|
إذا كان استقراء النصوص
عامة، والنصوص المتعلقة بالوقف خاصة، أظهرت - بما لا يدع مجالا للمراء
- أن معيار المصلحة هو المعيار الصحيح الذي لا يحيف، وأن ميزانها هو
الميزان العدل الذي لا يجور، يصبح السؤال: كيف يتحقق قيام المصلحة، وهل
هي مصلحة خاصة خالية من معارض المفاسد التي قد تعطل تأثير المصلحة
وتبطل مفعولها؟ لا جرم أنه لا توجد – في الغالب – مصلحة محضة عَرِية عن
مفسدة أو ضرر من وجه، وقد أوضح ذلك أبو إسحاق الشاطبي خير إيضاح، وبينه
خير بيان، حيث قال: (المسألة الخامسة):
"المصالح المبثوثة في هذه
الدار يُنظر إليها من جهة مواقع الوجود، ومن جهة تعلق الخطاب الشرعي
لها. فأما النظر الأول: فإن المصالح الدنيوية - من حيث هي موجودة هنا-
لا يتخلص كونها مصالح محضة.. وبعد تعريف المصلحة أضاف: كما أن المفاسد
الدنيوية ليست بمفاسد محضة من حيث مواقع الوجود، إذ ما من مفسدة تفرض
في العادة الجارية إلا ويقترن بها، أو يسبقها، أو يتتبعها من الرفق
واللطف ونيل اللذات كثير". وبعد أن برهن على "أن هذه الدار على
الامتزاج بين الطرفين، والاختلاط بين القبيلين" ، قال رحمه الله تعالى:
"وأما النظر الثاني فيها من حيث تعلق الخطاب شرعا:
فالمصلحة إذا كانت هي
الغالبة عند مناظرتها مع المفسدة في حكم الاعتياد، فهي المقصودة شرعا،
ولتحصيلها وقع الطلب على العباد ليجري قانونها على أقوم طريق وأهدى
سبيل".
ثم يردف: "وكذلك المفسدة إذا
كانت هي الغالبة بالنظر إلى المصلحة في حكم الاعتياد فرفعها هو المقصود
شرعا، ولأجله وقع النهي" .(1)
وكلام الشاطبي يرجع على
قاعدة أخرى هي أن الغالب كالمحقق. "قال أبو عبد الله المقري: قاعدة
المشهور من مذهب مالك أن الغالب كالمحقق في الحكم" .
(2)
المراد من هذه المقدمة تحرير
المصلحة المعتبرة التي يمكن أن تؤثر في الوقف أنها مصلحة غالبة عادة،
يُطلب جلبها شرعا، أو مفسدة غالبة عادة، يطلب درؤها شرعا، فإذا لم يقع
تحقق غلبة المصلحة على المفسدة فإن الإبقاء على أصل الثبات في الوقف
مُسَلم الثبوت، فليست كل مصلحة عارضة يمكن أن تزعزع أركان الوقف وتَصرف
ألفاظ الواقف عن مواضعها وتحرك الغلات عن مواقعها.
اقرأ
نص البحث كاملا:
اقرأ أيضا:
** أستاذ بجامعة الملك عبد العزيز – جدة
(1)
يُراجع لما تقدم: الموافقات 2 /25-26-27 تحقيق دراز.
(2) المنجور شرح
المنهج ، ص112.
|