إسلام أون لاين/دعوة ودعاة
 
بريدك الإلكتروني
الصفحة الرئيسة  | دعوة ودعاة   
 

بحث        |  بحث متقدم  |  لوحة المفاتيح العربية

الوقف.. نبع الخير الدائم

صبري مرسي فتح الله - 04/11/2002م

  ما زال البعض يعتقد أن الدعوة هي –فقط- خطبة تلقى على منبر، أو درس يعقد بين المغرب والعشاء، أو كلمة تقال في مجلس. وهذا كله إن كان جزءًا من الدعوة فليس هو كل الدعوة، فدعوة النبي صلى الله عليه وسلم كانت في قوله، وفعله، وحربه، وسلمه، حتى في سلوكه مع أهله.

والدعوة بهذا المفهوم الأصيل لا بد أن تسعى لاستيعاب متطلبات العصر، وفهم الأجواء المحيطة؛ لأن النجاح والنصر لا يأتي من فراغ، وغالبًا ما يكون انتصار الباطل ناتجًا عن تقاعس أهل الحق عن دعوتهم.

إن من أهم العقبات التي تقف في طريق الدعوة: قلة الموارد، وضيق سبل الإنفاق على المشاريع الدعوية. والحل في نظري للتغلب على هذه العقبة نابع من حضارتنا ومن تاريخنا، وهو العودة لنظام الأوقاف، فبهذا النظام يتم تأمين الموارد المالية التي يمكن من خلالها تغطية نفقات المشروعات الدعوية، بالإضافة إلى إيجاد الاستقلال النسبي.

ومنذ سنوات قليلة بدأت قضية الوقف الإسلامي تنشط وتعود إلى الساحة مرة أخرى، وبدأت رغبة وتطلع أهل الخير للوقف من أموالهم على الجهات التي يعتقدون أنها الأَوْلى في الإنفاق عليها، والأكثر نفعًا على المدى البعيد، إدراكًا منهم للدور الحيوي الذي يمكن للوقف أن ينهض به من إيجاد مصادر تمويل ثابتة ومستقرة للعمل الدعوي بمختلف صوره، بعد أن تراجع دورها، حينما شاع القول بأن مال الأوقاف كالمال السائب، نظرًا لظروف سياسية لا مجال للخوض فيها الآن.

ماذا يعني الوقف؟

الوقف في اللغة: الحبس. وفي اصطلاح الفقهاء: حبس مال يمكن الانتفاع به مع بقاء عينه، بقطع التصرف في رقبته. ويقصد بقطع التصرف أنه لا يجوز للواقف، أو لناظر الوقف بيعه، أو هبته، كما أنه لا يورَّث عن الواقف.

دور الوقف في الدعوة:

كانت للوقف منافع لا تعد ولا تحصى، فقد شملت أوقاف المسلمين جوانب كثيرة من مرافق الحياة (اجتماعية، تعليمية، طبية...) فما تركوا حاجة من حاجات الأمة إلا وحبسوا لها أموالاً، اشترك في ذلك السيد والمسود.

الأوقاف اليوم:

قد يقول واحد من الناس: إن الأوقاف الآن أصبحت تابعة لوزارة مستقلة، وهذا يعطيها الفرصة للعمل بشكل أفضل، نقول: نعم، إذا أعطيت نوعًا من الاستقلالية؛ ولكن هذا لم يحدث، منذ أن سيطر محمد علي باشا على الأوقاف التابعة للأزهر وضمها للدولة، حيث كان غرضه من ذلك إخضاع المشايخ وعلماء الدين.

إن الهدف من استيلاء الدولة على أوقاف المسلمين الخيرية -على حد قول الدكتور محمد البهي يرحمه الله- ضياع معالمها مستقبلاً، فإذا ضاعت هذه المعالم -حجج الوقفيات وشروط الواقفين- وطُلب من الدولة أن تزيد في الإنفاق على الدعوة أو تستمر في المستوى الجاري للإنفاق عليها كان لها أن تدعي أنها تنفق أكثر مما للدعوة في إيراداتها، على أنه من جانب آخر، بتمييع الأوقاف الخيرية، وجعل مصادرها مبعثرة بين أملاك الدولة، تسهم الدولة في تحقيق معنى العلمانية، وإبعاد ظل الدين عن أن يكون له أثر في التمييز بين فرد وآخر، إذ يمكن الآن بعد استيلاء الدولة على الأوقاف الخيرية أن توزع دخلها على المسلمين وغيرهم، دون أن يكون هناك فارق طائفي.

ولقد بدأت بعض البلاد العربية بالفعل في العودة لنظام لأوقاف بشكل أفضل عن ذي قبل، ونأمل عودة الأوقاف لسابق عهدها واستقلالها.

توجهات عملية لتفعيل نظام الوقف ومؤسساته:

أعرض هنا خطة مقترحة للتنفيذ، لضمان استمرار مثل هذه المؤسسات، وهي منفَّذة بالفعل في بعض البلاد، وإنما المقصود هو امتدادها وانتشارها على نطاق أوسع، فلا بد أن نسير في خطين متوازيين: الأول الحث على أعمال الخير، وتنمية أموال الأوقاف، بحيث يتحقق أعلى معدل للربح، والثاني هو كيفية نفع المجتمع من هذه الأموال التي أوقفها المسلمون لأعمال الخير.

