|
إلى
"طالب" الخبز والمسكن والزواج
والشغل والكرامة والاستقرار، إلى
طالب العلم والأمن والسلام، إلى طالب
الحق والعدل، إلى طالب السعادة في
الدنيا والآخرة، إلى طالب الجنة، إلى
طالب القرب من الله: {منكم من يريد
الدنيا ومنكم من يريد الآخرة}.
إليكم
أيها الأعزاء أحمد الله العلي القدير
ربنا العزيز الحكيم. وأصلي وأسلم على
هادي الخلق من الضلال المبين، صلى
الله عليه وعلى آله وصحبه والتابعين
بإحسان إلى يوم الدين.
وأسلم
على الفتيان من أبناء هذه الأمة
المكرمة عند الله، حاملة رسالة
الإسلام خلافة عن رسول الله، وعلى
الكرائم من بناتها.
حاضر
مكفهر وماض من المسؤول عن آثامه؟؟
نريد
تغيير واقع أليم، هل بالقوة والعنف؟
لا يغير العنف إلا المظاهر والهياكل
النخرة، نواجه أجيالا من الناس
وأصنافا، منهم وطنيون مقاومون جاهدوا
العدو المستعمر أو الحاكم الظالم
بحمية وشجاعة. ومناضلون وطنيون لهم
ماض مجيد. وآخرون لا مروءة ولا سابقة
خير.. فهل يُصلح العنف من حال الأمة في
شيء؟ كيف والناس خليط، الناس معمعة
سياسية صاخبة، لا يدرى من أجرم ومن
خان ومن كذب، ومن سيق، ومن انساق... لا
يدرى بعد أن عم النفاق وانباعت الذمم
وتورط الكل. غاطس في الحمأة جان،
وبريء القصد ابتلت ثيابه من رشاش
الفتنة…
الرفض
الانفعالي للحال التي وصلنا إليها،
والتهييج والعنف لن تؤدي إلى بناء
حالة ترضي، العنف يهدم، وقد يخر
البناء الهرم كله على رأس الكل في
فتنة عارمة غاضبة قاتلة مبيدة.
الأبنية
المنخورة الجوف يجيئها الخراب اليوم
أو غدا، وهي سنة الله القدير في أخذ
القرى الظالم أهلها. الشأن: تهيؤ
مستقبل جديد على أسس جديدة، الشأن:
بناء تربوي صادق صابر حتى يصبح
الإسلام كله، الإسلام وحده، مطلب
الأمة وأملها وكلمتها وهدفها الذي
تعمل له، وتبذل، وتصابر وتجاهر
وتجاهد.
ما
هذه خطة تسويف؛ فاللحظة التاريخية
التي تعيشها الأمة يتعين فيها
الاختيار القوي لكي لا تدوسنا تحت
الأقدام القوى الناقمة على وجودنا
المتميز على وجه الأرض.
على
أرضية الإسلام فقط يمكن أن نصمد في
وجه المسخ التطبيعي مع الصهيونية
الغاصبة. طمس الوجود الإسلامي مشغلة
أعدائنا، مشغلة تلتقي عليها المقاصد
الخبيثة التطبيعية الاقتصادية
السياسية، والمغازي الثقافية
التمييعية القاتلة للنخوة والشهامة
والرجولة والرشد فينا.
ينظر
أعداؤنا بعيدا، يطمحون ويطمعون في
غزو أرواحنا من خلال تطويع عقولنا
وتطبيع حياتنا على مهانة الاستسلام،
واقتصادنا على التبعية، وإرادتنا
السياسية على الخنوع…
مادة
الفتوة وقوة الاقتحام:
أنتم
معاشر الطلبة المسلمين والطالبات
المسلمات مادة الفتوة وقوة الاقتحام،
فتسلحوا بالتحصيل العلمي وتحصنوا
بعقيدة التوحيد، وتجندوا للدعوة لكي
لا تسرق منكم الأيدي الآثمة المتآمرة
أجيالا غضة يريدون سوقها لدار الهوان.
كونوا
بعيدي النظر، لا تستنزفوا قواكم، ولا
تضعفوا فتوتكم في عنف رافض وحوار
غامض، انظروا بعيدا فسيأتي يوم قريب
إن شاء الله تتجلى فيه أوهام حاكها
كذب الحكام على رقاب المسلمين، وموهت
بها على الأمة قصائد المداحين؛ ليظهر
الوجه الكالح البشع للفئة المستكبرة
المتمالئة، فئة أقزام الفكر، فئة
الخفافيش المعششة في الظلام.
