بريدك الالكتروني


English

 
 

اسألوا أهل الذكر

|

معًا نربي أبناءنا

|

الحج والعمرة

|

الزكاة

|

صحية

|

دعوية

|

إيمانية

|

شبابية

استشارات:

 

في الموقع أيضًا:

الثقافة والفكر |  السياسة | التاريخ والحضارة | علوم وتكنولوجيا | الاقتصاد والتنمية


الجهاد المدني ونهاية الرواية الكبرى

د.محمد مسعد**

07/12/2003 

روى البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: دلّني على عمل يعدل الجهاد، قال: "لا أجده". وسأل الرجلَ -مؤكدًا على عظمة مكانة الجهاد- فقال له: "هل تستطيع إذا خرج المجاهد أن تدخل مسجدك فتقوم ولا تفتر، وتصوم ولا تفطر؟!". من البين هنا أن القيام والصيام -على علو شأنهما- ليسا صنفين من أصناف الجهاد الذي لا يعدل عمله عمل. إنه الجهاد الذي عرّفه الله تعالى حين قال في سورة التوبة: {إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيَقتلون ويُقتلون}، وهو الجهاد الذي ما أطلق اسمه خلال القرون الإسلامية المديدة إلا وعرف أن المقصود به بذل النفوس والدماء رخيصة ابتغاء وجه الله تعالى وصيانة لدينه.

الجهاد.. ومحاولات مطّ حدوده

في الآونة الأخيرة تم الالتفاف حول هذا المعنى الواضح للجهاد وتجنبه، وجرت محاولات لمطّ حدوده ليشمل معانيَ كثيرة؛ كالجهاد الأكبر: جهاد النفس، وتم اللجوء لتعريفات ترتكن إلى التفسير الحرفي للكلمة -بذْل أي "جهْد" في سبيل الله- بغية تسلية المحرومين من الجهاد الذين لا يجدون إليه سبيلا، أو سعيًا إلى دفع الناس لمحامد الأفعال كتزكية النفس وبذل المال ونشر الدعوة، أو دفاعًا عن تهم العنف الملصقة بالإسلام. لكن الحق أن للجهاد معنى شرعيًّا محددًا، فيه أن تَقتل وتُقتل، ونحن إما أن نقيمه أو لا نستطيع أن نقيمه أو لا نريد إقامته. نعم أطلق النبي صلى الله عليه وسلم الجهاد على شعيرة الحج، لكن ذلك في حديث أورده البخاري تحت باب "جهاد النساء" حين روي عن عائشة أم المؤمنين -رضي الله عنها- أنها قالت: استأذنت النبي صلى الله عليه وسلم في الجهاد، فقال: "جهادكن الحج". فالحج جهاد، لكنه جهاد النساء، أما جهاد الرجال الذي أرادته أم المؤمنين فتعريفه واضح ومحدد ومعلوم.

"الجهاد المدني" .. انعكاس لتفكك رواية الإسلاميين الكبرى!

ننتقل هنا إلى مصطلح "الجهاد المدني" الذي لجأ إليه -كما يذكر د.محمد أبو نمر، صاحب كتاب "اللاعنف وبناء السلام في إطار المفاهيم الإسلامية"- رواد اللاعنف في العالم العربي، مثل خالد القشطيني، وخالص جلبي، وجودت سعيد، ومحمد الشيرازي، لتجنب كلمة "اللاعنف" التي قد توحي بالاستسلام والتقاعس. 

هذا المصطلح يزاوج بين "الجهاد": المصطلح المتجذر في القرآن والسنة والفقه والتاريخ الإسلامي، و"المدني": المصطلح المتجذر في التاريخ الأوروبي والثقافة والرؤية العلمانية. أما ما يدعو إليه هذا المصطلح فهو مجموعة كبيرة وشديدة التنوع من الأهداف مثل: تدعيم المجتمع "المدني"، وتنشيط الحوار الوطني، والتواصل مع الجماعات والمنظمات العالمية التي تدعو لحقوق الإنسان، أو الحفاظ على البيئة، أو الحوار بين الأديان، إلى آخر هذه الأهداف التي لا يجمعها إلا كونها تتجنب استخدام السلاح في الوصول لمآربها.

