|
في
النقاش الذي كان يدور بيني وبين أحد
رموز الجهاد القتالي كان يتعجب من طرحي
فكرة (الجهاد المدني) بدون قتال فيعلق
بأسلوب لا يخلو من السخرية، وبقدر كبير
من الطمأنينة: ماذا تفعل بهذه الآية:
"فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ لاَ
تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ وَحَرِّضِ
الْمُؤْمِنِينَ"؟ إنها مشروع تكليف
فردي قبل إلزام الجماعة والدولة؟!
إشكالات
تواجه مفهوم "الجهاد المدني"
أعظم
إشكال يواجه فكرة (الجهاد المدني) غير
المسلح في العالم الإسلامي هي فكرة
الجهاد في سبيل الله التي تتضمن القتال
المسلح وهو عنف بالضرورة. اللاعنف إذن
فكرة غير إسلامية؛ لأنها تعطل الجهاد
وهو ماضٍ إلى يوم القيامة، ومن مات ولم
يغزُ ولم يحدث نفسه بالغزو مات على
شعبةٍ من النفاق.
والجهاد
المدني -أو اللاعنف – ثانياً: مصطلح
غير إسلامي، غربي مستورد: نبيه غاندي
من الهند في القرن العشرين، أو هو
مفهوم مسيحي؛ فمن لطمك على خدك الأيمن
أدر له الأيسر، تمثله فرقة الآميش في
أمريكا في نموذج منقرض لا يتماشى مع
الطبيعة الإنسانية. واللاعنف أو
المقاومة غير المسلحة إذن مفهوم غريب
لم ينبت في تربة الثقافة الإسلامية،
وهو يصطدم -بشكل جوهري- مع فكرة الجهاد
في سبيل الله، بمعنى القتال المسلح.
اللاعنف
-ثالثاً- غير مفهوم في ضوء عشرات الآيات
التي تحض على القتال في سبيل الله
مقابل اعتماد بضع آيات من سورة المائدة
في صراع ابني آدم الذي اتخذ أحدهما
موقف عدم الدفاع عن النفس "لَئِنْ
بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ
لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ
يَدِيَ إِلَيْكَ لأقْتُلَكَ إِنِّي
أَخَافُ اللهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ"
لآيات نسختها آية السيف في سورة التوبة
تحت عنوان مجلجل في "براءة من الله
ورسوله" في رسالة واضحة إلى
المشركين -غير أصحاب العهود- في
الجزيرة العربية أن أمامهم مهلة أربعة
أشهر يسيحون في الأرض في مواجهة خيارين
بعدها: الإسلام أو السيف، لتنشأ ثقافة
في العلاقات الدولية؛ إن الدولة
الإسلامية في علاقة حرب مع الدول
المجاورة فإما دفعت الجزية أو اعتنقت
الإسلام، أو الحرب كخيار لا مفر منه؟!
حلول
غير نافعة لجرثومة العنف
لفك
هذه الإشكالية لن ينفعها أن تتهم
أمريكا (بن لادن) أنه إرهابي في الوقت
الذي تشعر الجماعات الإسلامية المسلحة
أنها تجاهد في وجه أكبر طاغوت على وجه
الأرض يكيل بميزانين، ويعيق نمو
العالم بشرك أعظم من حجم قرار الفيتو،
كما لن تنفعها كتابات جماعة ما بعد
الحداثة في مهاجمة الأصولية أنها ضد
العقلانية والتنوير وتاريخية النصوص،
كما لن يولد الحل من الدوائر الأمنية
في العالم العربي التي تطارد
التنظيمات السرية المسلحة تحت الأرض
في محاولة لاستئصالها، في لعبة الفأر
والقط والتملص من قبضة المخابرات
لتتكاثر بأشد من أعشاب الأرض في فصل
الربيع بعد شتاء ماطر، يغذيها حماس
للإسلام أكثر من وعي منهجي، في استحضار
مرير لتاريخ عظيم أمام واقع بئيس،
واستبداد سياسي يقود الأمة إلى كوارث
وبئس الورد المورود.
الذهنية
الإسلامية.. مفتاحها النصوص!
الدخول
إلى أي كمبيوتر لا بد له من معرفة مفتاح
الدخول PASSWORD وحتى يمكن أن نتعامل مع
برنامج الذهنية الإسلامية لا بد من
مخاطبته بالكلمة التي يحترمها ويثق
بها ويمكن أن تغيره. لا بد من استعمال
النصوص ومفاتيح الثقافة الإسلامية
بتركيب أدوية ولقاحات نحقن بها العقل
العربي ضد جرثومة العنف التي تسري في
مفاصل الثقافة وشرايينها، مسببة نوافض
مريعة من دورات العنف كما في بردية
الملاريا!
لقد
أصبح العنف داء متوطناً كما نرى،
والمجتمع العربي في عمومه غير محصن
ضده، وأي بقعة معرضة للزلزال؛ لأن
ثقافة الجهاد المغلوطة تنتج وفق نسخ
مزورة. إشكالية الجهاد لم تعالج -حتى
اليوم- على نحو واضح مع كل وضوح النصوص
القرآنية. فلا الفقهاء قديماً صاغوها
في نظرية متماسكة، ولا مفكرو النخبة
الإسلامية وصلوا إلى رؤية مبلورة
فيها، وما يزال رجال من مستوى القمة في
التفكير الإسلامي يرون أن لا حرج من
الانقلابات العسكرية البيضاء! ولكن من
يضمن بياض الانقلاب من احمرار لونه ما
دام السلاح هو الفيصل و"في حده الحد
بين الجد واللعب؟".
حتى
(أبو حنيفة) -وهو من أجود الأدمغة التي
أنتجتها الثقافة الإسلامية- رأى في
خروج (محمد ذو النفس الزكية) في ثورته
على أبي جعفر المنصور ما يشبه خروج
الرسول صلى الله عليه وسلم إلى معركة
بدر، وتمنى لو استطاع حمل السيف إلى
جانبه، ولكنه أرسل له ينصره بالفتوى
والمال، ولعل هذا كان سبباً في موته
مسموماً على رواية أوردها (أبو زهرة).
وهكذا اختلط الخروج على الحكام
بالجهاد الإسلامي حتى في عقلية فذة من
حجم الفقيه الأعظم رضي الله عنه.
خوارج
الأمس وخوارج اليوم!
لا
غرابة أن نَشَأَ في تاريخنا اتجاه دموي
كامل يحمل اسم "الخوارج". وإذا كان
"الخوارج" قد مثلوا أقصى التطرف
فإن أفكارهم -تزيد وتنقص- تم اعتناقها
من اتجاهات لم تسمّ نفسها بالخوارج،
ولكنها أحيت أفكارهم دوماً عبر
التاريخ الإسلامي، انتهاء بالاتجاهات
الإسلامية السياسية المعاصرة في كثير
من أجنحتها؛ فالخوارج ينامون اليوم
مستريحة عظامهم بعد أن تم إحياء مذهبهم!
لا
بد من وضع قواعد صارمة لفهم (آلية)
الجهاد و(وظيفته) و(بيد من) يستخدم؟ و(ضد
من) يشن؟ وإلا فإن أمامنا دفع فواتير
مريعة من الدماء مع فوائدها المركبة.
يعتبر
(مالك بن نبي) أن معركة (صفين) هي أكبر من
كارثة في التاريخ الإسلامي؛ فمعها
انكسر مخطط الحضارة الإسلامية. ويعتبر
(النيهوم) أن الدولة الأموية تشبه
أعرابياً بحث في أفخاخ أطلال الحضارات
فأقام دولة بيزنطية جديدة بفارق بسيط:
إنها دولة تلبس عباءة الخلفاء وتقتل
أحفاد النبي صلى الله عليه وسلم، ومن
أخطر ذيول معركة صفين: ولادة اتجاه
الخوارج الذين حملوا السيف في وجه
الحاكم -الذي يبدو (لهم) ظالماً- كأعظم
جهاد، فقتلوا أعدل الناس؛ الإمام علي
رضي الله عنه، في الوقت الذي اتفقت فيه
الأمة بكل مدارسها أن عمل الخوارج لا
يوصف بحال أنه جهاد، بل هو مروق السهم
من الرَّمِيّة.
