|
إن
المفكر يعيش واقعـه على مستويين:
1-
مستوى المعايشـة الكلية من خلال تفاعل مركب
مع الحدث أو واقع الزمان والمكان.
2-
ثم على مستوى الوعي الانعكاسي النقـدي في
النظر والتأمل في هذا الواقع، بعـد اختمار
أو اختزان وجداني. وقد تتداخل مرحلة
المعايشة مع مرحلة الاسترجاع.
وفي
كل الحالات: غالباً ما تتم هذه العمليات في
ضوء مرجعية ذاتية تحكم مسارات القراءة:
تفسيراً وتأويلاً وتحليلاً أو تنظيراً
وتقويماً، وتعود إلى مساحات قَبْلِية -أي ما
قبل المنهج- سواء كانت واعية أو غير واعية.
الإطار
المرجعي والظاهرة المركبة
ولا
يخفى أهميـة الإطار المرجعي الذي ينطلق منه
النظر؛ حيث إنه لا يتوقف عليه فقط تحديد
الماهيات، ولكن يتعـدى أثره إلى تكييف
الآليات: آليات البحث العلمي في الظاهرة
الاجتماعية وســؤال التكافؤ المنهاجي على
نحو ما سوف نرى.
فالمرجعية
القرآنية التي ينطلق منها الباحث عند
اقترابه للواقع العمراني تتخذ من التوحيد
والعمران والتزكية قيماً عليا في التعامل مع
هذا الواقع: فهماً أو سلوكاً. فإذا ما تحدثنا
عن العمارة والعبادة في ضوء هذا المنظور
قلنا: إنهما وجهان لعملة واحدة. ونظرنا إلى
الأمـة يجب أن ينطلق من هذا الإطار. وعندها
يثور السؤال، كيف نترجم مفهوم الأمة على
مستوى المنهج وليس من مجرد المعايشة
الوجدانية لمفاهيمه؟ فإذا كان المنهج
العلمي الحديث يقتصر في دراسته على الظواهر
أو الأوضاع التاريخية والمؤثرات المادية
وهو ما يمكن أن نسميه "بالبرّانيات"
فإنه لا بد من أن نوجد النموذج والنسق
التوحيدي الذي يمكننا من التعامل مع ما دون
ذلك وما وراءه من كوامن ومطلقات تؤطر
للدوافع والأوجه عند تقويم الوقائع
والوشائج في مدار الحراك العمراني: بالتالي
فإنه لا بد من إعادة النظر في مفهوم الظاهرة
الاجتماعية ذاتها، وفي تقويم الواقعـة
التاريخية، بحيث نكون إزاء منهاج يستطيع أن
يتعامل مع كل من القيم والمعنويات، ومجال
"الجوانيات" إن صح التعبير، إضافة إلى
أبعاد الزمان والمكان التي تؤسس للنسبية
والسببية في توالي الظواهر وتعاقب الأحداث.
وقد
رأيت من خلال الدراسة والمعايشة لواقع
مستشكل من خلال رؤية متخصصة، أننا إزاء
ظاهرة مركبة، متعددة الأبعاد متداخلة
المستويات، وأن طبيعة الأمة في الإسلام إنما
تفرض إعادة النظر في المنهج؛ فلا يمكن دراسة
وفهم خصوصيتها إلا من خلال منظور يجمع في
رؤيته ومقارباته بين أبعاد شتى لا تتيحها
الأطر والمناهج التي تدور في رحى الوضعية
الراهنة؛ فالمنظور الأكاديمي المطلوب (والمطروح)
لا بد أن يكون قادراً على الاستجابة
والتعامل المنهجي مع أبعاد شتى للظاهرة
الاجتماعية العمرانية التي تنطوي على أبعاد
وجودية إنسانية تاريخية حضارية يتداخل فيها
الخارج والداخل، والظاهر والباطن، والبراني
والجواني.
وواضح
أن التعامل من خلال المنظور البديل مع
الظواهر الاجتماعية والعمرانية يكون أكثر
واقعية؛ لأنه على وعي بالطبيعة المعقـدة
والمركبة لتلك الظواهر، ولكن يبقى السؤال
المنهاجي حول أدوات التناول والاقتراب على
النحو الذي يحقق التواؤم بين أداة البحث
وموضوعه وهو ما درجنا على تسميته بالتكافؤ
المنهاجي.
وعلى
هذا المنوال كانت من أولى التحديات التي
واجهت الباحث عند تناول الظاهرة الاجتماعية
العمرانية من المنظور البديل الذي أخذت
تتبلور معالمه منذ حين، هو مقتضيات النظر في
العلاقة بين النسبي والمطلق فيها، وبين
عناصر الاستمرارية ومكامن التغيير، أو كما
أسماه البعض الثابت والمتحول.
الأمة
بين الاشتراك والتميز
الأمة
تجمع بين عناصر تشترك فيها مع غيرها من الأمم
والجماعات السياسية، وبين عناصر تميزها أو
تتفرد بها؛ بحكم تمايز النشأة أو قاعدة
التأسيس والتكوين أو بحكم ثوابت كامنة أو
وظيفة حضارية مستبطنة. والمهم الإشارة إلى
وجود مثل هذا التمييز وما يترتب عليه من آثار
منهجية وغيرها.
أما
من حيث المشتركات التي تشاطر فيها الأمـة في
الإسلام غيرها من الجماعات فهي تقع في محيط
الأسباب الموضوعية أو التاريخية، والتي
تنعكس أول ما تنعكس في مستويات الأداء
والتمكن، وترتبط بمعطيات ومؤشرات مادية
وتنظيمية، فتكون ضمن الشروط العامة
والمقدمات في النهضة والنمو أو التقهقر
والانهيار والاندثار. فالأمة تخضع في جملة
مسارها لسنن الأطوار والآجال. وكل أمة تأتي
ومعها مقدماتها وتُخـلّف في أعقابها الآثار.
وهذا ما نعنيه بـ"النسبية" في هذا
المجال. ولكن أين الثوابت أو أبعـاد الإطلاق
عند النظر في الجماعة التي ولدت مع اكتمال
الدين في منشـأ الإسلام؟.
إن
من خصوصيات الأمة في الإسلام، ضمن ما لها من
خصوصيات، أن ارتبطت بالعقيدة الدعوة؛ وهو ما
أضفى عليها بـُعداً غيبيـًّا إضافة إلى
أبعاد تكوينية ووظيفية وغـائية معلومة.
فالأمة ارتبطت بالتوحيد وهي وعاء الرسالة
الخاتمة، فالرسول e عندما مات لم يخلف إمامة
أو دولة، ولكنه ترك أمة انبثقت منها
المؤسسات والمدارس والأئمة والدول. فليست
الدولة في الإسلام مداراً للأمة: قياماً
وتطوراً وامتداداً وضموراً، ولكن الأمة
تدور مع العقيدة، والعقيدة هي منطلق بقاء
الأمـة. أما الدولة فقد تكون أو لا تكون،
فبتأسيسها تكتمل مقومات البنية العمرانية
للأمـة، وتكون أداة الذود والمدافعـة عنها
وتمثيلها وصيانة مصالحها ونظمها، فالدولة
ليست بالمنشئ للأمة أو البديل عنها، ولكنها
تدخل في عداد الهيئات المكملة أو المتممة،
بقدر ما تؤمّن للكينونة الجماعية الأم شروط
الحضور التاريخي الفاعل (ومن نفس المنطلق
فإن الدولة في حال تفريغها من مقاصدها
العليا، وتمييع أصولها، قد تعيق هذا الحضور،
وتـُشلّـه، ولكنها لا تُـبطله ولا تنفيه).
أما
نشـأة وتواصل وحضانة ومناعة وخصائص هذه
الأمـة فشـيء آخر في المناط والبقاء: وطالما
أن هناك قرآناً فهناك أمـة، وتبقى تلك
الأمـة بخصائصها الأصيلة ودورات تنشئتها
المنيعـة هي الوعاء البشــري المحكم للقرآن
الكريم... ولو كان وجودها – كما يقول
المناطقـة - بالقوة، ولو بقيت هذه الأمــة
متمثلة في فرد - مثل إبراهيم عليه السلام.
إذن
-ومع وقفة منهاجية أخرى للقراءة في الدلالات
التي تربط بين المقدمات والنتائج وبين
الماهيات والآليات- نرى كيف أن التمايز في
مرجعية الأمـة تأويلا وتأريخاً من حيث الأسس
والأصول، من شأنه أن ينعكس على العلم موضع
النظر، وأنه في حالٍ ما يكون الأمر على غير
ذلك، من المنطقي أن تكون المفارقـة بين واقع
حال تعيشه الأمــة في ضميرها الجمعي وبين
مؤسسات ونظم تعليمية وفكرية وثقافية منبتة
الجذور عن هذا الواقع!
الأمة
في التراث والتاريخ
لقد
باتت العلاقة الجدلية بين الأمة والعقيدة هي
الخصوصية التي شكلت المدخل لمراجعة مفهوم
الأمة، ولمعاودة النظر في بعض المفارقات
التي وجدت في تراثنا نحن المسلمين. ففي
التراث يوجد الفرد المسلم موضع التكليف
والالتزام، ويوجد الفعـل مناط الوجوب
والحلال والحرام، كما يكثر البحث في الإمامة
وشروط انعقادها، وفي الإمام ووجوب الطاعة
له، وأمور السياسة الشرعية والأمر بالمعروف
والنهي عن المنكر، وغيرها من قضايا السياسة،
والخراج والقضاء. ولكن يبقى السؤال الشاهد
الغائب أبداً: أين الأمة؟ وكيف يغيب ذكر
الأمة؟ ويكثر اللغط في الفِرَق والملل
والنحل.
والأمــة
هي التي شهد التاريخ مولدها مع شـهادة أن لا
إله إلا الله وأن محمدا رسول الله!.. فالمسلم
الفرد حين يتوجه ويأخذ العهد –فرداً- ويقول:
أشهد أن لا إله إلا الله ينتقل بعدها ليكون -جمعاً-
في "إياك نعبد وإياك نستعين" - مع ملاحظة
نون الجماعة - فالفرد يدخل عقد الإسلام
بشهادة يدخل فيها بوثاق يشده إلى خالقه
وبوشائج تربطه بجماعة ثابتة الأصول معلومة
الوجهة: وكأنه قد اكتسب بموجب الشهادة عقيدة
وهداية، مع هوية وانتماء وغاية: وهذا
المقصود بالجمع بين الشهادتين، أو بالأحرى
بين شقي الشهادة: شهادة أن لا إله إلا الله،
وشهادة أن محمداً رسول الله. رباط رأسي مع
الخالق ومع الغيب ومع المصدر، وفي نفس الوقت
بهذه الشهادة يدخل في علاقة أفقية تجمعه مع
الجماعة ومع الأمة ومع الجماعة الأولى.
فالعقيدة تلقي بخصائصها على خصائص الجماعة
وفي نفس الوقت تصوغ نفسية الفرد المسلم، ومن
خلال هذه النفسية تصاغ أيضا الجماعة ونفسية
الجماعة وخصوصيتها.
فإذا
كان المدخل إلى الأمة في الإسلام يرتبط
بالعقيدة أكثر مما يرتبط بالدولة ومسارها
التاريخي فكيف يمكن أن ننظر إلى عمليات
التنشئة، سواء جاءت في مستوى (الفرد الجماعة)
أو (الفرد الأمة) في جماعة نوعية يتواصل
كيانها عبر وجود المسلم، سواء وجدت الظروف
المواتية لتأمين النشأة والهوية أم لم توجد،
سواء وجدت الأطر الخارجية التي تدعم من هذا
الوعي أم لم توجد؟ وهذا ما يفتح لنا المجال
لإنعام النظر في طبيعة ما نطلق عليه دورة
التنشئة الذاتية والتجدد الدوري على نحو ما
أمنته العقيـدة بخصائصها وخصوصياتها.
وإن
كانت هذه الدورة تبدأ من الفرد، فهي تمتـد
لتشمل الجماعة، ولذلك نجد أنفسنا إزاء نسق
فريد من التنشئة تكون العقيدة فيها هي
المؤسـِسة، ويبقى القرآن هو المدرســة
والرسول e مصدر الأسوة، وتكون جامعة القيم
وتفعيلها هي المعيار والحكم في حضور الأمـة.
ولا يغيب عنا معنى أن خليل الله وأبا
الأنبياء بما يمثله من نهج حنيف (إن صلاتي
ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين)، وصف
في القرآن الكريم "بالأمة" .. وأن تاريخ
الأمــة في الإسلام - أمـة النبي عليه السلام
منذ أسسها ليجعل منها وعاء الرسالة وحصن
الأمانة ومحضنها - لم تخل قط من نماذج الفرد-الأمــة:
ومن يكون؟ إنه الفرد الذي تمثل قلباً وعقلاً
ووجدانا قيم الأمـة ومثلها وهمومها
وآمالها، بحيث جاء فعله من موقعـه في لحظة
تاريخية معينة وكأنه استجابة لحاجة جامحة
تعيشها الأمة في هذه اللحظة، وكأن إرادته
إرادة جامعة وليست إرادة مفردة، بها تبعث
قيمة عليا من قيم الحق وتحدث أثـرها في واقع
مشهود. والفرد الأمـة ليس بالضرورة أن يكون
عمر بن عبد العزيز ليقيم مسار دولة، ولو
لفترة، ولا صلاح الدين لينشل أمة من مذلة
وهوان، ولا أبو حامد الغزالي وهو يعيش ملحمة
إحياء علوم الدين، ولا ابن تيمية وهو يراوح
ما بين السيف والقلم حاملاً قلب هذه الأمـة
وعرضها في جوفه، ولكن يعيش هذا الفرد في كل
عصر وكل مصر دون اشتراط الشهرة والألقاب،
ولكن يكفي أن تهب رياح الخطر على هذا الدين
ومستضعفيه، فإذا الأمـة تجده على ثغرة وقد
خرج فرداً أو معه نفر من أولي العزم وقد
جاءوا رجالاً يسعون في الله وقد تنادوا من كل
فج عميق.
والسؤال
الذي يطرحه مراقب الساحة لم يعد متى ينضب هذا
المعين؟ ولكن السؤال هو كيف؟ وما هي آليات
الإنضاج التي تكفل ظهور الفرد الأمة في كل
جيل وكل حين؟ أما نحن في حقل التخصص وقد
استقام على أصول معرفية بديلة، فلنا أن نؤصل
لدورة التنشــئة الذاتية التي تحفظ للأمة
قوامها، الأمـة فرداً وجماعـة، ضمن مسارات
التجدد الدوري الذي أمنته الرسالة الخاتمة
لمن أعدّ كي يحمل أمانة الرسالة إلى أن يرث
الله الأرض ومن عليها في يوم الدين. ومن هنا
كان وصف القرآن الكريم بـ "إن إبراهيم كان
أمة"، ومن هنا كذلك جاء قوله تعالى: "كنتم
خير أمـة أخرجت للناس.." لا كقول يخاطب
لحظة فارقناها، ولكن كقول فصل ماض وملازم
لكل اللحظات المفصلية الفارقة التي لا تغيب
عنا في أي زمان.