أنتم
-معشر الطلبة المؤمنين والطالبات-
قادة المستقبل، من كان منكم قناته
صلبة، من كان منكم قوي الشكيمة راسخ
الإيمان، ماضي العزيمة، بعيد النظر،
يعبُر بكيانه المؤمن الصريح الفصيح
زعازع الحاضر، وبأساء الحاضر وبؤس
الحاضر، يعبر مخاضه الواقع الكريه
الموشك على الانفضاح التاريخي، معافى
منتصرا على الآلام الحاضرة التي
يحصدها جيلكم المظلوم، غَلةً بائسة
لما حرثه جيل غربوه وعلموه الانصياع
لسلطان الحضارة المادية الكافرة
الظالمة، فهو اليوم رائد سياسات تقر
بها عيون الطامعين الطامحين في تربية
أجيال يهودية الولاء.
وجوه
كئيبة بما جنت، وبما فرطت في الأمانة،
وما أضاعت من حقوق، فكونوا رعاكم الله
جيل التوبة والفتوة والاقتحام
لاستعادة ما أضيع، وحماية الحمى،
والدفاع عن الحوزة.
أنتم
أيها الطلبة المؤمنون والطالبات،
تحصنوا وحصنوا الناس بعقيدة التوحيد،
تخلقوا بأخلاق المؤمنين والمؤمنات،
كونوا يقظي العقل والقلب وأيقظوا
الناس.
أرسوا
الشعور بمسؤولياتكم على دعائم
الإيمان بالله، والخوف من الله
والصدق مع الله والشوق إلى لقاء الله،
بصفحة ناصعة طاهرة بعد حياة جافت
السفاسف والتفاهات، وعمرها الجهاد في
سبيل الله.
كونوا
أشحاء بوقتكم لا تضيعوه ولا تضيعوا
وقت غيركم في مناقشات ومحادات عقيمة.
التحصيل العلمي جهاد في حد ذاته مهما
بدت الآفاق منسدة.
تعلموا
الانضباط في عمل منظم، فالجهود
المبعثرة ضياع، كفوا عن ترديد خطاب
اليسار المتشنج الجاف العقيم، توقعوا
الاستفزاز من كل الجوانب، واستعدوا
لكل الاحتمالات بالمواقف الثابتة
الحكيمة. تفادوا الصدام مع الطلبة
الصادقين خاصة الإسلاميين. لا توهنوا
قواكم في الصراعات الهامشية بينكم؛
فمسؤولياتكم المستقبلية تُجلكم أن
تبتذلوا أنفسكم في الخصامات الصغيرة.
تحلوا
بالواقعية في مطالبكم وشعاراتكم، لا
توغلوا في المبالغات والأوهام،
التفتوا برعاية وهمة وعمل دائب
لإرشاد التلاميذ من ورائكم.
لا
تتركوا الميدان حتى لا تذبل زهرات
وتنكمش مواهب وتخمد طاقات، ويخطفها
الشيطان.
خياركم
أحباب الله حملة رسالة الإسلام:
لا
مناص لنا من أن ننهج في العالم من
حولنا مع الاحتفاظ بقيمنا وديننا.
الحفاظ على ديننا رأس الأمر كله.
العالم من حولنا هو مجالنا الحيوي، هو
بحر الابتلاء الإلهي للعباد؛ فيه
القوى المناهضة والمنافسة والمعارضة
والمعادية والكائدة…
توجيه
كتاب ربنا وسنة نبينا أن نلتقي
ونتعاون مع ذوي المروءات من الناس،
نعترف لكل فاضل بفضله ما دام يقول: ربي
الله.
يحمل
رسالة الله في العالم مؤمن ومؤمنة لا
تسكن فيه نبضات شهوة ونعرات عرق،
ونزوات عاطفة، وزعم أنانية وقوة،
وعقل معاش كما للسوائم عقول معاش.
يحمل
رسالة الله إلى الإنسان الغاطس في
الماديات…
مؤمن
ومؤمنة لا تذروا رياح الدنيا
وأصواتها الهائجة يقينه بالله
وبالدار الآخرة، ولا تتبدد لحظات
عمره الطائرة في التفاهات والغفلات.
لا يدري من أين ولا إلى أين؟
فيكون
منكم من يمسك بيد الهائمين المترفين
منهم والبؤساء، ليقودهم خطوة خطوة من
ظلام الكفر والنفاق إلى نور الهداية
والإيمان. من يجير الهائمين من هوس
النفس وضوضاء العالم حتى يسمعوا كلام
الله، ثم حتى يؤمنوا بالوحي وبما جاء
به الوحي؟
إن
شرف المؤمن والمؤمنة في أزماننا هذه
الغريقة في جاهليتها وجهلها بالله
والمعاد أن يتعهدا البذرة الدفينة في
كل فرد بالدعوة الحكيمة، والرفق
الحاني، والمحبة والإيناس، حتى ينتعش
الذابل ويتفتق المكموم، وتتفتح
الزهور عن حياة جديدة ثمرتها العمل
الصالح المقبول عند الله المقرب إلى
الله.