غايتنا في هذا المقال تقديم تحليل اجتماعي أنثروبولوجي بسيط لخطاب الجهاد المدني، من خلال رؤيته كملمح من ملامح تفكك الرواية الكبرى (Grand Narrative). 

يطلق المفكرون لفظ "الرواية الكبرى" على الأيديولوجيات والنظريات الكبرى التي تسعى إلى وضع رؤية شاملة قادرة على تفسير الحياة وحركة التاريخ؛ برد الجزئيات والمفردات اليومية إلى صورة كلية متناسقة تفترضها هذه الأيديولوجيات وتلك النظريات؛ باعتبارها تجسيدًا للحقيقة المتمثلة في الواقع. في هذا السياق تأتي الماركسية والداروينية والبنيوية وغيرها من النظريات الاجتماعية الكبرى، كما تأتي الأيديولوجيات القومية والدينية كأمثلة لهذه الروايات الكبرى. 

ويؤكد المفكرون ما بعد الحداثيين -مرة بعد أخرى- على موت هذه الروايات الكبرى جميعها واندثارها لغير رجعة. فيكتب ليوتارد: "ببساطة شديدة فإن ما بعد الحداثة هو عدم تصديق الروايات الكبرى". ويقول بودريلارد ساخرًا: إن "سر النظرية هو أنه بالفعل لا توجد حقيقة!". أما رائد التفكيكية دريدا فيكتب أنه "لا توجد حقيقة في نفسها، وإنما تخمة منها؛ فحتى لو كانت الحقيقة من أجلي وعني؛ فإنها لا شك متعددة". الحقيقة القيم المطلقة، النظام، والواقع المتسق: كل ذلك من مخلفات عصر التنوير، وتراث الحداثة. أما النسبية والتعددية والتغير الدائم والتنظيم المستحيل للواقع فهي شعارات العصر الجديد.

نذكر هذه المقدمة لأننا نرى أن "الجهاد المدني" كمفهوم، وكمشروع للحركة والفعل، يعكس تفكك وتحلل الرواية الكبرى التي حملها الإسلاميون خلال القرن الماضي. الرواية الكبرى التي كانت تنادي بالإسلام كنظام محكم ومتماسك وشمولي وواحد مركب من أنظمة سياسية واقتصادية واجتماعية.. متكاملة ومترابطة، والتي كانت تنادي بالخلافة الكبرى، والتغيير السياسي الجذري، وأستاذية العالم.. هذه الرواية تتفكك الآن بهدوء شديد (حيث لا مناظرات فكرية تبحث عن "الحقيقة") وسرعة أشد.

مصطلح فسيفسائي.. يحوّل المركز إلى هامش!

مثل منتجات ما بعد الحداثة؛ فإن المصطلح فسيفسائي يجمع الديني مع العلماني في تجاور لا يعارضه أحد، ويتجه -كمشروع فكري- إلى الميكروبوليتيك التي تهدف إلى التغييرات الجزئية الصغيرة، والمرتبطة بالأنشطة اليومية، دون أن تأبه إلى وجود إطار جامع يضمها معًا في مشروع تغييري ضخم ومتناسق. ينأى الجهاد المدني عن الاهتمامات النظرية، حاديه في المسير براجماتية نشطة، معيارها النجاح العملي أو الفشل. الجهاد المدني يهمل السياسي بمعناه القديم، يتجاهله، أو يلتف حوله؛ لينغمس في أنشطة ثقافية، واقتصادية، واجتماعية، تبني نجاحاتها جسوره وتمهد طريقه، أو بالأحرى طرقه المسترسلة.

الملاحظ هنا أن الرواية الكبرى لم تمت تمامًا كما يزعم ما بعد الحداثيين، لكنها تحولت عن موقعها، ابتعدت عن المركز (حيث لا مركز)، وغدت إحدى مكونات الفسيفساء. ليس غريبًا أن تقرأ مقالا هنا أو هناك يدعو إلى ما كانت تدعو إليه (أي الجهاد/القتال)، لكن هيهات أن تتحول تلك الدعوة إلى حاد يقود المسير. 

غاية هذه الدعوة أن تضيف لونًا زاهيًا إلى مجموعة الألوان. تزار هذه الرواية أحيانًا حين تُفتقد، يتجول زائروها في أروقتها ليستمتعوا بروعة الأثر الجميل، لكنها قطعًا لا تُسكن، لا تغدو دارًا يقيمون فيها ولا يرحلون.

وظيفة أخرى تقوم بها الرواية الكبرى حين تمزّق ثم تنسخ صور قِطعها لتغطي الجدران الحديثة وتستر برودتها. تصبح القطع المقلدة من هذه الرواية مثل المشربيات، والأبواب التي تبدو عتيقة، وقطع الآثار المشابهة للطرز العربية العريقة، والوسائد والفرش يدوية الصنع المزركشة التي تجتمع كلها لتغير صبغة بيت حديث، يدار بالكهرباء، ويراقب بالكاميرات الرقمية، وتفتح أبوابه بشفرات إلكترونية، وينقى هواؤه بالمكيفات الحديثة. تجتمع كلها لترضي ذوق المستهلك دائم الحنين إلى الأصالة والماضي الجميل.

نستدعي هنا اللغة التي تستخدم في مقالات "حزب مقاومة المسخرة"، والجهاد الإلكتروني، والعصيان المدني الإلكتروني، وجهاد الإنترنت، وكتائب مكافحة العري، و"حملات" المقاطعة، وخطط مهاجمة الصهيونية وتدمير معاقلها وتحصيناتها على الإنترنت... يتحدث "مقاوم" في "حزب مقاومة المسخرة" عن أنه سيكون أول استشهادي في الحزب، وما يعنيه هو أنه سيقاوم نزوات الاستمناء التي تلح عليه. ويكتب آخر عن تنظيم محكم وخطة شاملة لحرب الصهيونية، وما يعنيه هو إنشاء قائمة بريدية إلكترونية وترك بعض الرسائل في دفاتر الزوار لبعض المواقع العالمية. ويتسابق الجميع لنشر قطع الرواية الكبرى في أطراف وحنايا وسطور مقالاتهم تمامًا كما يفعل قاطنو الأحياء الراقية حين يدهشونك بإبريق نحاسي ذي طراز عربي، قابع بكبرياء فوق قطعة أثاث أوروبية، بينما تغمره وتشير إليه أشعة إضاءة حديثة آتية من أحد الأركان.

"الجهاد المدني" بوصفه علامة ثقافية.. معانيها متحركة

في كتابه القيم "ثقافة الاستهلاك وما بعد الحداثة" يشير مايك فيزرستون إلى "الاستهلاك الثقافي". وفيه ترتبط السلع العادية بعلامات ثقافية مثيرة ومغرية، لكن لا علاقة لها بالسلعة. هذا العطر يجعل المرأة ذات شخصية قوية في العمل، وهذا الشاي يجعلك من أصحاب الذوق الرفيع، وهذه النظارة الشمسية تجعلك رياضيًا، وهذه السيارة تجعلك مرحًا، وهذا القميص يجعلك واثقًا من نفسك... وهكذا. ما يشتريه المستهلكون هنا ليس عطرًا أو شايًا أو قميصًا؛ هم يشترون العلامات الثقافية التي ارتبطت بهذه السلع العادية. في مرحلة أخرى يغدو هناك -كما يقول زيجمونت بومان- طوفان من العلامات الثقافية الفاقدة للمعنى، يقبل عليها المستهلكون، ويمنحونها المعاني التي تروق لهم في حرية كبيرة. المثال الشهير هنا أغاني الفيديو كليب التي تحتشد فيها الصور الخاطفة، والتي لا يربطها تسلسل عقلاني، يستمتع بها المشاهدون، ويضفون عليها المعاني التي تروق لكل منهم إن أرادوا ذلك.

هنا تغدو قطع الرواية الكبرى المبعثرة كالجهاد، والاستشهاد، والحملة، والكتيبة، والمقاومة، والخطة، مثل علامات ثقافية، مثل طوفان الصور الذي يغمرك فتستسلم لتياره، وتهب صوره المعاني التي تحتاجها. ما علاقة الكتيبة بمكافحة العري، أو الاستشهاد بالابتعاد عن الاستمناء، أو الحرب بإرسال الرسائل الإلكترونية؟ هذا لا يعني أن المضمون الذي تشير إليه هذه العلامات غير مهم أو غير جدير بالعمل والسعي الدائب. فقط هو لا علاقة له بالجهاد! 

المسألة الأخرى هي الحرية في اختيار المعنى. التحاقي بإحدى كتائب الجهاد الإلكتروني قد تعني أني منفتح متواصل مع الغرب، وقد تعني أني متمسك بأصالتي ومقاوم لهذا الغرب، وقد تعني أني نشيط في دعوة منظّمة للإسلام، وقد تعني أني تحررت من قيود التنظيمات الإسلامية القديمة، وأصبح باستطاعتي القيام بنشاط عالمي دون الارتكان إلى أحد. 

مرة أخرى نحن لا ندعو إلى عدم الالتحاق بكتائب الجهاد الإلكتروني. ما نود قوله هو أن معنى هذا الالتحاق وتلك المشاركة شأن شخصي، يخص النشط/المستهلك لتلك العلامات.

مسألة مهمة يؤكد عليها بومان، ونلحظها في مشروع "الجهاد المدني"، وهي أنه لا يمكن بحال فصل عمليتي الإنتاج والاستهلاك عن بعضهما. الذين يستهلكون هذه العلامات هم أنفسهم من ينتجونها. يرجع بومان إلى نموذج التعاونيات الاستهلاكية؛ حيث يقدر ربحك من التعاونية، أو نصيبك فيها، حسب مقدار ما استهلكته منها. كلما زاد استهلاكك زادت مشاركتك في الملكية، وقدرة المؤسسة على تجديد بضائعها والحفاظ على دائرة الاستهلاك التي لا تنتهي.

لا توجد هنا جهة تحدد ما الذي تستهلكه، ولا أي مقدار يجب استهلاكه. ما ينظم إدارة التعاونية ولا يجعلها تتحول إلى العشوائية أو الارتجالية هو الاستهلاك نفسه.. كمّه ونوعيته.

نعود هنا إلى أمثلتنا السابقة.. حزب مقاومة المسخرة، وكتائب مكافحة العري، والجهاد الإلكتروني، وإلى غيرها من الأمثلة كنشرة شعاب الحرية، والإعلام البديل، وانتخابات ساحة الحوار.. في هذه الأمثلة يكون الموقع -غالبًا- هو نقطة البداية، لكن زوار الموقع/المستهلكين يديرون العملية ويستمرون بها، بل وينتجونها أثناء استهلاكهم لمادتها. الجهاد المدني كمشروع حين يدعوك لاستهلاك خطابه وعلاماته الثقافية هو يعدك أيضًا أن تكون منتجًا لهذا المشروع، يمكنك أن تنتج النشاط الذي تحب، وتستهلكه، وتمنحه علامات الجهاد وصوره، وتغذيه بالمعنى الذي يرضيك.

أما ما نؤكده في نهاية المقال فهو الاتجاه الإيجابي الذي تحرك فيه هذا الخطاب؛ حيث بدأ من منطلقات المقاومة والتدمير كالمقالات التي كانت تدعو صراحة أو ضمنًا إلى القرصنة على المواقع "المعادية"، ثم توجه إلى التواصل وتفتيت الآخر؛ كمقال جهاد الإنترنت، وصولا إلى النداء بالحاجة للدخول في التفاصيل العملية، والمبادرات الواقعية، مثل مقال الجهاد الإلكتروني، وكثير من مقالات ساحة مناهضة الحرب.

ختامًا.. أود أن أقول: إنه لو أراد الله تعالى أن أستأنف الكتابة في هذا الموضوع، فسأعود لطرح سؤال الإنتاج لنتحقق من صدقه أو زيفه، ونربط مسألة الجهاد المدني باتجاهات الليبرالية الجديدة، ونحلل الخطاب من حيث أركانه الثلاثة: المفاهيم والمعرفة التي يحملها، والشخصية التي ينتجها، ونظام القوى الذي يحفظ هذا الخطاب، كما نبين السلطة والقوة التي يمارسها هذا الخطاب ليخص أقوامًا ويحجب آخرين.

... والله أعلم

طالع أوراق الملف:

اقرأ أيضًا:

** كاتب وباحث في الأنثروبولوجيا

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 


الثقافة والفكر |  السياسة | التاريخ والحضارة | علوم وتكنولوجيا | الاقتصاد والتنمية

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع