|
وإذا كانت الشريعة مبنية على
المصالح جَلْبا، فهل تُبنى الأحكام على لائحات المصالح دون اعتبار
لدلالة النصوص؟ ذلك موضوع آخر لوزن المصالح توقف عنده العلماء فقسموا
المصالح - على ضوئه - إلى ثلاثة أقسام:
- مصالح معتبرة بشهادة النص،
وهي التي يعبر عنها "بالمناسب المعتبر".
- ومصالح ملغاة، وهي التي
شهد الشرع ببطلانها.
- والنوع الثالث من المصالح:
ما لم يشهد له الشرع ببطلان ولا اعتبار معين .(1)
على ضوء هذه التوطئة عن
المصالح يمكن أن نبحث عن مكان الوقف في سلم المصالح، ونحاول استجلاء
حكمته لنصل إلى تصنيفه، ولنقدم الأسئلة العملية التي تترتب عليها نتائج
في مجال الوقف.
إن السؤال المهم: هل الوقفية
تتضمن معنى "تعبديا" يمنع استغلال الحُبُس الاستغلالَ الأمثلَ
والانتفاع به الانتفاعَ الأشمل والأفضل، أم أن الوقفية تتجاوز الألفاظ
والمباني إلى المقاصد والمعاني، وتبعا لذلك لا تكون الوقفية حبسا عن
الاستغلال الكامل والانتفاع الشامل، بل حبسا عليه؟.
وبعبارة أخرى: هل الوقفية
تعني المنع من التبذير والتبديد، عن طريق المنع من تفويت الأصل مع
تثميره لصالح الموقوف عليهم واعتبار الاستمرار في "الوقفية" لا في
الذات الموقوفة؟.
ينبغي أن نؤكد بادئ ذي بداءة
أن الوقف ليس من التعبديات التي لا يعقل معناها، بل هو من معقول
المعنى، ومما أسماه ابن رشد بالمصلحي، وقد مر في كلام العز بن عبد
السلام تصنيفه في معقولات المعنى، فهو من نوع الصدقات والصلات والهبات؛
ففيه ما فيها من سد الخلات. وقد أكد القرافي ذلك المعنى حيث قال: "ولا
يصحح الشرع من الصدقات إلا المشتمل على المصالح الخالصة والراجحة".
(2)
وقال أيضا: "إن الشرع لا
يعتبر من المقاصد إلا ما تعلق به غرض صحيح محصل لمصلحة أو دارئ لمفسدة،
لذلك لا يسمع الحاكم الدعوى في الأشياء التافهة التي لا يتشاح العقلاء
فيها عادة" .
فالوقف يجمع بين الهبة
والصدقة، فهو قد يكون هبة وصلة رحم بحسب نية الواقف والعلاقة بالموقوف
عليهم، وقد يكون صدقة لوجهه تعالى مجردة عن كل غرض، وهو في حالتيه يخدم
المستقبل ويدخر للأجيال المقبلة، وقد ترتبت عليه مصالح واضحة للعيان:
* بالنسبة للأفراد الذين قد
تسطو عليهم عادية الزمان وتقسو عليهم صروف الدهر فيعجزون عن العمل أو
تنضب عليهم الموارد فيجدون في الوقف غيثا مدرارا ومعينا فياضا يحيي
مواتهم وينعش دماءهم، وينقع غلتهم، ويبرئ علتهم.
* وكذلك أيضا بالنسبة للأمة
التي تجد في الوقف مرفقا اجتماعيا واقتصاديا لمساعدة الفقراء والمعوزين
ومعالجة المرضى في المستشفيات الخيرية وتسهيل التنقل بالقناطر وحفر
الآبار واتخاذ الصهاريج والحراميز والمصانع على الطرقات ذات المسافات
البعيدة.
وتجد مؤسسة دينية وثقافية
تشيد بيوت الله للمصلين وترفع صروح المدارس والجامعات للعلماء والطلاب
والدارسين يأتيهم رزقهم بكرة وعشيا بلا مَن ولا أذى ليتفرغوا للعلم
والبحث ونشر المعرفة.
والوقف خير معين على الجهاد
وحماية الثغور ببناء الربط والمراكز في مناطق التماس مع العدو وتقديم
الدعم للمجاهدين فيما وقف في سبيل الله فيصرف منه أرزاقهم ويشترى به
الكراع والسلاح.
اقرأ
نص البحث كاملا:
اقرأ أيضا:
** أستاذ بجامعة الملك عبد العزيز – جدة
(1)
الطوفي 3 /205 وما بعدها.
(2) الذخيرة 6 /302.
|