|
ننتقل
بعد ذلك للعنصر الثالث، وهو "أبواب
الأمل" التي تفتَّحت، وبوادر الفجر
الصادق الذي لاح بعد الانتفاضة
المباركة لإخواننا المناضلين في
فلسطين.
وأهمُّ
ما نقف عليه من إيجابيَّات وبوادر
النصر ما يلي:
1-
الحركة الجماهيريَّة الفاعلة في
الوطن العربيِّ والإسلاميِّ من شرقه
لغربه، ومن شماله لجنوبه، والتي لم
تقتصر على الدول المحيطة بفلسطين
كمصر أو لبنان، وإنَّما امتدَّت حتى
دول الخليج وحتى إندونيسيا وماليزيا،
ومن ثمَّ أصبحت القضيَّة
الفلسطينيَّة في القلب من الأحداث
بعد أن راهن الكثيرون على أنَّها قد
تم تغييبها، وإذا بالجماهير التي ظن
الكثيرون أنهم قد غيبوا وما عاد من
الممكن أن نعيد إليهم، إذا بهم في
لحظةٍ تاريخيَّةٍ يثبتون أنَّ كلَّ
محاولات التغييب التي بُذلت لم تؤت
ثمارها، وأنَّ الجماهير العربيَّة
والإسلاميَّة ما زالت تسري في عروقها
روح أسلافها من حبِّ الجهاد
والاستشهاد ومن استشعار وحدة الأمَّة
الإسلاميَّة.
لقد
ثار الشباب في أرجاء العالم العربيِّ
هادرًا مندفعًا كتيَّارٍ دافق، هذا
الشباب الذين ظنَّ البعض أنَّه قد
قُضي على كلِّ مَواطن الأصالة فيه..
فإذا به ينطلق بشكلٍ لم تستطع بعض
الأنظمة أن تتحمَّله حتى انتهى الأمر
بمقتل طالبٍ بجامعة الإسكندريَّة في
مصر، ومُواطن بالبحرين، ولم يثُر
الشباب متمرِّدًا على حالةٍ
اجتماعيَّةٍ أو اقتصاديَّة، ولا
مطالبًا بوظيفةٍ أو مسكن.
كلا
لقد تعالى على مطالبه الشخصيَّة،
وإذا به ينطلق كالآساد في غاباتها،
يزأر بكل ما يملك من قوى، مطالبًا
باتِّخاذ مواقف حاسمة تتواءم وروعة
الموقف وجلاله، ويعلن رغبته في أن
يلحق بإخوانه الذين سبقوه للشهادة
بأرض الأقصى، بل إنَّ أحدهم بذل
محاولةً شخصيَّةً، وتجاوز الحدود بين
مصر وفلسطين عبر رفح، وانتهى الأمر
بقتله وعاد إلى ذويه وأهله بقريته
فاستقبلوا جثَّته بالفخار، وانطلقت
زغاريد نساء قريته فرحًا بمحاولة
ابنهم وسعيه للشهادة.
هذا
الحالة النادرة من الصدق والوعي
والأصالة التي عاشتها الجماهير
العربيَّة.. كم كنا نحتاج من خططٍ
توضع، وأموالٍ تنفق، وجهودٍ تبذل..
إذا أردنا أن نصل بجماهيرنا إليها!!
وهاهي
مواجهة إخواننا مع العدوِّ
الصهيونيِّ في تحقيقها كأعلى وأنبل
ما يمكن لها أن تتحقَّق.. فكم من نصرٍ
مبشِّرٍ بين يدي نصرٍ كبيرٍ قادمٍ
بإذن الله، شريطة أن نستثمر حالة
الوعي ولا ندعها تتسرب من بين أيدينا.
ولا
داعي أن يلقي الدعاة بعد ذلك بفشلهم
على حالة الجماهير الميئوس منها؛ فقد
أثبتت هذه الجماهير أنَّها ما زالت -كما
كانت دومًا- تنطلق كالسيل الجارف، إذا
استشعرت خطرًا على عقيدتها
ومؤسَّساتها، وإذا أُحسن تجييشها
وحفْز طاقاتها وراء أهداف لا خلاف
عليها.
2-
عودة الرابطة الإسلاميَّة واضحةً
جليَّة، وثبوت أنَّ الجماهير
العربيَّة والإسلاميَّة لا يحرِّكها
سوى قضايا دينها، وأنَّ كلَّ الرايات
الجاهليَّة التي رُفعت وطنطن الإعلام
العربيُّ عقودًا حولها لم تنجح قط في
تزييف وعي الأمَّة.
نعم
لقد انطلقت الجماهير لأجل قضيَّةٍ هي
إسلاميَّة أوَّلا وآخرًا، وتعاطفت مع
شعب يجمعها به رباط العقيدة.
وباءت
جهود دعاة الفرعونيَّة والفينيقيَّة
والآشوريَّة والطولونيَّة
والفارسيَّة بالفشل، وأثبتت
الجماهير العربيَّة أنَّها كانت وما
زالت مصدر عزَّتها وعامل فخرها،
وأنَّ المسلمين يدٌ واحدة كما ورد عن
الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم.
وأنَّ
دعاوى تمييع الهويَّة الإسلاميَّة لم
تنجز شيئًا ذا بالٍ مع كلِّ ما بُذل من
جهد وراءه أنظمةٌ كاملةٌ لأجل أن
تحلَّ دعاوى الجاهليَّة الأولى محلَّ
دعوة الإسلام، ولتعيد الأمَّة إلى ما
قبل عزَّتها وسؤددها.
لقد
عادت الأمَّة تردِّد مع عمر بن الخطاب
مقولته يوم ذهب فاتحًا الأقصى: "إنَّنا
قومٌ كنَّا أذلة فأعزَّنا الله
بالإسلام.. فمهما ابتغينا العزَّة في
غيره أذلَّنا الله تعالى"، وكم من
معنىً عزيزٍ ورسالةٍ رائعةٍ أحسنت
الجماهير كتابتها في هذه اللحظة
الصادقة في تاريخ الأمَّة!!
3-
أثبتت الجماهير العربيَّة
والإسلاميَّة أنَّ محاولات تحييدها
وتحويلها إلى كائناتٍ استهلاكيَّةٍ
تتناسى غايتها التي لأجلها خُلقت،
ولتسعى نحو غايةٍ واحدةٍ أرادتها لها
الحضارة الغربيَّة ومن لفَّ لفَّهم؛
ألا وهي أن تعمل ما وسعها العمل
لتحقيق قدرٍ من الرفاهية، ورفع مستوى
المعيشة، ولا عليها بعد ذلك أن تُسلب
الأرض، أو تُدنَّس المقدَّسات، أو
تُضيَّع القضايا الكبرى، أو تُميَّع
الهويَّة الإسلاميَّة. وكفانا ما
عشناه من سنوات عناءٍ وحروبٍ
متتاليةٍ.. فليتفرغ العالم العربيُّ
والإسلاميُّ كله لأجل أن يحقِّق
غايةً واحدةً، وهي أن يزيد معدل
نموِّه الاقتصاديِّ ليزيد معدل
استهلاكه، وليعيش الجميع مستمتعًا
بحياته ما وسعه ذلك، مستهلكًا ما وسعه
ذلك.
أمَّا
أن يشغل المسلم نفسه بغاياتٍ أخرى
كالتمكين لدينه، والدعوة إليه،
واسترداد أرضه، والتصدِّي لعدوِّه
الحضاري.. فذلك ما أُريد أن يُستبَعد
من المعادلة تماما، وأن يصوَّر على
أنَّه ضربٌ من الغلوِّ أو التعصُّب
الأيديولوجيّ، ولكن الجماهير
العربيَّة المسلمة أثبتت أنَّ قضايا
دينها وعقيدتها هي المقدَّمة لديها،
وأنها لا يمكن تدجينها أو طمس وعيها
لتتحوَّل لكائناتٍ استهلاكيَّةٍ لا
همَّ لها إلا المادة.
وإذا
بها في لحظة صدقٍ تتناسى كل حاجاتها
الماديَّة الاستهلاكيَّة؛ لتتجمَّع
حول غايةٍ عظمى وهدفٍ جليل، وكانت
فلسطين وقضيتها هي ذلك الضوء الذي
ردَّ للأعين رؤيتها وللعقول بصيرتها.
4-
أثبتت الانتفاضة المباركة أنَّ
عدوَّنا أضعف ممَّا نظنُّ، وأنَّ
مجتمعه مجتمعٌ هشٌّ وخليطٌ من
الألوان التي لا يجمع بينها إلا حبُّ
الدنيا والرغبة في الاستمتاع بها إلى
أقصى حدّ.
نعم
لقد أثبتت انتفاضة إخواننا أن الرعب
يقبع في صدور الصهاينة، وأنَّهم بكلّ
أسلحتهم أضعف ممَّا كان يظنُّ
الكثيرون.
وأنَّ
بعضًا من عمليَّاتٍ استشهاديَّة حولت
المجتمع الإسرائيلي إلى مجتمعٍ يعيش
أهله حالة خوفٍ وذعرٍ لا مثيل لها،
ويخشى أحدهم الجلوس على مقهى أو ركوب
حافلة.
وهاهي
عمليَّات الهجرة العكسية تعلن عن
نفسها كل يومٍ في الصحافة
الصهيونيَّة كمشكلةٍ تؤرِّق
السلطات، بل إنَّ كثيرًا من
المستوطنات أُفرِغت تمامًا من أهلها،
وكثيرًا من الصهاينة أرسلوا بأبنائهم
لخارج أرض فلسطين، ومنهم وزير الدفاع.
إنَّها
المرَّة الأولى التي يُحارَب فيها
العدو داخل أرض فلسطين.. في حيفا وتل
أبيب والقدس.. في بيته وحافلته
ومعسكره ومكان عمله، لقد خاض
الصهاينة حروبًا عديدةً مع العرب
خارج حدود فلسطين، ولكن هاهم يواجهون
عدوّا يعيش بينهم يحوِّل ما صوَّروه
للمهاجرين "جنَّةً دنيويَّة"
إلى جحيمٍ لا يُطاق العيش فيه.
ولا
شكَّ أنَّ هذا الاقتحام الجديد من قبل
الجيش الصهيوني للمدن الفلسطينيَّة
يدلُّ على أنَّ الكيان الصهيونيَّ
يعيش مأزقًا أيَّ مأزق، وأنَّه عاجزٌ
بكل ما أوتي من قدراتٍ عن مواجهة صمود
شباب وفتياتٍ يحبُّون الموت حبَّ
الصهاينة للحياة، وما الجدار الواقي
وغيره من خطط الصهاينة إلا إعلانٌ
واضحٌ عن الفشل في مواجهة الانتفاضة
المباركة.
وبعدُ
فلسوف تمضي بفضل الله مسيرة الشهداء،
تضع على طريق النصر خطواتٍ واثقة،
وترسم في تاريخ الأمَّة أروع
المشاهد، وتثبت أنَّ خالدًا والقعقاع
والمقداد خلفوا رجالاً يسيرون على
دربهم حتى يأذن الله سبحانه بإحقاق
الحقِّ وإبطال الباطل، وذلك وعده وهو
لا يخلفه سبحانه.. { كَتَبَ اللهُ
لأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ
اللهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ}.
{بَلْ
نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى
الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا
هُوَ زَاهِقٌ}.. {وَلِيَدْخُلُوا
الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ
أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا
مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا}. صدق الله
العظيم.
يتبع:
أقرأ
أيضًا:
اقرأ
أيضًا:
**
محام وداعية إسلامي-
مصر
|