إنه
لا بد من فهم العقيدة بأبعادها ودلالاتها
التي تجعل من التوحيد المنظومة القيمية
والعقلية والفكرية، بل والمنظومة الحياتية
التي تجمع وتصل بين عناصر كيان الأمة، وهي
أمـة تعيش اليوم حالة فصام لا يدرك أبعاده
مثل المتخصص في العلوم الاجتماعية والباحث
في أنساق القيم والسلوكيات في الأفراد
والجماعات. ومن إدراك لأهمية التجانس
والتوافق الداخلي للأنماط السلوكية
والعقـدية في حياة الأمة، بدأ التفكير في
الإطار المرجعي الذي ينبغي أن يؤسس لإعادة
بناء المدركات والمفاهيم والقيم بشكل واعٍ
منطقي وممنهج، عسى أن تردم الفجوة القائمة
بين وجدانيات هذه الأمــة وبين أصولها
ومساحاتها المعرفيـة والعقــلية المُغيّبة.
وعليه
فقـد بدأ التجوال في تاريخ هذا الكيان الذي
انتفت مظاهره التنظيمية من التاريخ السياسي
في العقود الأولى من القرن العشرين (وإن كانت
شهادة الوفاة الرسمية قد خطت بقرار إلغاء
الخلافة العثمانية في 1924 إلا أن مخاض الصدمة
بات يداهم الضمير السياسي خلال متفرقات
العقود التالية) - ولكن إذا كان الشيء يعرف
بأثره، فأثر وجود الأمة واضح- إيجاباً
وسلباً - وهذا ما فرض علينا وقفة مراجعة
وإعادة تفكير، لاستبطان ظواهر الأمور
والتشكيك في بعض مسلمات العصر ومقولات
أصحابه من أدعياء وخبراء، ومن ثم تيسرت لنا
آفاق بكر جاءت بفتوحات في مجالات معرفية
جديدة ظُن أنها مغلقة دوننا. وبدأ الترحال...
على نحو ما سبق، وهو ما يمكن أن ننعته
بالمستوى الأول من ابتعاث الوعي المنهاجي.
ففي هذا المستوى بدأنا بالنظر من موقع
التجريد بالتأمل في طبيعة العلاقة بين
العقيدة والجماعة، وبين امتدادات العقيــدة
في الممارسة وأثرها في آليات تشكل الجماعة
وتواصلها، ومستويات ومراتب هذا التواصل،
وقنوات الاستبطان والاستظهار، وغير ذلك.
الأمة
وصفة القطبية
وبالرجوع
إلى نشأة الجماعة المسلمة الأولى وجدنا أنها
إضافة إلى سمات النسبية والمطلق، تجمع بين
سمات المثالية والواقعية على نحو متفرد، حتى
إننا يمكن أن نؤصل لنسق "المثالية
الواقعية" ضمن خصائصها التكوينية.
فالجماعة السياسية الأولى التي عرفها
الكيان الاجتماعي الحضاري في الإسلام كانت
معلومة المنشأ ومثلها الأعلى ملموس في
مقارباتها للواقع المعيش. فلم يكن الفكر
السياسي الإسلامي في حاجة لنسج الأساطير أو
بث الخيالات حول "المدينة الفاضلة" دأب
الفكر السياسي الغربي -قديمه وحديثه سواء-
وهو يؤصل للالتزام السياسي وشرعية الدولة /
السلطة.
فإذا
كان مفكرو العقد الاجتماعي من أمثال هوبز
وولوك وروسو قد لجئوا إلى أسطورة تأسيسية في
هذا المجال، فقـد شهدت الأمـة فعلا وقائع
تأسيسية ومدونات سجلها التاريخ ووثقها شهود
عيان، سواء كان ذلك في صحيفة المدينة أو
وقائع المبايعة أو عهود الأمان، فجاءت
الروابط العاقدة والملزمة في الجماعة
الأمـة خير نموذج لنسق من المثالية الواقعية.
ولم تكن محكومة بما يمكن أن يسمى بالعقد
الاجتماعي ولم تكن محكومة بالثنائيات، بل
بمنطق الوسطية التي تجمع المتناثرات وتجمع
المشترك وتجمع الأبعاد المختلفة للحياة،
هذه الوسطية التي لا تعني مكاناً وسطاً بين
أطراف متباعدة، ولا تعني وسطاً حسابيًّا
تطرح من قيمة وتضيف إلى أخرى لاستخلاص فضيلة
بين متفاضلات، ولكنها الوسطية التي تعرّف من
منطلق التوحيد حيث يتكامل المثال والقيم
والفكر والواقع المعيش الذي تتنزل القيم
والفكر والمثال.
وبعد
النظر والتفاعل مع العناصر التكوينية
الحيوية والتركيبية لهذه الأمة الخاصة،
وجدت أن أقرب صفة أستطيع أن أسندها لهذه
الأمة هي صفة القطبية، وهي الصفة التي مكنت
الأمة من الاستقطاب والقابلية والقدرة على
التجميع حولها لشتى القبائل والشعوب، هذه
الأمة صاحبة رسالة لا تقوم على عرف أو لون أو
إقليم ولكن تقوم على دعوة ورسالة تحمل طاقة
إشعاعية تمد من خلال التاريخ وتجمع القبائل
والشعوب والألسنة المختلفة المتنوعة. إنها
الأمة القطب التي تستوعب وتدمج دون أن تزيل
خصوصيات الأمم وتضيع ملامحها. وتجمع وتوحد
وفي نفس الوقت تعمل على الإثراء والمحافظة
على التعدد.
أي
أننا في غمرة هذه الوقفة التسجيلية تعاودنا
أصداء جدليات الحوارات الدائرة في إطار
التأسيس للشرعية الدولية الجديدة في نظام
دولي أحادي القطب، وأحادي البعد تتملكه
هواجس الهيمنة في ظل فرعنة العولمة. فنلتفت
إلى جانب من الملامح التكوينية التي رصدناها
أعلاه لنرى معنى ودلالة أن الأمة القطب تعلم
وتُعلّم أن التعدد على أشكاله سنة وآية، وأن
العبرة في أي نظام هي بانفتاحه على
الاختلافات النوعية، وليس بظاهر التكاثر
الشكلي والكمي، وأن التعدد الحقيق بالنظر
إنما هو أصل من سمات الخلق وقاعدة للدافعية
والتكامل في منطق قوامه السبق والتعارف، ولا
يكون التنوع والاختلاف موجباً في ذاته
وبالضرورة للخلاف والنفور والتناقض
والعداوة.
ليس
عندنا -نحن معشر حملة القرآن- أسطورة بابل
التي ترجع الاختلاف بين الناس إلى نقمـة
الرب وغضبه، والتي تؤصل بذلك لناموس التضاد
والتنافر المؤدي إلى شرعة الاصطراع والغلبة
والتهلكة. وكأننا بهذه الملاحظة أردنا أن
نردف بهامش تعقيب على ما يدور من سـجالات
العصر في هذا المقام.
إن
العالم اليوم هو أحوج ما يكون إلى نموذج
الأمة القطب -ولكن كيف يمكن لهذا النموذج أن
يقدم وأهله غائبون، يعيشون - أفراداً
وشتاتاً جماعات - في غيبة وعي وغفلة مقام،
ولا يدرون أهم جزء من أمة ذات تمايز وتفرد،
أم هم أشلاء عصب متفرقة.. (وإن كان هناك من
ينعق بشيء من ذلك فإنه من قبيل التنطع
والمفاخرة والمواربة دون ما تعقل أو توسل) -
ولهذا فإن بناء الوعي والتأصيل له إن هو إلا
جزء أساسي من جملة التدارك والاستدراك
لتقديم الأمـة نموذجاً لأنفسنا أولا قبل أن
نقدمه للعالم.
إننا
يمكن أن نتمثل الأمة القطب في عالم الموجبات
على أنها الأمة الوسط - وسط المعمورة
المأهولة بقيم الحق التي هي قوام العمارة،
وبقدر فعاليتها يكون الترجيح لكفة الصلاح
على الفساد في لون العمارة، فعلى الأمة
القطب يعتمد المجال الاجتماعي العمراني في
تحقيق التوازن فيما بين الأمم والحضارات،
ولكن كيف يتأتى لها ذلك ما لم تكن على مستوى
من التمكن في فنون العصر ووسائله ومسائله،
بحيث تجمع ما بين القيم العليا التي تمثلتها
والتي منها منشـؤها وبها مناطها، وبين
الوسائط المادية التي تهيئ لها من سنن
السببية: فيكون لها الحضور التاريخي الذي من
خلاله تحقق مقتضيات الشهادة بين الأمم على
نحو ما ذكرنا. والمسألة لا تقف عند مستوى
قراءة خصائص أمة وتقرير وظائف، وإنما تمتد
دلالاتها لتكييف نظم تعمل في البيئة
الاجتماعية الحضارية التي هي مجال لحيويات
الأمـة.
فالخصائص
التكوينية والوظيفية للأمـة الوسط من شأنها
أن تنعكس على طبيعـة حضورها التاريخي في كل
مرحلة أو حقبة من هذا الحضور، ليجمع بين
الفاعلية والمعيارية، أو بين شروط التمكين
ومعايير التقويم، وذلك في كافة أبعاد هذا
الحضور ومجالاته. ولنأخذ مثالا مجال المعارف
والعلوم التي تستوي عليها المدنية فلا بد من
التعرف على معايير الاختيار والترجيح بين
تلك العلوم، وعلى طبيعــة الأسس المعرفية
التي يقوم عليها التفاضل في هذا المجال.
فيكون من البديهيات أن تنشأ وتنشط في
أروقتها المعارف بنوعيها، "الكونية" و"العمرانية"،
فلا تغفل واحدة على حساب أخرى، في موقع تؤصل
علومها جميعاً على قاعدة معرفية قيمية تؤطر
لمساحات يكون إعمال العقل فيها على اختلاف
مستويات التفعيل، في مواضع النظر في حيز
العمارة البشرية وأواصر العلائق الاجتماعية
والمدنية والدولية، أو في مواضع التنقيب في
طبائع الأشياء والتعرف على سنن الخلق
والتطور في الآفاق والأنفس (العلوم الطبيعية
والحيوية) فتكون جميعها علوماً نافعة
ومطلوبة، بل ومفروضة، تقتضيها شرعة التمكن
لتخـّرج أمـة الخيرية للناس، لتقيم الميزان
بين الأمم، من خلال ما تقـدمـه من "نموذج"
لمثل عليا قابلة للتنزيل وللتفعيل، فتشحذ
آليات الجاذبية في مســار العمران
البشــري، ليكون مجالاً حيويًّا يعمل على
تلطيف المتناهيات بين طرفي الإفراط
والتفريط، وتهذيب الانحرافات في موازين
البشر من خلال استقامة أرضيتها الوسطية
وقوامها روحاً ومنهاجاً، المنظومة العقـدية
التي مدارها التوحيد والتي تبقى نبراسا
للإشعاع.
مجمل
المقال
ومجمل
المقال أن التأصيل للأمة كواقع حيّ اقتضى
بنا الانتقال في النظر والتنظير ما بين
الظاهرة تاريخاً ومفهوماً، لنعيد قراءة
الواقع في ضوء الهدي القرآني، ونستخلص من
الأمــة الوسـط ملامح "الأمــة القطب"،
ثم نعود بهذا المفهوم التحليلي إلى حقل
دراسي لنكتشف إمكانيات، بل ضرورة بناء نظرة
كلية في كليات الاجتماع الحضاري، ولنتبين
المثالب وجوانب القصور في المنظومة أحادية
المنطلق التي تقوم عليها الجامعة الحديثة
بشجرة معارفها المشطّرة والمجزئة. وحتى نعيد
بناء مدركاتنا وجدنا أننا في حاجة لإعادة
بناء جامعاتنا، وأن العلاقة بين الأمة
الجماعة والأمة الجامعة علاقة الناظم
بالنظم -لو جاز التعبير- فتكون عملية
المراجعات الفكرية بمثابة النظم التي على
عقول الأمـة أن تجتمع حولها من منطلق الربط
بين أصول عقدية ومعرفية مستقاة من مصادرنا
وبين السقف المعرفي للعصر، مع السعي لتوظيف
نتاج هذه العملية الاجتهادية التجديدية
توظيفاً جذريًّا، عاقداً جامعاً، استجابة
لحاجيات العصر.
نحن
إذن إزاء مجال غني في دراسة العمرانيات
ودراسة الكونيات - وهو مجال يتيحه لنا الوعي
المنهاجي بطبيعة مفهوم الأمـة وقابلياته
وإسقاطاته ودلالاته، وهي دراسة يجب أن تبدأ
بمراجعة من نحن؟ وما تاريخنا؟ فالأمة كظاهرة
ومفهوم تفتح لنا مجالا لإعادة بناء مدركاتنا
ونظمنا وبناء جامعاتنا وعلومنا على نهج جديد
يؤمن لنا حاضرنا وحضورنا التاريخي وتوثبنا
لغد واعد في غمرة رياح عاتية تهب من مغرب
عولمة جامحة، وأنا أدعو في هذا المقام لمزيد
من البحث عن "مفاعل الاستقطاب" الذي هو
من خصائص التكوين والتفعيل لهذه الأمة،
والذي من شأنه أن يحفظ لنا وللعالمية
الراهنة عوداً نافعاً: فما هو وكيف يعمل،
وماذا عن دورة التنشئة الذاتية التي من
شأنها أن تحفظ عزة ومنعة ومناعة أجيال
الأمة، ما هي شروطها وكيف تتم وهل يمكن لنا
دعمها من خلال برامجنا ومؤسساتنا التعليمية
والتربوية والمدنية؟ ثم ماذا عن خصائص
التماثل والتمايز في الأمة القطب مع غيرها
من الأمم؟ هل يمكن لنا أن نؤصل للدراسات
السياسية المقارنة من خلال تقديم المفاهيم
والأطر البديلة التي تثري حقل الدراسة وعقل
الباحث؟ وأين دور المؤثرات الوضعية
والتاريخية وأبعاد الزمان والمكان؟ وأين
هذه المؤثرات من حيوية هذا الكيان وقابلياته
اليوم؟ هل يمكن لنا معرفة هذه وتلك حتى يمكن
أن نسهم في ترشيد وعي وتقويم بيئة سياسية
بمؤسساتها ومن يقوم بتمثيلها. وهذا قليل من
كثير من جملة التساؤلات التي تسعى لربط
فكرنا بواقعنا.
المهم
أننا ما لم نعدّ أنفسنا لمواجهة واقعنا
السياسي المعاصر كجزء من واقع حضاري أشمل،
على مستوى التحدي الفكري للعصر، وعلى مستوى
التحدي المعرفي لمصادرنا التأسيسية ذاتها،
فلن يتسنى لنا استرداد فاعليتنا وحضورنا
التاريخي، وما لم نستحضر النموذج في قلوبنا
وعقولنا أولاً، فلن يتم تفعيله في الواقع.
وبداية المجتهد في هذا السبيل هي التأهيل
النفسي لإعادة صياغة عقولنا وبناء مدركاتنا
من خلال إعادة قراءة لأصولنا وتمحيص مصادرنا
وربطها بواقعنا على نحو ما قدمنا، حتى نكون
في موقع التمكن، القادر على العطاء والأداء،
وإلا فلن يكون لنا الدور المنشود، ففاقد
الشيء لا يعطيه.
اقرأ أيضا:
** أستاذة
بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية
|