|
قضية
حساسة ودقيقة تلك التي نتناول
الإشارة إليها في هذه السطور، فهي إن
أحسناها عصمنا أمتنا من أخطاء كثيرة،
وأضفنا إلى رصيدها رجالا مخلصين
عاملين نافعين، وإن فشلنا فيها
أنتجنا مسوخا مشوهة تضر الإسلام
والمسلمين قبل أن تضر العالم من حولنا.
إنها
الدعوة الفردية التي هي من أصعب أنواع
الدعوة، نظرا لحاجتها إلى دقة في
التعامل مع النفوس، وصبر والتزام
كبيرين، ولا يقوم بها بحقها إلا من
يسر الله له وفتح عليه.
وسنحاول
أن نتناول الدعوة الفردية في نقاط
نوجه خطابنا فيها إلى "الداعية"
مطلق "الداعية" ذكرا كان أم
أنثى، وفي أي مكان تواجد، نقول وبالله
التوفيق:
النقطة
الأولى: ما الدعوة الفردية؟
الدعوة
الفردية عبارة عن علاقة موجهة بين
الداعي والمدعو قائمة على الاحتكاك
المباشر والاتصال القوي الذي يهدف
إلى توجيه فكر المدعو وسلوكه وفق
المنهج الإسلامي.
فهي
لا تحتاج إلى خطيب بارع، ولا إلى عالم
فقيه، بل تحتاج إلى مسلم ملتزم
بإسلامه فهما وسلوكا تمثل وصف الله
تعالى لنبيه –صلى الله عليه وسلم-:
"عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم
بالمؤمنين رؤوف رحيم".
النقطة
الثانية: في الداعي:
لأن
الداعي هو عامل التأثير الأساسي
فيها، وشخصيته هي مصدر التلقي لدى
المدعو لذا وجب عليه أن يتسم بعدة
صفات نعرض لأهمها فيما يلي:
1
– الإخلاص: فبه يقبل العمل، وهو السهم
النافذ الذي يحمل كلامك إلى قلب
المدعو، فـ "ما خرج من القلب وصل
إلى القلب" كما يقولون.
2-
القدوة قبل الدعوة: فإذا أردت أخي
الداعي أن تدعو إلى شيء فابدأ بنفسك
فيه، وقد كان عبد الواحد بن زياد يقول:
"ما بلغ الحسن البصري إلى ما بلغ
إلا لكونه إذا أمر الناس بشيء يكون
أسبقهم إليه، وإذا نهاهم عن شيء يكون
أبعدهم منه"، ويقول الأستاذ سيد
قطب: "إن الكلمة لتبعث ميتة وتصل
هامدة مهما كانت طنانة متحمسة إذا هي
لم تنبع من قلب يؤمن بها، ولن يؤمن
إنسان بما يقوله حقا إلا أن يتحول هو
ترجمة حية لما يقول، وتجسيدا واقعيا
لما ينطق به"، غير أنه لا يفهم من
هذا أن نقعد عن الدعوة حتى نتم إصلاح
أنفسنا، قال الحسن البصري رحمه الله
تعالى: "لو لم يعظ الناس إلا
المتقون، لما وجدنا في الناس واعظا"،
ولكن اجعل شعارك: "أصلح نفسك، وادع
غيرك".
3-
الصبر الجميل: يقول الرسول الكريم صلى
الله عليه وسلم: "إن المسلم إذا كان
يخالط الناس ويصبر على أذاهم، خير من
المسلم الذي لا يخالط الناس ولا يصبر
على أذاهم" رواه أحمد والترمذي
وابن ماجه وإسناده حسن، فأنت كالطبيب
المعالج الذي يتعامل مع طبائع
وشخصيات متفاوتة متباينة، فإن لم يكن
لديه الصبر الكافي، سئم وترك مريضه
عرضة للهلاك، وعلاجك ليس يوما
وينتهي، بل فترة من الزمن غير قصيرة،
تجتث فيها خبائث الصفات، وتربي فضائل
الأخلاق.
النقطة
الثالثة: مراحل الدعوة الفردية:
أما
المراحل التي عليك اجتيازها لتصل إلى
مرادك فنوجزها فيما يلي:
أولا:
التعارف:
الهدف
من التعارف إيجاد صلة بينك وبين
الناس، وإيجاد علاقة طبيعية تمكنك من
التواصل معهم تحقيقا لمراد الله
تعالى: "لتعارفوا"، وهذه الصلة
في الغالب تكون متوفرة بشكل طبيعي عن
طريق الأقارب أو الجيران أو زملاء
العمل، ومن خلالها تستطيع أن تختار من
يمكن أن تكمل معه بقية الخطوات.
ثانيا:
الاختيار:
يقول
النبي صلى الله عليه وسلم: "تجدون
الناس كإبل مائة، لا يجد الرجل فيها
راحلة" رواه البخاري، وأنت تبحث عن
الرواحل التي تعينك في حمل هذه التبعة
الثقيلة، ولكي تصل إلى بغيتك، يجب أن
تكون لك نظرة فيمن حولك، فلذلك بدأ
الرسول صلى الله عليه وسلم أول ما بدأ
بأبي بكر الذي ما لبث أن تعلم الدرس
وراح يتحرك، فتخير مجموعة غدوا من
العشرة المبشرين بالجنة.
ألم
يقل صلى الله عليه وسلم: "فخياركم
في الجاهلية خياركم في الإسلام إذا
فقهوا"رواه البخاري، وراح يطبق ذلك
عمليا، فعمر بن الخطاب الذي قال عنه
عامر بن ربيعة رضي الله عنه: "والله
لا يسلم حتى يسلم حمار الخطاب" رواه
الطبراني وإسناده صحيح، يدعو رسول
الله صلى الله عليه وسلم فيقول: "اللهم
أعز الإسلام بأحب هذين الرجلين إليك:
بأبي جهل أو بعمر بن الخطاب"، قال:
وكان أحبهما إليه عمر" رواه
الترمذي، وقال: هذا حديث حسن صحيح
غريب.
ولذلك
فابدأ أخي بالتالي:
-
صاحب الأخلاق الأساسية: (الكرم،
الشجاعة، الإيجابية، روح المساعدة،
الجدية...) ومن يلتزم بالعبادات وبعض
الطاعات، ثم صاحب الأخلاق الأساسية
فقط، وهكذا.
-
القريب منك: سنا، سكنا، ثقافة، نفسيا،
ميولا، هوايات... إلخ.
-
الأكثر استقرارا: اجتماعيا،
اقتصاديا، دراسيا... إلخ.
-
صاحب الذهن الخالي من أي أفكار تضاد
الفكر الإسلامي الصحيح.
وعندما
تبدأ يا أخي انتبه لهذه النصائح:
-
أكثر ملازمته لتتعرف على صفاته أكثر.
-
انتبه لسلوكه مع الآخرين كي تعرف
شخصيته وميوله.
-
حاول أن تقدم له كافة أشكال العون
والمساعدة.
-
لا تتدخل في أموره الخاصة.
ثالثا:
التقارب:
لقد
اخترت الآن هذا الإنسان الذي ستتقرب
إلى الله تعالى بإرشاده إليه، فتذكر
وصية المعلم الأول صلى الله عليه وسلم
لعلي رضي الله عنه: "لأن يهدي الله
بك رجلا واحدا، خير لك من أن يكون لك
حمر النعم"متفق عليه، وفي رواية
للحاكم: "خير لك مما طلعت عليه
الشمس"، فاجعل شعارك في هذه
المرحلة: "ابذر الحب تحصد الحب"
حتى وإن كان لا يزال عاصيا، إننا نبذل
الحب للمطيع فرحا بطاعته، فلماذا لا
نبذله للعاصي أملا في توبته؟
وسائل
للتقارب:
-
تذكر قول رسول الله صلى الله عليه
وسلم: "إن الله إذا أحب عبدا دعا
جبريل فقال: إني أحب فلانا فأحبه، قال:
فيحبه جبريل، ثم ينادي في السماء
فيقول: إن الله يحب فلانا فأحبوه،
فيحبه أهل السماء، قال: ثم يوضع له
القبول في الأرض"رواه مسلم.
-
عليك بوصية ابن الخطاب رضي الله عنه:
"ثلاث يصفين لك ود أخيك: تسلم عليه
إذا لقيته، وتوسع له في المجلس،
وتدعوه بأحب أسمائه إليه" وروي عن
رسول الله صلى الله عليه وسلم بسند
اختلف فيه.
-
الزم مفتاح القلوب: "تهادوا تحابوا
"رواه الطبراني في الأوسط والبيهقي
بسند جيد، فلا تنس هداياك إليه.
-
تزاور معه، فهذا يقرب بينكما أكثر،
ويفضل لو تتعرف على والديه.
-
شاركه في أفراحه وأتراحه ولا تنتظر أن
يطلب منك ذلك.
نصائح
مهمة:
-
إياك ونقد تصرفاته المختلفة.
-
اشكره على أي مساعدة يقدمها لك مهما
صغرت.
-
حذار أن تلغي رأيه أو تفكيره، بل
اتركه يعبر عن رأيه ويخالفك ويعارضك،
واقبل ذلك بصدر رحب، فهذا هو منهج
الإسلام.
-
راع ميوله وهواياته ورغباته، واحرص
على تشجيع النافع منها.
-
إياك من محاولة تحويله إلى نسخة منك،
بل حافظ على استقلاليته وخصوصيته
وطبيعته الشخصية.
-
لا تفصله عن أسرته ومجتمعه وواقعه، بل
احرص على انغماسه فيه مشبعا بإيمان
وعقيدة ثابتين، وقلب متوهج بالعمل
وحب الخير للبشرية جمعاء.
بهذه
الطريقة يرجى أن يزداد قربا منك
ويحبك، وبذلك تكون أكثر قدرة على
دعوته إن شاء الله.
رابعا:
إيقاظ الإيمان:
لا
أظنك أخي الكريم تستغرب هذا المصطلح..
نعم فكل ما تفعله أن توقظ أصل الإيمان
النائم خلف ركام من الذنوب والشهوات
والشبهات في قلب المدعو، أنت تزيح هذا
الركام عن هذه الصفحة البيضاء
المستقرة في أصل فطرته.
وسائل
مساعدة:
-
استغل المواقف الطبيعية لتذكيره
بقدرة الله وعظمته مما يوجب محبته
وخشيته.
-
اجعل مواعيد التقائكما في الصلوات
بالمسجد، وراع ذلك كثيرا.
-
الزما وردا قرآنيا تقومان به معا.
-
حثه على الالتزام بصلاة الفجر في
المسجد، وتعاونا على الاستيقاظ.
-
تعاونا على قراءة أذكار الصباح
والمساء وخواتيم الصلوات بانتظام
مهما كانت المشاغل، وفي أي مكان
تكونان.
-
اجتهد على تعريفه بصحبة طيبة تعينه
وتعينك.
وتذكر دائما معي الحديث القدسي: "من
عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب، وما
تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما
افترضت عليه، وما يزال عبدي يتقرب إلي
بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته: كنت
سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر
به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي
يمشي بها، وإن سألني لأعطينه، ولئن
استعاذني لأعيذنه"رواه البخاري.
نصائح:
-
استعن بكتب وأشرطة الرقائق، والتي
تتناول مظاهر قدرة الله، والجنة
والنار، وقصص التائبين، وما إلى ذلك.
-
وضح فضائل الأعمال باستمرار وحضه
عليها.
-
نوع وسائلك في إيقاظ الإيمان ولا تركز
على شيء واحد.
-
أكثر من الدعاء له بظهر الغيب.
-
تعرف على أخلاقه الحميدة وامدحها فيه
واربطها بالإسلام، وضع خطة لمعالجة
أخلاقه السيئة.
-
لا تفرط في الترهيب، وابدأ بالترغيب
دائما.
-
لا تطلب المثالية أو الالتزام الكامل
فيه، وعليك بالتدرج.
-
ابدأ بالفرائض وركز عليها ثم خذ من
النوافل قدر المستطاع.
خامسا:
المفاهيم:
وهي
تشتمل على:
أ-
شمولية الإسلام:
-
وسع آفاقه في فهم دينه.
-
أوضح له كيف أن الإسلام قائم على أساس
الفطرة السليمة من أن الله استخلف
الإنسان في الأرض ليعمرها وفق منهج
رسمه الله له، وأن هذا المنهج يشمل
كافة أشكال النشاط الإنساني، ولم
يترك منها شيئا.
-
استعن بما يفيد في ذلك من الكتب: (شمولية
الإسلام للدكتور القرضاوي- أصول
الدعوة للدكتور عبد الكريم زيدان-
ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين
للأستاذ أبو الحسن الندوي- القيم
الحضارية في رسالة الإسلام للدكتور
محمد رأفت عثمان- من روائع حضارتنا
للدكتور مصطفى السباعي).