الأول - الحث على أعمال الخير، وتنمية أموال الأوقاف:

وبذلك بعمل الآتي:

1- حملة إعلانية مكثفة ومدروسة في وسائل الإعلام المختلفة، تحت إشراف علماء الدين المتخصصين في هذا الجانب، تحث الأفراد على الوقف، وعمل لقاءات تلفزيونية وإذاعية لغرس فعل الخير والتشجيع على الوقف بأسلوب راقٍ ومتميز وواضح الأهداف.

2- عمل دراسات واقعية للحالة المعاصرة، تتضمن إحصائيات للواقع الحالي لأموال الأوقاف.

3- التركيز على فكرة الأسهم، وهي أن يشترك الشخص بسهم أو أكثر حسب إمكاناته، ويقدر السهم بمبلغ ضئيل، وبذلك تزداد قيمة الاشتراكات، وهي فكرة معمول بها في كثير من الجمعيات الخيرية، ولها ثمار طيبة.

4- تنمية واستثمار واردات الأوقاف، بما يتفق مع تعاليم شريعتنا الإسلامية، وإنفاق عائداتها في أوجه الخير المخصصة لها، وبما يحقق نية الواقفين، ويعيد للوقف بعده ودوره الحضاري، ويزيل الصورة القائمة عن الأوقاف الآن، من جراء ضياع أصولها وسوء استخدام عائداتها.

ثانيًا - كيفية الاستفادة من مال الأوقاف:

1- في ظل الطفرة السريعة لعالم المعلومات والاتصالات لا بد من أن يكون المسلمون في ملاحقة الركب الحضاري إن لم نكن في القمة، فلا بد من الاستفادة التامة من هذه الطفرة العلمية، ويمكن أن تستغل بإنشاء أقمار صناعية تبث من خلالها تعاليم الإسلام الصحيح، وتدار بواسطة علماء المسلمين من جميع البلاد الإسلامية، بحيث لا تخضع لأية ميول وأغراض سياسية.

2- إنشاء مدارس تلتزم بمناهج خاصة ينشر من خلالها الدين الصحيح، وتربي طلابها التربية السليمة.

3- حصر كافة أراضي الأوقاف، ومنع استغلالها إلا فيما أُوقفت له.

4- إنشاء قانون تغلظ فيه العقوبة على كل من يعتدي على أموال الأوقاف، وتكوين لجنة ملزمة بحصر أموال الأوقاف كل عام، ومتابعة المشاريع الوقفية، حتى تنعدم عملية التعدي على الأوقاف.

5- الحد من ظاهرة تحرير أراضي الوقف، ومتابعة تحصيل عوائد الوقفيات.

6 - الاهتمام ببناء المساجد وترميمها وتنظيفها وتحسين أوضاع القائمين عليها.

7 - تبني برامج التوجيه والإرشاد بالحكمة والموعظة الحسنة، والعمل على تعليم الواجبات الدينية وإشاعة روح الحب والتآخي والتعاون في الأمة.

8 - تقديم العون للمؤسسات العلمية والدينية، وتحسين أوضاع القائمين عليها.

9 – إعداد دراسات دورية عن أوضاع المساجد التابعة للأوقاف، للوقوف على حالة مبانيها وتحديد الصيانة اللازمة لها، ومتابعة أعمال الصيانة.

10 – دعم الأسر المحتاجة.

11 – إقامة المراكز المهنية والحرفية الإنتاجية.

12 – شراء وحدة متنقلة للتبرع بالدم تحت إشراف مؤسسة طبية.

13 – كفالة ورعاية المرضى.

14 – مساعدة الفقراء والمحتاجين.

15 – المساهمة في سد احتياجات المنكوبين وضحايا الكوارث.

16 – إحياء رسالة المسجد حتى يعود إلى سابق عهده، مركز هداية وإشعاع.

17 – رفع مستوى أئمة المساجد وتحسين أوضاعهم المالية والمعنوية، والارتقاء بمستواهم الثقافي والعلمي وتأهيلهم للقيام بواجبهم بمهمتهم الجليلة في توعية وتوجيه المجتمع.

18 – إنشاء مساجد جديدة في المناطق والأحياء التي تحتاج لذلك، واعتبار المسجد عنصرًا أساسيًّا وضروريًّا لكل مخطط إسكاني.

19 - دعم الهيئات الخيرية ومراكز التوجيه والدعوة الإسلامية في أمريكا وأوربا وسائر البلدان الأجنبية في بناء المساجد ومرافقها.

وفي النهاية نقول:

لا يكفي أن نهتم بعودة المسلمين إلى تخصيص بعض من فوائض أموالهم، ثم نترك الحبل على الغارب لتجري بها الريح حيثما تشتهي، لا كما تشتهي السفن، بل لا بد من العمل على توفير عناصر التميز والاستمرار والبقاء، حتى تعود مؤسسة الوقف لسابق عهدها مَعْلمًا حضاريًّا بارزًا، استمر أربعة عشر قرنًا، ولكي يحدث ذلك يجب أن يستشعر القائمون على تلك المؤسسات أنها أمانة، مسئولون عنها من قبل الله عز وجل.


** مدرس وداعية مصري 

عودة



دعوة للتأمل | زاد المسير  | قضايا معاصرة |  التواصل فن | تجارب دعوية | خدمات دعويةلقطة وفكرة

 

 

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع