|
في
الموقع أيضًا:
|  |
 |
|
|
|

|
|
|
تعريف الأهلية وأقسامها:
الأهلية هي الصلاحية، فشرط صحة التكليف بالواجبات الشرعية التي يندرج تحتها العمل السياسي هو كون المكلف أهلاً لما يكلف به، وقد عرّفها الأصوليون: بأنها صلاحية الإنسان لوجوب الحقوق المشروعة له أو عليه، ولصدور الأفعال منه على وجه يعتدّ به شرعًا، وقسّموها إلى أهلية وجوب وأهلية أداء.
أ - أما أهلية الوجوب، فهي صلاحية الإنسان لوجوب الحقوق المشروعة له وعليه، وهي قسمان: ناقصة وكاملة.
فأهلية الوجوب الناقصة هي: صلاحية الإنسان لوجوب الحقوق له فقط، كاستحقاق الجنين للإرث.
وأهلية الوجوب الكاملة هي: صلاحية الإنسان لوجوب الحقوق المشروعة له وعليه، وهي تثبت للإنسان من ولادته إلى موته.
ب - وأما أهلية الأداء، فهي صلاحية الإنسان لأن تصدر منه أفعال يعتدّ بها شرعًا، وهي أيضًا قسمان: ناقصة وكاملة.
فأهلية الأداء الناقصة هي:صلاحية صدور بعض الأفعال دون بعض، أو صدور أفعال يتوقف الاعتداد بها على رأي من هو أكمل منه عقلاً وأعلم بوجوه النفع والضرر، كحال الصبي المميز في العقود المالية.
وأهلية الأداء الكاملة هي:صلاحية الإنسان لصدور الأفعال منه مع الاعتداد بها شرعًا وعدم توقّفها على رأي غيره، وهي الأهلية الثابتة للبالغ الراشد، وهي مناط التكاليف الشرعية وتوجه الخطاب من الشارع (1).
وقد لقي مفهوم الأهلية اهتمامًا في الكتابات الفقهية والقانون المدني، وتستخدمها الدراسة في سياق آخر هو العمل السياسي؛ أي أننا نبحث ما يمكننا تسميته "الأهلية السياسية"، أي أهلية المرأة لممارسة الأنشطة السياسية في المجتمع الإسلامي.
الآراء الفقهية في أهلية المرأة :
إذا كان الفقهاء قد أقرّوا بأهلية المرأة أهلية "كاملة" في الولاية الذاتية والمتعدية على الأموال، والولاية المتعدية على الغير كالحضانة والوصاية؛ أي: الأمور المدنية مع خلاف بينهم في بعض الجزئيات (2) فإن معظمهم قد تحفظ على أهليتها لممارسة العمل السياسي بمستوياته المختلفة، وكأنهم يرونها في هذه الحال ناقصة الأهلية.
وقد استند كثير من هؤلاء إلى حديث رسول الله: "يا معشرَ النّساءِ، تصَدَّقْنَ فإنني أريتكن أكثر أهل النَارِ، فقلن: وبمَ يا رسولَ الله؟ قال: تُكثرْنَ اللَعنّ وتكفرنَ العشير، ما رأيت من ناقصاتِ عقل ودين أذهب لِلُبّ الرَجل الحازم من إحداكُن، قلن: وما نقصانُ ديننا وعقلنا يا رسول الله؟ قال: أليس شهادةُ المرأةِ مثلَ نصفِ شهادةِ الرّجل؟ قلن: بلى. قال فذلك من نقصان عقلها. أليس إذا حاضَتْ لم تُصَلِّ ولم تَصُمْ؟ قلن: بلى، قال: فذلك من نقصان دِينها"(3)، فتحدّث البعضُ عمّا طبع عليه النساء من "نقص واعوجاج في أخلاقهن وميلهن إلى اتّباع الهوى، في مقابل التفوّق الطبيعي في استعداد الرجال ونهوضهم بأعباء المجتمع"(4)، واعتبروا النقص صفة قرينة بأنوثة المرأة، وهو الأمر الذي أدّى في نظرهم إلى "تخفيف الشرع بعدم تكليفهن بكثير مما يجب على الرجال كالجماعة والجُمع والجهاد والجزية"(5).
أخطاء منهجية في المعالجة الفقهية لقضية الأهلية :
ويلاحظ أن هذه الآراء لم تفرّق بين المستويات المختلفة للأهلية السياسية:
- فهناك أهلية عامة لكافة المسلمين في الواجبات العينية، كالبيعة العامة والشورى العامة، وهي الأهلية التي ترتبط بالممارسة السياسية اليومية والعامة للناس كافة، وتبنى عليها مسئولية الأفراد في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والدفاع عن الحقوق ومراقبة ميزان العدل في الجماعة وحفظ المقاصد الشرعية.
- وهناك أهلية عامة وخاصة في الوقت ذاته، كالواجبات الكفائية التي قد تصبح في ظروف معينة واجبات عينية كالجهاد، وهي وإن كانت أهلية عامة إلا أنها تحتاج إعدادًا وتدريبًا لرفع كفاءة العامة من الناس، ولذا تسمى عامة وخاصة في آن واحد.
- وهناك أهلية خاصة بالواجبات الكفائية كالولايات، وهي تستلزم قدرة فطرية، كما أن لها جوانب كسبية تأهيلية مرتبطة بالدراسة والخبرة والممارسة، ولا تنطبق على أي أحد (6).
وارتبط بهذا السياق عدم التفرقة بين مستويات نقص العقل، فهناك نقص فطري ونقص نوعي:
- أمّا النقص الفطري فهو نقص العقل أو الذكاء بدرجات متفاوتة قد تبدأ بالسفه وتنتهي بالجنون، وهي من عوارض الأهلية (7)، ولا يدخل فيه النساء؛ إذ يتحملن التكليف الشرعي والمسئولية الجنائية والمدنية ومسئولية تولي الولايات العامة.
- وأمّا النقص النوعي فهو نقص قد يكون عرضيًا يطرأ على الفطرة مؤقتًا كما في دورة الحيض أو النفاس أو بعض فترات الحمل وهو لا يخلُّ بالأهلية (8)، وقد يكون نقصًا عرضيًا طويل الأجل يطرأ على الفطرة نتيجة ظروف معيشية خاصة كالانشغال بالحمل والولادة والرضاعة، مع الانحصار بين جدران البيت حتى لا تكاد المرأة تغادره، والانقطاع التام عن العالم الخارجي مما يؤدّي إلى قلّة الوعي بمجالات الحياة وضعف الإدراك لقضايا المال وغيرها، وهو النقص الذي يمكن تداركه باستثارة الوعي، ويصعب تصوره كاملاً في ظلّ تطور أجهزة الأعلام ووسائل الاتصال، كما أنه لا يتّسق في مداه الأقصى مع ما تقوم به المرأة المسلمة من حركة اجتماعية كصلة الرحم وشهود الصلوات الجامعة والعيدين، وهي الحركة التي توفّر الحدّ الأدنى اللازم من الوعي المرتبط بالأهلية العامة (9).
"النقص" في الحديث الشريف إذن ليس نقصًا فطريًا لازمًا، بل هو مرتبط ببعض الواجبات ذات الصلة بالأهلية "العامة/ الخاصّة" و "الأهلية الخاصة"، ولا يتعارض مع وجود نساء وهبهنَّ الله قدرات عالية في مجالات ينقص فيها مستوى عامة النساء بل وعامة الرجال، بل قد يكن أفضل فيها من الرجال، لأنّ الأمر منوط بالأهلية ذات العناصر الكسبية والأهلية الخاصة(10).
والجدير بالتأمل أنّ الحديث قد حدد نقص العقل بالشهادة التي يشهد فيها رجل وامرأتان، وهي الشهادة التي حدّدها القرآن في آية الدَّين في سورة البقرة، أمّا باقي الشهادات فقد اشترط فيها القرآن العدالة ولم يشترط الرجولة، وإن تفاوت العدد المطلوب من شهادة لأخرى، وهي العدالة المرتبطة بالعقيدة والرابطة الإيمانية. "منكم"، وهو اللفظ الذي تدخل فيه النساء لعموم الخطاب القرآني، ومن التضييق أن يتعلل بآية الدّين للطعن في ذاتية المرأة ورميها بالنقص العقلي الفطري؛ إذ أَنّ هذه الآية إرشادية لحفظ الحقوق من الضياع، ويرشد فيها عند تعذّر وجود الرجال إلى استشهاد امرأتين مع رجل واحد، والمرأة هنا قد تكون من العوام اللاتي لا خبرة لهن بمثل هذه الأمور المالية، كما قد تكون خاضعة لعارض مؤقت من عوارض الأهلية كالحيض أو النفاس، ولذا لزم الاحتياط لشهادتها فيما ليس من شأنها أن تحضره غالبًا (11)، أمّا بقية الشهادات فتتفاوت؛ منها الشهادات الكفائية التي يشترط فيها العدالة، فوجود المرأة المستوفية لشروطها فيها كشهادة الرجل كالشهادة على الوصية، كما قد تكون شهادات عينية لازمة كالشهادة في الحدود، وهنا يلزم المرأة الشهادة ويفترض فيها الأهلية العامة لفجأة حدوثها، لذا كان استخدام لفظ "منكم" عامّا في القرآن.
وقد أدى غياب هذه التفرقة إلى اختلاف العلماء في أمر شهادة المرأة اختلافًا واضحًا (12)، في حين أنه لو كان النقص العقلي في الحديث نقصًا فطريًا لكانت تعدية الثنائية المشروطة في الآية القرآنية واجبة في كلّ ما يثبت عن طريق امرأة حتى الولادة والبكارة وما يعدّ من شأن النساء، وهو ما قبِلَ العلماءُ شهادتها فيه منفردة بلا خلاف، ولَما قُبِلت شهادتها في شأن اللِّعان مع الرجل(13).
ويلاحظ أنه برغم اختلاف العلماء بشأن الشهادة فإنهم قد أجمعوا على قبول رواية المرأة (14)، وقد استدركت السيدة عائشة على الصحابة فحفظت عن رسول الله ما نسيه بعضهم (15)، كما شهد مجال رواية الحديث العديد من المحدِّثات؛ سواء كنّ صحابيات أم تابعيات (16).
وإذا كان البعض قد أرجع هذه التفرقة بين الرواية والشهادة إلى أن "الرواية تقع فيها المشاركة غالبًا فيروي مع المرأة غيرها ويظهر مع طول السنين أي خلل، بخلاف الشهادة التي ينقضي زمانها فلا يطلع على الغلط أحد لذا لزم التحوط" (17)، فإن آخرين رأوا العدالة لازمة في الشهادة والرواية على حدّ سواء؛ إذ "الضرورة تدعو لحفظ الشريعة في نقلها وصونها عن الكذب، وكذلك الفتوى" (18)،، مما يثير تساؤلاً: كيف تقبل رواية المرأة للحديث إذا كانت مجبولة على النقص فتضيع الشريعة، ولا تقبل شهادتها في الحوادث العارضة؟
ويُعَد قبول الرسول -صلى الله عليه وسلم - لإجارة (أمان) المرأة أحد الأدلّة على الأهلية السياسية؛ إذ أجارت المرأة على عهده الكافر في دار الإسلام، ولو كانت المرأة ناقصة الأهلية لما وثق في تقديرها، ولما أجيزت تصرفات لها متعلّقة بمصلحة الأُمّة. وقد أجاز الجمهور أمان المرأة، في حين ذهب البعض إلى أنه موقوف على إذن الإمام، وأنه جاز لأن رسول الله أجازه لا لصحته في ذاته، رغم تكرر حوادث الإجارة التي أجازها رسولُ الله أكثر من مرة (19)، فهو لم يردّ أمان امرأة قط، فإن قيل: إنّ إجارة الإمام لازمة فهي في الواقع لازمة للرجال أيضًا كي لا تتعارض مع المصلحة.
ويلاحظ أن الاختلاف هنا راجع لاختلاف الآراء في أهلية المرأة، فمن رأى نقص المرأة ذهب إلى عدم جواز أمانها، ومن قاسها على الرجل ولم يرَ بينهما فرقًا ذهب إلى جوازه (20). وبدلاً من أن تكون إجازة رسول الله لأمان المرأة دليلاً من أدلة أهليتها أضحت الآراء المختلفة في أهليتها دليلاً على جواز الإجارة من عدمه، مما جعل الفقه حجّة على السُّنّة لا العكس، وهو ما يناقض أوليات المنهج الأصولي، وهو ما يعزز الرأي الذي نتبناه وهو أن المرأة تتمتع بالأهلية السياسية التي يشترط توافرها لمن يتولى الولايات العامة.
إن استيعاب مسألة الأهلية السياسية للمرأة لا يتمّ كما ذكرنا إلا بضبط المسألة من خلال أنواع الأهلية وفئات النساء وطبيعة التكاليف الشرعية، وهو ما يجعل تحديد: أي امرأة؟ وفي أي مجال؟ هو مفتاح فهم الأحكام وتنزيلها، وهو ما تتناوله الدراسة من خلال دراسة كلّ فعالية سياسية على مستوى الأُمة ومجال المرأة فيها
|
|
|
|
|
|