تلك
هي الأمانة العظيمة، تحملها أيد
متوضئة وقلوب متطهرة، يحملها خيار
الأمة أحباب الله، يحملها مؤمن
ومؤمنة ينافسان الناس، يسارعان إلى
مغفرة من ربهم وجنة عرضها السماوات
والأرض أعدت للمتقين خيار الناس.
خيار
الناس في مضمار المنافسة والمسارعة
إلى رضوان الله وصفهم رسول الله صلى
الله عليه وسلم ووصف أعمالهم
وأخلاقهم، فقال:
"خير
الأعمال الصلاة في وقتها" رواه
الحاكم بسند صحيح.
"خير
المسلمين من سلم المسلمون من لسانه
ويده" رواه مسلم.
الخيار
يقولون للناس حُسنا ويفعلون حَسنًا،
ويكفون آذاهم عن الناس. لكن المسالمة
غير الاستسلام: {إذا أصابهم البغي هم
ينتصرون} (الشورى 39).
"خير
الناس أقرؤهم للقرآن وأفقههم في دين
الله، وأتقاهم لله، وآمرهم بالمعروف،
وأنهاهم عن المنكر، وأوصلهم للرحم"
رواه الإمام أحمد والطبراني بسند
صحيح.
"خيركم
من تعلم القرآن وعلمه" رواه
البخاري وغيره.
القرآن
القرآن، إن لم يكن ملاذك ومرجعك ومعين
علمك وضابط عملك القرآن؛ فلست هناك.
"خيركم
من لم يترك آخرته لدنياه ولا دنياه
لآخرته ولم يكن كلاًّ على الناس"
رواه الخطيب البغدادي بسند صحيح.
"خير
ما أعطي الناس الخلق الحسن" رواه
الإمام أحمد وغيره بسند صحيح.
الآخرة
الآخرة، الخلق الخلق، الخلق الحسن من
الدين، مخالقة الناس من الدين.
أولئك
المحسنون خيار الأمة: "خير جلسائكم
من ذكركم الله رؤيته، وزاد في علمكم
منطقه، وذكركم الآخرة عمله".
أول
خطوة في طريق الإحسان مجالسة صحبة
محبة ترفع همتك، وتحدوا سيرك، وتكنف
يقظتك إلى المصير الأخروي كيلا تفصل
في وعيك وفقهك وعملك مصير الأمة الذي
يطلب جهادا، عن مصيرك الإحساني الذي
يطلب مجاهدة نفسك.
المدخل
إلى كمال الدين محبة تنشأ عن مجالسةٍ
ومعاشرةٍ وولاية في الله. لا غنى لك عن
معاشرة الخيار ومنافستهم في الخيرات
ومسابقتهم.
بهذا
نصح الأمين على الوحي صلى الله عليه
وسلم حيث قال: "والذي نفسي بيده لا
تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا
حتى تحابوا، ألا أدلكم على شيء إن
فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم"
أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي.
وصيتي
الأخيرة لكل الطلبة الإسلاميين أن لا
يألوا جهدا في الدعوة، وأن يقتحموا
عقبات الدراسة بكل همة وإقبال، فإن
جند الله لا بد لهم من سلاح ماض، وإن
سلاح العلم هو أمضى سلاح بعد سلاح
الإيمان.
في
كل يوم اتصل بواحد أو أكثر من أقرانك،
في كل يوم زد به خطوة نحو المسجد، نحو
الالتزام بالحق، هذا عمل منتج.
اقتن
رسائل الإمام حسن البنا واتخذها
للدعوة، وكن الجندي المجهول، انشر
الوعي الإسلامي واليقظة الإسلامية،
عرف زملاءك في الدراسة بمعاني النبل
والطهارة والإيمان، وحبب إليهم الله
والرسول والإسلام وتاريخ الجهاد.
ابذل لهم وقتك وجهدك، وحيثما كنت في
المدرسة أو الجامعة فاحمل عبء الدعوة
وحدك إن لم تجد جماعة حولك، وكون نواة
جماعة مع إخوانك ولو عشرة ولو أقل، في
انتظار أن يتعلم الشباب، وتستنير
أفئدتهم ويصلب عودهم ليوم تتحطم فيه
السدود فيكتشف الإخوان المسلمون
والتبليغيون والسلفيون وأعضاء حزب
التحرير وكل مؤمن لا تنتابه حمى تكفير
المسلمين أنهم جسد واحد، وأن غايتهم
واحدة، وأن مصيرهم واحد. لهذا نعمل.
والسلام
عليكم ورحمة الله وبركاته.
**
داعية إسلامي مغربي.
**
بتصرف من رسالة إلى الطالب والطالبة
|