يبدو
أن الثقافة العربية الإسلامية دخلت
نفقاً مسدوداً في مشكلة تداول السلطة
السلمي، فبعد الخلفاء الراشدين وحياة
الرشد لم يبق إلا الغي، ولم يأت مفتاح
الحل من داخل ثقافتنا، بل من وراء
أعمدة هرقل من بحر الظلمات؛ فنحن اليوم
نسمع بالديموقراطية وتبادل السلطة
السلمي فنركض خلفها لنلبسها عباءة
الشورى ونطليها بدهان إسلامي بعد أن لم
يكن في كل تاريخنا شورى للحظة واحدة
بعد علي رضي الله عنه في ظاهرة استعصاء
كامل للثقافة، وعندما عالج (ابن خلدون)
مشكلة السلطة لم يستطع فهمها خارج (العصبية)
فلم يكن بمقدوره أن يتصور مجتمعًا
يُحكم بغير السيف بإدارة جماعية؛ فقد
دفنت تلك الأفكار في رمال الصحراء مع
بني مروان.
ولو
تأملنا رأي (الخوارج) أن الخليفة لا
يشترط فيه أن يكون من قريش، بل أي رجل
مناسب من الأمة، ولو كان أسود اللون
مجعد الشعر رأسه كأنه زبيبة، ربما نجده
تفكيرا ديموقراطيا بلغة الحداثة، ولكن
المشكلة في الخوارج وسواهم -بمن فيهم
المعتزلة أصحاب الاتجاه العقلاني–
أنهم رأوا استخدام العنف في وجه
خصومهم؛ وإلا فكيف نفهم تعذيب ابن حنبل
على يد العقلانيين؟
العنف..
مرض الكثيرين
مرض
العنف إذا لم يكن مرض الخوارج فقط، بل
كان مرض الكثيرين وما يزال على درجات
مختلفة من سُمّية الجرعة.
فأمام
الانحراف الأموي انحرف الخوارج بزاوية
أكبر فاتهموا مخالفيهم بالكفر
واستباحوا دماءهم وتركوا خلفهم عشرات
الفرق في رحلة انشطارية انتحارية.
واليوم لم يبق أموي ولا خارجي، ولكننا
ورثنا ثقافة العنف ودمنا الثقافي يعج
بجراثيمه، فكما كان للمرض (وحدته)
الأمراضية من جرثوم وفيروس.. كذلك فإن (فكرة
العنف) تشكل (الوحدة) الأمراضية في
الثقافة.
وإذا
كان الخوارج يمثلون التجلي الأعظم فهم
كانوا أجرأ، وأما البقية فهم
يرونهم على حق ولكن لا يملكون هذه
الجرأة الرائعة وروح التضحية التي
يملكها الخوارج، وعندما أرسل أحد رموز
الجهاد في بلد عربي رسالة إلى علماء
وفقهاء الأمة يدعوهم إلى الخروج على
الحكام (الكافرين القوميين) مع
مطالبتهم بالرد الخطي كانت أجوبة
الكثيرين: نحن معه في ذلك، ولكن لن نكتب
لأننا لا نملك جرأته في الحق، والشخص
الوحيد الذي أجابه بشكل خطي كتب: إنني
لا أرى هذا أسلوباً سليماً في حل
المشاكل، وليس طريق الأنبياء بحال.
ولكن
مشكلة العنف أنها تقود إلى تعقيد
المشكلة في ثلاثة اختلاطات يأخذ بعضها
برقاب بعض: إنها أولاً حلقة مغلقة تحكم
بقبضتها على من دخل لعبتها، وهي ثانياً
دائرة يزداد أطرافها تآكلاً ومعاناة،
وهي ثالثاً تزداد اتساعاً مثل حريق
الغابات حتى لا تبقي من مساحات الحياة
الخضراء شيئاً.
طالع
أوراق الملف:
اقرأ
أيضًا:
**
كاتب
وطبيب سوري.
|