إسلام أون لاين/دعوة ودعاة
 
بريدك الإلكتروني
الصفحة الرئيسة  | دعوة ودعاة   

آخر تحديث: 4 ربيع الآخر 1427هـ
02 مايو 2006 - 7:15 جرينتش

بحث        |  بحث متقدم  |  لوحة المفاتيح العربية

ادفن وجودك في أرض الخمول

محمد سيد حسين- 09/07/2002م 

يخطئ مَن يظنُّ أن ذنوب الجوارح أخطر من ذنوب القلوب، وأن زلات الأقدام أشد من آفات النفوس، ذلكم أن العبد قد يُبتلَى بمعصية ظاهرة، فيعلم من نفسه التقصير ويسعى للتخلص مما ابتُلي به من معصية، ولكن الخطر الوبيل ذلك الذي ظاهره التقوى وسمعته بين الناس الصلاح، وبين جنبيه نفْسٌ احتوت من الآفات والأمراض ما قد يكون سببًا لهلاك أمة أو ضياع كيان عظيم.

ولذا كان الحرص على أن يُطهَّر الباطن قبل التصدُّر والتقدم، من أهم ما أوصى به أهل المعرفة والسلوك، وجاءت موعظة عمر البليغة: "تفقَّهوا قبل أن تسودوا".

وليس الفقه مجرد علم بالأحكام الظاهرة، فذلكم معنى استُجِدَّ بعد العصور الأولى، أما أهل القرون الأولى فالفقيه عندهم من تعلم الإخلاص قبل العمل، والتوكل قبل الكسب، والتواضع قبل التصدر.

ولم تبتلَ أمة الإسلام خلال تاريخها المديد قدر ما ابتُليت بنفوس مريضة من أبنائها، باعوا دينهم بعَرَض من الدنيا، وباعوا نفوسهم بأبخس الأثمان، وآثَروا سمعة زائفة أو ذِكْرًا بين الخلق على رضا ربهم وصلاح أمتهم، حتى صدق فيهم قول ابن المبارك:  

رأيتُ الذنوبَ تميتُ القلوبَ

وقد يُورث الذلَّ إدمانُها

وترْكُ الذنوبِ حياةُ القلوب

وخيرٌ لنفسك عصيانُها

وهل أفسد الدينَ إلا الملوكُ

وأحبارُ سوء ورهبانُها

فباعوا النفوس ولم يربحوا

ولم تغلُ في البيع أثمانُها

وقد روي عن ابن مسعود -رضي الله عنه- قوله لأهل عصره: "أنتم اليوم قَلَّ خطباؤكم، وكثُر علماؤُكم، وسيأتي زمان يكثر فيه الخطباء، ويقل فيه العلماء". ذلكم أن العالم في نظره: مَن سَبَق إخلاصه عمله، وسبق عمله قوله.

ولهذا المعنى الرائع رفض زيد بن أرقم يوم مؤتة أن يقود الجيش حاملاً لراية القيادة بعد أن استشهد حاملوها الثلاثة استشهاد الأبطال، وأصرَّ على أن يختار المسلمون رجلاً آخر هو لهذه الأمانة أهل. وما كان رفض الصحابي عن جُبن ولا خَوَر، فما كان للخوَّار مكان في هذه المعركة التي واجه فيه الرجل من المسلمين سبعين رجلاً من الأعداء، وإنما هو عن علم بعِظَم الأمر وبإمكاناته الشخصية، جعله يفرّ في تواضع هو الشموخ بعينه ليتولى القيادة غيره.

وما نحسب خالدًا ترك القيادة بهذه السلاسة العجيبة بعدما تحقق على يديه من انتصارات إلا لأن هذا المعنى كان قد تحقق في نفسه.

ذلكم المعنى الرائع اختصره ابن عطاء في عبارة بليغة فقال: "ادفن وجودك في أرض الخمول، فما نَبَت مما لم يُدفَن لا يتم نتاجه".

أي: غَيِّب ما تُذكَر به من علم وعمل وحال، وغير ذلك مما ينفي عنك شهوة الرفعة عن عيوبك، كما شرحه زروق رحمه الله.

وما لم تستطع أيها العامل أن تدفن وجودك وأن يخلص عملك كاملاً لمولاك، وأن يستوي عندك ذكر الناس وعدم ذكرهم، فهيهات أن تصل أو يرتفع عملك فوق رأسك، أو تكون لك قدم رابحة في طريق السالكين. ذلكم أن "ما نَبَت مما لم يدفن لا يتم نتاجه".

فلا ينتج إلا ما دُفِن، وما لم يُدفَن لم ينبت، وإن نبت فلا ينتج، وإن نتج فلا يتم نتاجه، بل تقتلعه أخفّ ريح، وقد يسقط من تلقاء نفسه.

وكذا ما ظهر من الأعمال ولم يحسن صاحبها أن يدفن وجوده في أرض الخمول وأن يوطن نفسه على الإخلاص فإنها -أي هذه الأعمال- ستكون كأعمال المشركين، "كسراب اشتدت به الريح في يوم عاصف لا يقدرون مما كسبوا على شيء".

وما ذلك بظلم لصاحبها، فقد استبدل الذي هو أدني بالذي هو خير، وبدلاً من أن يشترى بعمله الآخرة أراد به إرضاء مَن لو علم بمرضه لاستشنعه واستقبحه، أي أراد به إرضاء العباد ولو علم العباد منه ذلك لكان عندهم مرذولاً.

كن خامل الذِّكر بين الناس وارضَ به، فذاك أسلم للدنيا وللدين

تُرى لو أحسن التعامل مع هذه الحكمة كثيرٌ ممن لم يحسنوا دفن وجودهم أولاً قبل تصدرهم، أما كانت الأمة قد تحاشت هذه الأقزام التي استطالت، والقطط التي استأسدت، والفقاقيع التي ظنَّت نفسها شيئًا في دين الناس أو دنياهم، حتى صدق فيهم قول شاعرنا المعاصر.  

كلُّهم في الهوى يزين دينه

ألْف مُفتٍ ومالك في المدينه

نجِّنا ربِّ إننا قد جعلنا

كل فن في غير مَن يحسنونه

كل من صاح بالنبوة فينا

قام أوس وخزرج ينصرونه

فَتَنُوه عن نفسه فتعالى

وادعى خلق عصبة يخلقونه

ملئوا رأسه من الوهم حتى

ظن إثمًا أن النبوة دونه

وله المعجزات وجه صفيق

يعجز الصخر أن يكون قرينه

معجزات النبي علم وهذا

معجز بالجهالة المفتونة

على أن الموصل للإخلاص وتحقيق الخمول: مجاهدة طويلة، وتربية هادئة عميقة، ثم علم واقٍ وفكر صافٍ. فذلكم طريق السالكين، والحمد الله رب العالمين.

أقرأ أيضًا:


** محام وداعية إسلامي

عودة



دعوة للتأمل | زاد المسير  | قضايا معاصرة |  التواصل فن | تجارب دعوية | خدمات دعويةلقطة وفكرة

 

 

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع