إسلام أون لاين/دعوة ودعاة
 
بريدك الإلكتروني
الصفحة الرئيسة  | دعوة ودعاة   
 

بحث        |  بحث متقدم  |  لوحة المفاتيح العربية

الإعلام.. والدعوة.. في رمضان

د. شعيب الغباشي ** - 29/09/2005م

في كل عام يهل علينا هلال رمضان، هلال الخير والإحسان، ويعمل الناس فيه كل على شاكلته، ويخرج الناس منه ما بين رابح وخاسر وفائز وراسب، ويتمنى الجميع أن لو استفادوا أكثر من رمضان، واستزادوا خيرًا في هذا الشهر الكرم، ونرى الجميع قد تسابق بالاستعداد لدخول هذا الموسم الشهير؛ فأهل الفن يعدون عدتهم بالغث والسمين من الأعمال طوال العام، والتجار تراهم يتجولون بين الأقطار والبلدان لاستجلاب ما يتاجرون فيه، ووسائل الإعلام المختلفة تقوم بإعداد البرامج وتسجيل الحلقات وتجهيز المسابقات وغيرها من الأعمال من كل المناحي والأنحاء. ونرى هذه الوسائل تهتم بالمسائل المنزلية أكثر من اهتمامها بالتربية الدينية، وتهتم بأخبار المشركين والكافرين أكثر من اهتمامها بأخبار المسلمين والمستضعفين، وتهتم بالترويج للسلع والمنتجات أكثر من اهتمامها بالترويج للإيمانيات والروحانيات، وتراها تهدم أكثر مما تبني وتفسد أكثر مما تصلح وتخرب أكثر مما تعمر.

ولو أن القائمين على أمر وسائل الإعلام في بلاد المسلمين يريدون لأمتهم الخير، لعلموا أن نفوس الجماهير المسلمة تكون في رمضان أكثر من أي شهر آخر، أكثر صفاء وبريقًا وإقبالاً على الله، فاستغلوا هذه الحالة، ووظفوا هذه الوسائل الإعلامية، لرعايتها وتزكيتها وترشيدها وتنميتها، لكان المردود من ذلك خيرا كبيرا يعود نفعه على البلاد والعباد كافة.

سؤال وجواب

والسؤال الذي يجب طرحه الآن: كيف نُفعِّل وسائل الإعلام عامة والإعلام الإسلامي خاصة لتقوم بدورها الدعوي المطلوب في هذا الشهر الكريم؟ وللإجابة عن هذا التساؤل نقول: إن وسائل الإعلام المختلفة داخل المجتمع المسلم لا بد أولاً أن تدرك حقيقة الواقع الذي تعمل فيه؛ لأن الإعلام في أبسط معانيه وأشهرها هو: "التعبير الموضوعي لعقلية الجماهير ولروحها وميولها واتجاهاتها في الوقت نفسه"، ويقول الأستاذ عمر عبيد حسنة: إن دراسة المجتمعات، وفهم واقعها وتاريخها وثقافتها ومعادلاتها الاجتماعية هو الذي يوضح لنا كيفيات وآليات التعامل معها، ومواصفات خطابها، والفقه الذي يمكننا من التدرج في الأخذ بيدها إلى تقويم سلوكها بشرع الله.

فإذا كانت وسائل الإعلام جادة في البحث عن آليات ووسائل التجديد والتطوير والتغيير، فلا بد لها من فهم ودراسة الواقع الذي تتحرك من خلاله حتى تضع كل شيء موضعه ونصابه، وتخاطب كل فئة من فئات المجتمع بالمستوى المناسب لها.

ومن المعلوم أن كل فئات المسلمين خلال شهر رمضان تكون أكثر استعدادا لقبول الحق وأشد تلهفًا لسماع النصيحة وأقوى عزيمة لتنفيذ الأوامر والتوجيهات الربانية، ولا شك أن هذا المناخ الإيماني وهذا الجو الروحاني وذلك الاستعداد الفطري لجموع المسلمين عامة وللمتدينين منهم خاصة يوجب على وسائل الإعلام مسئولية كبيرة تجاه هذه الجماهير المسلمة.

فعلى الإعلام أن يكون على مستوى المسئولين ويقدر الموقف حق قدره، فيعمل جاهدًا على تجديد الإيمان في النفوس، وتشجيع الجماهير على الإقبال على الطاعة والعبادة، ودعوتهم إلى التمسك بالقيم العالية وبالأخلاق الفاضلة، وأن يكونوا إخوة متحابين، متعاونين متماسكين، وأن يعيش المجتمع صور التكافل الإسلامي في أسمى صوره وتطبيقاته.

إن وسائل الإعلام تستطيع أن تقوم بدور كبير وتسهم بعمل فاعل في دعوة الناس إلى الخير والعمل به، فيمكنها أن تنتقل بكل مسلم مهما كان حاله ومهما كان موقعه، من حالته التي يكون عليها إلى حالة أفضل وأخير، ومن محيطه الذي يعيشه إلى محيط أنقى وأطهر، ولا شك أن كل وسيلة من وسائل الإعلام تستطيع أن تلعب دورًا لا تستطيع وسيلة أخرى أن تلعبه؛ فالصحافة يمكنها أن تخاطب طبقة المتعلمين والمثقفين لما لهم من قدرة على القراءة، فيمكنها أن تقدم المقالات والتحليلات التي تحمل الفكر والرأي، وتناقش معهم أصعب القضايا وأسخنها، والقارئ يمكنه محاورة الصحيفة والرد عليها والتعليق على ما جاء فيه، فتتسع مساحة الحوار، وتتمحص المفاهيم وتتمخض الآراء ويزداد القارئ قناعة بما قرأه أو تحاور حوله أو تناقش فيه، وهذا من شأنه أن يسهم مساهمة فعالة في تحريك الجماهير نحو الخير والعمل.

وكذلك الإذاعة والتليفزيون فيستطيعان أن يصلا إلى المستمعين والمشاهدين في كل مكان وعلى أية حال، وخاصة تلك الطبقة التي لا تستطيع القراءة والكتابة، فتكون هذه الوسيلة هي أقدر الوسائل الإعلامية وصولاً إليهم وتأثيرًا فيهم، فإذا ما استغلت تلك الحالة التي يكون عليها المتلقي ووظفت توظيفًا دعويًا حسنًا، آتت هذه الوسائل أكلها، وحققت نجاحات إعلامية ودعوية مشهودة، ونحن هنا لن ننقد الوضع القائم الذي عليه الإذاعة والتليفزيون، ولكن نقول: إن هاتين الوسيلتين كان من الممكن في رمضان أن تحققا مجموعة من الأهداف، من الصعب تحقيقها في أي وقت آخر، حيث إن نسبة المشاهدة في رمضان تكون عالية ومكثفة، وعقلية ونفسية المتلقي تكون مهيأة تمامًا لتقبل التوحيد وللاستجابة إلى المؤثرات، ولا شك أن هذا كان يستوجب على الإذاعة والتليفزيون أن يغيرا من خططهما البرامجية الكثير، فبدلاً من إعطاء التسلية والترفيه والإمتاع، هذه المساحة الزمنية الطويلة كان من الممكن تقديم من الأعمال والبرامج ما يصحح بها فكر المسلم وعقله وعقيدته وتقويم السلوكيات والعادات والتقاليد البالية وتقديم النموذج الصالح الذي يعيش في الحياة، ويتفاعل معها أخذًا وعطاءً وبيعًا وشراءً بإيجابية وفاعلية.

علامات مضيئة

وإذا أردنا أن نتحدث عن البرامج التي تقدم للأطفال في الإذاعة والتليفزيون فإن الأمر كان ولا يزال في حاجة إلى تغيير جذري في السياسة المتبعة في اختيار وإذاعة وعرض البرامج، ورمضان مناسبة تتكرر مرة واحدة في العام كان من الممكن استغلاله، وتفاعلاً مع الحالة الإيمانية والوجدانية التي يكون عليها جميع المسلمين أطفالاً وشبابًا ورجالاً وشيوخًا، وأن تقدم للأطفال أعمالاً تحببهم في الصلاة والصيام وتحبب إليهم تلك العبادات، وتشرح لهم بصورة محببة تتناسب مع أعمارهم السنية المختلفة، الأحكام الفقهية، بل تستطيع تلك الوسائل أن تقدم للأطفال النماذج المشرقة من أطفال المسلمين، كعلامات مضيئة في جبين الدهر يمكنهم التأسي والاقتداء بها، والأسماء كثيرة وهناك الكثير من الكتابات في هذا الصدد، مثل: أطفال حول الرسول، وفرسان حول الرسول، وأطفال لكن كبار، وغيرها من الأعمال الأدبية التي يمكن أن تؤلف خصيصًا لهذا الغرض، ولا بأس أن نقدم لهم القدوة والمثل في الجد والاجتهاد والعمل والمثابرة لأطفال من أي قطر من الأقطار أو حضارة من الحضارات، وإلى غير ذلك.  

إعلام المرأة

أما حديثنا عن البرامج التي تقدم للمرأة في رمضان من خلال الواقع المشاهد، فإنه حديث لا يسر، فقد تفننت تلك الوسائل في رمضان في كيفية جذب المرأة إليها من خلال حديثها الطويل عن أشهى المأكولات وألذ الحلويات وأطيب المشويات إلى غير ذلك من صنوف المشروبات، وهذا يعني للوهلة الأولى أن هذه الوسائل تركز اهتماماتها حول الماديات وما يخص البدن والجسد فحسب، أما الجانب القلبي والعقلي والروحي والوجداني فلا يحظى بنصيب يذكر من هذه البرامج!!

وكان الأجدر بهذه الوسائل وغيرها أن تُعنى عناية خاصة في رمضان بالبرامج المقدمة للمرأة والفتاة، فهما في حاجة إلى نوعية خاصة من البرامج تعتمد على إثارة العاطفة، وتحريك القلب نحو القرب من الله والعمل بما يرضيه، وإبراز الدور المنوط بها في المجتمع في أنها صانعة رجال، والرجال هم الذين يضعون الحضارات ويقيمون الدول، فعندما تعرف المرأة واجباتها وتؤدي دورها في المجتمع، فإن هذا الدور لا يقل أهمية وقيمة بحال عن الدور الذي يؤديه الرجل، فالنساء شقائق الرجال.

الإعلام الفضائي والإنترنت

وبطبيعة الحال، فإننا هنا لن نستطيع أن نتكلم تفصيلاً عن كل الوسائل الإعلامية وطريقة تفعيلها خلال هذا الشهر الكريم، ولكن مع هذا كله لا نستطيع أن نغفل الدور الدعوي المهم الذي تؤديه الوسائل الإعلامية الحديثة كالقنوات الفضائية وشبكة المعلومات الدولية "الإنترنت" وما عليها من مواقع إسلامية دعوية تلعب دورًا مهمًا في ترشيد الصحوة الإسلامية وتثقيف القاعدة الشبابية من أبناء الأمة.

وهذه المواقع من خلال تحديثها المستمر، وتغذيتها الدائمة بكل فريد وجديد وإمدادها بالزاد المعلوماتي والثقافي الذي يتناسب مع طبيعة المستخدم وظروفه التي يعيشها، تستطيع أن تلعب دورًا دعويًا مهمًا في رمضان وغير رمضان، وذلك لأن الشرائح الجماهيرية التي تتعاطى تلك المواقع في حاجة إلى مضمون ورسائل وموضوعات متجددة غير متكررة، وأفكار جريئة غير مترددة، فإن التكرار في الأعمال والتردد في المواقف والأفكار يفقد أي وسيلة قدرتها على التواصل والتفاعل والتأثير والتغيير.

ونعود فنقول: إن وسائل الإعلام إذا ما تعرفت على الواقع وحددت نوع الخطاب المستخدم مع كل فئة من فئات الجماهير، كان عليها بعد ذلك أن تقوم بتحديد الأهداف التي تسعى نحو تحقيقها، وأن تتسلح بسلاح فقه الأولويات عند قيامها بعرض البرامج واختيار الموضوعات ورسم الخطط والسياسات، فلكل مقام مقال، ولكل حادثة حديث، فما دام لدينا القائم بالاتصال الذي يتصف بالإخلاص والتجرد والالتزام إلى جانب التخصص والمهارة والإتقان، مع التحلي والتسلح بأسلحة العصر من امتلاك ناصية اللغة، عربية كانت أم أجنبية، وأحدث التقنيات الإعلامية، فإننا سوف نحقق الكثير من مستهدفاتنا –بإذن الله- على المدى القريب والبعيد على السواء.

الإعلام الدعوي

وبعد: ففي ضوء هذه الحقائق، تتضح لنا أهم المعالم التي يمكن أن يقوم عليها منهج الإعلام الدعوي، والتي يمكن إجمالها فيما يلي:

1 - أن التعريف الصحيح بالإسلام عقيدة وشريعة ونظاما كاملا شاملا يحقق الخير للجميع إذا التزموا بمعطياته وتمسكوا بقيمه ومبادئه.

2- ترسيخ وتوضيح القيم الإسلامية البناءة التي يؤكد عليها الإسلام، لتنمية المجتمع والارتقاء بأفراده في كل مكان وزمان.

3- تأكيد المبادئ النبيلة التي يحث عليها الإسلام لتحقيق العدل والتكافل والخير للجميع.

4- التعريف بأحوال المسلمين وتذكيرهم بمشاكل إخوانهم والتحديات التي تواجههم، واقتراح الوسائل المناسبة لمساعدتهم.

5- إبراز الجوانب الإيجابية في الدول الإسلامية وعدم الخضوع لسيطرة الإعلام الغربي لتصحيح الاختلال الكمي والكيفي الذي يمارسه هذا الإعلام في تناوله لقضايا الأمة وتاريخها وحضارتها.

6- التعريف بالشخصيات الإسلامية التي أسهمت في صنع التقدم والتطور في مختلف المجالات.

7- تفنيد الدعايات الكاذبة والافتراءات المغرضة التي يشنها أعداء الإسلام وخصومه والتي تتم من خلال الأعمال الأدبية والفنية التي تصور المسلمين بشكل لا يتفق مع واقعهم، وتعرض الإسلام بشكل لا يتفق مع حقيقته خدمة للمخططات الصهيونية والإلحادية والاستعمارية.

8- تصحيح الصورة الذهنية الخاطئة التي تكونت عند بعض الشعوب والجماعات عن الإسلام والمسلمين، عن طريق تقديم الواقع الحقيقي للسلوك الإسلامي الصحيح وشرح أبعاد الفكر الإسلامي بصورة موضوعية.

9- توعية المسلمين في بلاد العالم المختلفة بدورهم في تصحيح صورة الإسلام في غير ديار الإسلام، والتصدي للدعايات المغرضة وتصحيح المفاهيم الباطلة التي يحاول أعداء الإسلام الترويج لها.

10- حث المسلمين في بلاد العالم المختلفة على أن يتمسكوا بدينهم ويعملوا بتعاليمه السمحة وشريعته الغراء وقيمه النبيلة، حتى يكونوا صورة حية للإسلام الذي يدعون الناس إليه.

الحرية الإعلامية

وأخيرًا وليس آخرًا.. فإن هذه السياسات وتلك الأهداف لا يمكن أن تحققها وسائل الإعلام إلا إذا أخذت حريتها كاملة في التعبير عن الرأي من غير تدخل من جهة من الجهات أو سلطة من السلطات، وبغير هذه الحرية التي ينبغي أن نكفلها لوسائل الإعلام كي تؤدي دورها كما ينبغي لا يمكن لهذه الوسائل أن تنجح في أداء رسالتها مهما وفرنا لها الكثير والحديث من الماديات والتقنيات.

وبجانب هذه الحرية المطلوبة هناك أيضًا مسألة التكامل والتنسيق بين وسائل الإعلام والاتصال المختلفة، ينبغي أن تأخذ حقها أيضًا من الانتباه والاهتمام، بل يجب أن تتناغم وتتوافق جميعها لكي تؤدي كل واحدة منها المسئولية المنوطة بها في المرحلة التي تناسبها، فلا يمكن الاستغناء بالوسائل الإلكترونية الحديثة عن الوسائل التقليدية القديمة فلكل منها دور محدد ومجال معين ووقت معلوم، فإذا كان الاتصال المواجهي Face to Face Communication أكثر قدرة على الاستمالة والإقناع، فإن الاتصال الجماهيري Mass Communication أكثر قدرة على التبليغ والانتشار.

اقرأ أيضًا:-


** مدرس بكلية الإعلام جامعة الأزهر

عودة



دعوة للتأمل | زاد المسير  | قضايا معاصرة |  التواصل فن | تجارب دعوية | خدمات دعويةلقطة وفكرة

 

 

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع