|
"كان
الاستشهادي عندنا قبل رمضان يحتاج
إلى إعداد روحاني قبل إقباله على
تنفيذ العملية الاستشهادية؛ فكان
يقوم الليل، ويقرأ القرآن، وينطلق
إلى مقاتلة أعدائه وهو صائم حتى إذا
كتب الله له الشهادة أفطر على مائدة
رحمانية سماوية.. فإذا برمضان اليوم
يُعِدّ كل الشعب الفلسطيني -باختلاف
منابتهم السياسية ومشاربهم الحزبية-
للتنافس في مقاتلة أعداء الله
ورسوله، وليس أدل على ذلك من عمليتي
الخليل والقدس النوعيتين الأخيرتين"..
هذا ما قاله عضو الجناح العسكري لحركة
المقاومة الإسلامية حماس "أبو حمزة".
ورغم
شدتهم على أعدائهم فهم من الليونة
بحيث يجيدون التأقلم مع متغيرات
الأوضاع كيفما كانت.. فحين تضيق الأرض
عليهم بما رحبت -بفعل الحصار ومنع
التجول- يجدون متسعًا في الفضاء
للتواصل فيما بينهم.
ينظرون
للاعتقال على أنه خلوة مع الله عز
وجل؛ فتنشط "كرات العجين" "والكبسولات"
"والمحمول" في نقل البرامج
الدعوية. بينما تحولت بيوتهم إلى
مساجد يُذكر فيها اسم الله، وسجون
أعدائهم إلى مدارس لتحفيظ القرآن
الكريم.
مصائبهم
متنوعة؛ فمنهم: المعتقل والمحاصر،
الفقير والمحتاج، الجريح والمصاب،
ولكن تجمعهم عائلة واحدة كبيرة
متراصة البنيان اسمها الشعب
الفلسطيني.
حين
يجن ليل الفلسطينيين
حين
يجن الليل في الحارة الشمالية من
مدينة طولكرم، ويرخي سدوله في ظل منع
التجول المفروض على المدينة تتراءى
لك في هذا الحي كثير المداخل -وتحديدًا
عند صلاة العشاء- من بعيد أشكال تشق
الظلام باتجاه مسجد "يونس"
يحسبها الجاهل أشباحا، ثم تسمع إذا ما
أنصتَّ جيدًا كلمات متناثرة بالكاد
إذا جمعتها تكون جملة مفيدة منها
مثلاً: ذهبوا.. احذروا.. هذا صوتهم..
انتظروا.. أمان.. كأنها شفرة متعارفة
بينهم.
ثم
تلج "الأشباح" إلى داخل المسجد
من الخلف وليس من مدخله الرئيسي،
وتلبث ساعة، ثم تخرج؛ فتعود الأصوات
المبعثرة هنا وهناك سيرتها الأولى
حتى تختفي وتختفي معها "الأشباح"
بعد دقائق ليعود صمت الليل السليب
إليه.
لتكتشف
عند الصباح أن "الأشباح" ليست
"بالأشباح"، وإنما هم رجال الحي
ونساؤه ذهبوا لأداء صلاة التراويح
رغم الحصار ومنع التجول، وما الأصوات
التي سمعتها بالأمس إلا أصوات أهل
الحي يراقبون حركة الجيش في الحي
ليتسللوا إلى المسجد من باب خلفي
افتتحوه حديثًا لهذا الغرض؛ لأن
المدخل الرئيسي يطل على الشارع الذي
تمر منه دبابات ومجنزرات الاحتلال،
وكأن آلة الزمان تعود بك إلى بيت
الأرقم بن أبي الأرقم والصحابة -رضوان
الله عليهم جميعًا- يراقبون مداخله
ومخارجه ليجتمعوا إلى رسول الله صلى
الله عليه وسلم فيه، ويتدارسون كتاب
الله، ثم ينفضون قبيل الفجر في ظلمة
الليل الحالك حتى لا يراهم كفار مكة.
مصائب
متعددة وشعب واحد
رمضان
فلسطين مختلف.. حيث لا تقتصر موائد
الرحمن على الفقراء والمساكين، بل
تتعدى ذلك إلى أهالي الشهداء
والمعتقلين. وتؤدي وظيفتين: الأولى
تكافلية والثانية دعوية ليشعر
الأهالي بأن الكل يتضامن معهم، وتزيد
التعارف فيما بينهم. في محاضرات تسبق
الإفطارات وترسخ القيم الرمضانية.
تقول
أم بكر زوجة الشهيد جمال منصور وبنبرة
حزينة: "على الرغم من الفراغ الذي
خلفه غياب أبو بكر رحمه الله برحيله
عنا نشعر في هذه الأيام المباركة أن
كل الشعب الفلسطيني هو أبو بكر، وأننا
جزء لا يتجزأ من العائلة الفلسطينية
الكبيرة؛ فالكل يسأل عنا وعن
احتياجاتنا حتى أولئك الذين شغلتهم
أمورهم عنا نحن عائلات الشهداء
والمعتقلين. وتضيف بهدوء ودمعة حارة
تسيل على محياها: على موائد الرحمن
لعائلات الشهداء والمعتقلين يواسي
أبناء الشعب الفلسطيني بعضهم البعض،
وتتوثق العلاقات فيما بين الناس؛
فالمصائب متعددة والشعب واحد.
البيوت
تتحول لمراكز دعوية
وفي
غمرة بحث الفلسطينيين عن أساليب
جديدة للدعوة إلى الله بعد أن أصبح
الذهاب إلى المساجد محفوفًا بالمخاطر
تحولت البيوت إلى مراكز دعوية،
ومدارس لتحفيظ القرآن الكريم لتفي
بحاجات الناس الدينية والدعوية.
الداعية
ناريمان طلوزة من طولكرم حولت بيتها
مؤخرًا إلى مركز لتحفيظ القرآن بعد أن
كانت تقوم بذلك في مساجد المدينة،
تقول: "أقوم بإعطاء الدروس الدينية
وتحفيظ القرآن الكريم للفتيات في
الحي في بيتي؛ وذلك للحفاظ على
التواصل مع الفتيات، والحمد لله هناك
إقبال على الدروس؛ مما يعني نجاحنا في
التأقلم مع الأوضاع الجديدة الناتجة
عن الاحتلال.
وتضيف
طلوزة بأنها توازن بين واجباتها
الدعوية والبيتية بتنظيم أوقاتها
بشكل دقيق؛ فهي تقوم بالتدريس
والتحفيظ قبل صلاة العصر لتتفرغ
بعدها لإعداد الإفطار لأهل بيتها.
الأرض
تضيق بهم.. والفضاء يتسع لهم
الدكتور
ناصر الدين الشاعر -أستاذ الفقه
المقارن في جامعة النجاح الوطنية
بنابلس-يؤكد بثقة عالية أن
الفلسطينيين هم من أكثر الشعوب في
الأرض قاطبة إيمانا بمعادلة "بالعلم
والإيمان تتحرر الأوطان"، فسخروا
العلم والتطور التكنولوجي لخدمة
أغراضهم الإيمانية؛ إذ نجحوا رغم
حصار أرضهم وتقطيع أوصالها بالحواجز
العسكرية الاحتلالية والسواتر
الترابية، وإغلاق بيوت الله، ومنع
الأذان، وفرض منع التجول في قراهم
ومدنهم بالالتقاء ببعضهم البعض في
الفضاء عبر شبكة المعلومات العالمية
"الإنترنت".
ويضيف:
يقولون "رُب ضارة بنافعة"،
وأعتقد أنه من أهم انعكاسات
الانتفاضة الإيجابية على الأساليب
الدعوية في فلسطين هو اعتماد "الإنترنت"
والبريد الإلكتروني كوسيلة أساسية في
الدعوة إلى الله، وهي أحدث ما توصل
إليه العلم من وسائل اتصال.
فسدّت
المواقع الدعوية الفراغ الناتج عن
غياب المجلات والنشرات المطبوعة،
وحلّت غرف الحوارات مكان الندوات
والمحاضرات، وحتى المسابقات
الرمضانية أصبحت تنزل على الشبكة
العالمية، فيما تنشط مجموعات "إنترنت"
دعوية أخرى بإرسال رسائل إلى أكبر قدر
ممكن من الناس تذكرهم بأيام الله بطرق
شائقة وأساليب ممتعة.
يقول
الشاب "عبد الرحمن" من الخليل من
جامعة البولوتكنك، وهو أحد مؤسسي هذه
المجموعات الدعوية: لقد نشطت
المجموعة في رمضان كثيرًا، وقمنا
بإرسال مئات الرسائل إلى آلاف
الأشخاص عبر البريد الإلكتروني حول
أنجع الطرق لاستثمار الشهر الفضيل،
وأحكام الصيام، وحول أهمية التكافل
والتعاضد فيما بين الناس في ظل الظروف
الاقتصادية والأمنية السيئة التي يمر
بها شعبنا الفلسطيني، معتمدين
الأسلوب القصير وغير المباشر لما له
من أثر إيجابي في نفوس الناس، وبالطبع
بطرق عرض شائقة بالصورة والصوت
والألوان مما تتيحها لنا إمكانيات
الحاسوب.
ويؤكد
عبد الرحمن أن أهم إنجاز حققوه
وساعدتهم ظروف الانتفاضة عليه هو
تحول الفلسطينيين إلى الاستعمال
الإيجابي للحاسوب والإنترنت، وبذلك
يكون الفلسطينيون في طليعة الشعوب
العربية التي تظهر الإحصائيات بين
الفينة والأخرى أن استخدام أبنائها
للإنترنت هو سلبي ولأغراض التعارف
والتسلية "الشات"، والاطلاع على
المواقع غير الأخلاقية وبخاصة لدى
الشباب.
"كرة
عجين".. "كبسولة".. "خلوي"
ويؤكد
الأسير "ربيع" من سجن مجدو خلال
اتصاله معه بالخلوي "أن الشعب
الفلسطيني أثبت أنه الأقدر من بين
الشعوب على التكييف مع التغييرات
والظروف بحلوها ومرها، وبأنه قادر
على إنتاج الوسائل الكفيلة بذلك،
وبخاصة في علاقته مع الله عز وجل،
وبالذات في شهر رمضان المبارك.
ويضيف
قائلاً: "نظرتنا نحن أسرى الحرية في
سجون الاحتلال الصهيونية للسجن ليست
كباقي الأسرى في العالم؛ ففي حين هم
ينظرون إليه نظرة سلبية تشاؤمية
مطلقة ننظر إليه نحن رغم قسوته
ومرارته على أنه خلوة مع الله تعالى
تتوثق فيه العلاقة معه سبحانه وتعالى
إلى أبعد الحدود، ومحطة إيمانية على
درب النضال نتزود منها بالإيمان
والتقوى؛ لتعيننا على مواصلة الدرب
حتى النهاية".
ويشير
ربيع بحماسة إلى أنه في شهر رمضان
تكثر النشاطات الدعوية داخل سجون
الاحتلال والبرامج الروحية
التعبدية، بالإضافة إلى المسابقات
الرمضانية بحيث تتحول ظلمة السجون
إلى طاقة نورانية؛ فهذا يقرأ القرآن،
وذاك يستمع إلى درس ذكر، وهؤلاء
يقومون الليل، وأولئك يتدارسون كتاب
الله فيما بينهم، فيما تكثر طلبات
الزيارات بين الأقسام ودعوات الإفطار
الجماعي؛ لتذيب الفوارق الحزبية
والحركية وترسخ الوحدة الوطنية.
وسرعان
ما يضحك ربيع قائلاً: لكن الطريف يا
أختي.. في السجن تصبح "كرة العجين"
و"الكبسولة" و"الخلوي"
وسائل مهمة للدعوة إلى الله بحيث نضطر
لوضع الرسائل داخل كرات من العجين،
ونلقي بها إلى الأقسام الأخرى
ليعرفوا البرنامج الدعوي أو نستعمل
"الكبسولة"، وهي عبارة عن رسالة
مكتوبة على الورق الناعم وملفوفة على
شكل "كبسولة" صغيرة تغلف
بالنايلون وننقلها أو داخل الخبز أو
داخل أمعائنا بغرض إعلام الأسرى
بخطواتنا النضالية ضد إدارة السجون،
ونلجأ أخيرًا إلى الخلوي المهرب في
حال توفره، مع الحذر من أن يكون
مراقبًا للاتصال بالعالم الخارجي
لمتابعة الأمور الدعوية في الضفة
والقطاع، بالإضافة لمهمات أخرى.
ويختم
ربيع بالقول: إنه خلال السنوات العشر
الأخيرة تخرج 600 حافظ لكتاب الله
العزيز من سجن مجدو بمعدل 60 حافظًا
سنويًّا يتم تخريجهم في ليلة القدر في
شهر رمضان.
نحن
نُعدّ شبابًا.. ورمضان يُعدّ الشعب
يقول
"أبو حمزة" من كتائب القسَّام
الجناح العسكري لحركة المقاومة
الإسلامية "حماس": ربما تكون
المقاومة الفلسطينية أعظم أسلوب دعوي
عملي في فلسطين، وبخاصة في ظل
الاحتلال الصهيوني لها واستمرار
انتفاضة الأقصى المباركة، وبالذات في
شهر رمضان الفضيل شهر انتصارات
المسلمين، حين تتجرد الأرواح للعبادة..
للصيام والقيام وقراءة القرآن؛ لتصبح
أكثر قابلية لمقاومة الباطل ودحره،
وأي باطل أعظم من تدنيس اليهود لبيت
المقدس.
وأضاف
أبو حمزة: "كان الاستشهادي عندنا
قبل رمضان يحتاج إلى إعداد روحاني قبل
إقباله على تنفيذ العملية
الاستشهادية؛ فكان يقوم الليل، ويقرأ
القرآن، وينطلق إلى مقاتلة أعدائه
وهو صائم، حتى إذا كتب الله له
الشهادة أفطر على مائدة رحمانية
سماوية. فإذا برمضان اليوم يُعِدّ كل
الفلسطينيين -كبيرهم وصغيرهم ذكرهم
وأنثاهم- للتنافس في مقاتلة أعداء
الله ورسوله، وليس أدل على ذلك من
عمليتي الخليل
والقدس النوعيتين الأخيرتين".
ربما
في رمضان القادم
ويبقى
الحديث عن فلسطين وعدم التطرق للأقصى
الحزين كالطعام بلا ملح، الذي فرح
بعماره الكثير في هذا الشهر الفضيل،
واستقبلت ساحاته آلاف الفقراء
والمساكين في موائد رمضانية، ولكن
لسان حاله يسأل العرب والمسلمين كلما
مر عليه رمضان -شهر انتصارات المسلمين-
متى سأتحرر من قيودي.. فلا مجيب.. ربما
في رمضان القادم.
صحفية فلسطينية
|