ب-
شمولية العبادة:
اخرج
به عن المفهوم الضيق الذي حصر الناس
معنى العبادة فيه، فاجعل شعارك
وشعاره: "قل إن صلاتي ونسكي ومحياي
ومماتي لله رب العالمين لا شريك له
وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين"،
وذلك عن طريق:
1-
أكثر من التذكير بالنية، خاصة عند
الأمور الحياتية العادية، بما في ذلك
علاقتك به، مذكرا بفضل الأخوة في الله
تعالى، شارحا قول رسول الله صلى الله
عليه وسلم: "إنما الأعمال بالنيات،
وإنما لكل امرئ ما نوى"متفق عليه.
2-
استفد من سيرة النبي صلى الله عليه في
عمله ودعوته وبذله.
3-
اسأله دائما عن أحواله في عمله
وإتقانه فيه، لأن ذلك من صميم الإسلام.
4-
تأكد من إيجابيته وسعيه الدائم لخدمة
مجتمعه.
5-
اصطحبه لحضور بعض المنتديات
واللقاءات والمسرحيات الهادفة.
6-
شجعه باستمرار على القراءة والاطلاع
المستمر، ومن الضروري هنا أن يدرس
العقيدة الإسلامية الصحيحة، وأن يحوز
قدرا معقولا –على الأقل- من العلوم
الشرعية، وأن يقرأ في السيرة
والتاريخ وقيم الإسلام الحضارية، كما
عليه ألا يغفل القراءة في المجالات
المختلفة من العلوم المختلفة
الاجتماعية والاقتصادية والسياسية،
وكذلك في حضارات الشعوب والأمم.
7-
حثه على متابعة الأخبار يوميا،
واستطلاع أحوال العالم من حوله.
8-
احرص على أن يحقق في نفسه بعض الصفات
الإسلامية الأساسية، مثل: حسن الخلق،
الثقافة، صحة البدن، نفع الغير،
الحرص على الوقت، التنظيم في حياته
وشؤونه...
ج-
واقع المسلمين اليوم:
-
وضح له ما يعانيه المسلمون في كل مكان:
فلسطين، الشيشان، كشمير...
-
ذكره بمبشرات النصر من الشرع ومن
الواقع.
-
اتفق معه على ضرورة العمل للإسلام،
ولمساعدة إخوانه في كل مكان، بداية من
ضرورة كونه مواطنا مسلما صالحا،
مرورا بغرس نفسية الجهاد في نفسه،
وصولا إلى تقديم يد العون لهم بالدعاء
والتبرع وشرح قضيتهم، أو أية وسيلة
أخرى.
نصائح
مهمة:
-
احذر أن تتناول هذه القضايا بصورة
يائسة تبعث على الاستسلام للواقع
والإحباط واليأس.
-
استعن بالأشرطة والكتب التي تتناول
قضايا المسلمين.
د-
وجوب العمل للإسلام:
تأتي
الآن الخطوة الفعالة التي هي الثمرة
الطيبة للعمل الصالح الذي تم الصبر
والمثابرة عليه في المراحل السابقة
كلها.. أن يعرف أن عليه تجاه هذا الدين
واجبا يجب القيام به.
-
يقول أحد الدعاة: "جريمة قتل عمد أن
ننتمي لهذا الدين ولا نؤمن به، ولا
نعمل له، ولا نجاهد في سبيله".
-
بين له فرضية العمل للإسلام، وأن ذلك
واجبه كمسلم.
-
بصره بواقع الدعوة يوم بدأت، وكيف
أنها لولا تحرك المؤمنين بها ما وصلت
إلينا، وفي أبي بكر نعم النموذج الذي
يقتدي به المؤمن الصادق في إيمانه
الذي تحرك بدعوته يفتح بها قلوب الناس.
-
أشركه معك في أعمال الخير ليتذوق
حلاوة العمل لله.
-
إرشاده إلى القيام ببعض المهام
الدعوية البسيطة التي تكسبه ثقة في
نفسه، وتفتح قلبه للعمل لله.. كأن يكلم
أحد أصدقائه في معنى معين.
-
يجب أن يتفهم أن على الإنسان العمل،
وليس عليه النتائج حتى لا يدخل في
قلبه اليأس.
كانت
هذه محاولة لتقديم هذا الأسلوب
الدعوي وهو أوسع من أن تحتويه هذه
السطور، نختم محاولتنا هذه بإجمال
القول في أن الدعوة الفردية تقوم على:
-
حسن الانتقاء.
-
إجادة التواصل.
-
إتقان التربية والتثقيف والتعليم.
-
توثيق الربط بالمجتمع والواقع
والتأثير فيه.
وقبل
كل ذلك وفيه وبعده.. إخلاص الدعاة
عملهم لوجه الله.
*
محرر بقسم الدعوة
|