600) مليون نسمة لا تفصل بينها حدود سياسية، ولعل ذلك كان دافعًا هامًا في رفض الاتحاد انضمام تركيا ذات السبعين مليون مسلم إلى كيانه الكبير.


** كاتب مصري

 

عودة



دعوة للتأمل | زاد المسير  | قضايا معاصرة |  التواصل فن | تجارب دعوية | خدمات دعويةلقطة وفكرة

 

 

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع