 |
|
كريم عبد العزيز بطل فيلم واحد من الناس |
قليلة هي الأفلام المصرية التي
تعرض في فصل الصيف دون أن تصنع وفق الوصفة
الجاهزة لما يسمى موجة "أفلام الصيف"،
وفيلم "واحد من الناس" لكل من المخرج
"أحمد جلال" والمؤلف "بلال فضل"
هو أحد هذه الأفلام القليلة جدا؛ فهو
فيلم حمل مغامرته على كتفه ومشى درب
منافسة الصيف الوعرة، وعلى الرغم من
اختلافه بل وتناقضه الواضح مع اتجاهات
أفلام الصيف الكوميدية الخفيفة أو حتى
الأفلام ذات الإنتاج والدعاية الضخمة
فإنه حقق نجاحا جماهيريا كبيرا وتقديرا
نقديا واسعا.
المغامرة الفنية من صناع الفيلم
ليست هي أهم ما يقال عنه، بل ربما الأهم
هو أن الفيلم قصيدة سينمائية شجية بها
كثير من العمق والرؤية النافذة التي تسبر
أغوار المجتمع، وتقدم كشفا عنيفا
للتغيرات التي طرأت على المجتمع المصري
في العقد الأخير.
حادثة "أركاديا"
 |
|
بلال فضل مؤلف الفيلم |
|
يستوحي الفيلم الحادثة الشهيرة
التي وقعت في المركز التجاري "أركاديا"
في نهاية التسعينيات في القاهرة حينما
أطلق أحد الشباب من رجال الأعمال الرصاص
على شاب آخر وأرداه قتيلا من أجل صراعهما
على إحدى الفتيات. تلك الحادثة التي
أفزعت المجتمع المصري وقتها وأيقظته على
واقع جديد بلغ فيه نفوذ بعض رجال الأعمال
والسياسة قدرا هائلا، وتحول هذا النفوذ
تدريجيا إلى تجاهل واحتقار كاملين
للقانون في مصر.
لم تكن بشاعة الجريمة أو
علانيتها هي سبب فزع الناس بل كان إدراك
الوعي الجمعي المصري آنذاك لما تمثله هذه
الحادثة وما تشير له من واقع جديد يتشكل،
ودولة خاصة بأصحاب النفوذ توجد فوق
الدولة. ومن خلال هذا الخيط وعبر مده حتى
نهايته قام "بلال فضل" بكتابة قصة
الفيلم.
تدور قصة الفيلم حول محمود (كريم
عبد العزيز) عامل "الجراج" في أحد
المراكز التجارية، خريج الجامعة
والمتزوج من فتاة بسيطة تضاءلت أحلامها
حتى تلخصت في تغيير ستائر البيت والسفر
ليس للخارج بل لمدينة "الفيوم"
لتستمتع بشلالات "وادي الريان" (منطقة
تقع بالقرب من القاهرة).
يشاهد محمود جريمة قتل يقوم بها
ابن أحد الأثرياء (عزت أبو عوف)، ويتم
التفاوض مع محمود من رئيس المباحث (محمد
شومان) على الشهادة بأن الجاني هو جندي
الأمن المركزي صديقه مقابل حصوله على
مبلغ من المال، لكن الجندي الفقير الذي
رضي بأن يتحمل التهمة من أجل سداد نفقات
علاج والدته المريضة يشعر بألا جدوى
لاعترافه على نفسه عندما يعلم بوفاة
والدته، وعندها يقرر أن يقول الحقيقة،
لكنه يقتل في السجن مشنوقا في زنزانته،
وقيل إنه انتحر.
على أثر ذلك يقرر "محمود"
أن يقول الحقيقة، إلا أن المجرم الحقيقي
يقوم بخطف زوجته (منة شلبي) كي لا يكشف
سره، فيصر محمود على قول الحقيقة في
المحكمة، ولكن المجرم الحقيقي يقوم بقتل
زوجته، وعندما يحاول الانتقام من أجل
زوجته يتم القبض عليه وسجنه، وهناك يتعرف
على أحد ضحايا "كمال أبو العزم"
ويتفق معه أن ينتقم من "أبو العزم"،
برحلة انتقام طويلة بعدد من الحيل
والألاعيب.
"تيمة" الانتقام
يعتمد الفيلم على تيمة
الانتقام، وهي تيمة كلاسيكية مستمدة من
رواية "ألكسندر دوماس" "الكونت دي
مونت كريستو" والتي استلهمتها أعمال
سينمائية عالمية ومحلية عدة، مثال ذلك
محليا: "أمير الانتقام" و"أمير
الدهاء" و"دائرة الانتقام" و"الثأر"
وغيرها.
وإذا كانت الأفلام التي تعتمد
على تيمة الانتقام تكشف عن صراع ذات مع
ذوات أخرى عادة ما تكون أكثر عددا وقوة
ونفوذا من أجل تحقيق الانتقام، وهو ما
يعني شكلا من أشكال ترجمة الوجود
والمساواة بينه وبين الفعل العنيف ونفي
وجود الذوات الأخرى الموجودة على الطرف
الآخر من الصراع؛ فإن "واحد من الناس"
برسمه الجيد لأبعاد حلف المصالح الفاسدة
بين السلطة السياسية الممثلة في رئيس
المباحث الفاسد الذي يكون مستعدا لفعل أي
شيء في سبيل المال، وسلطة رأس المال
الممثلة في رجل الأعمال أبي القاتل
الحقيقي، مع رجل القانون الذي يستغل
ثغرات القانون لصالحه وصالح موكليه حتى
لو بشكل غير مشروع أو تقديم الرشاوى.
وهو ذات الحلف الذي أفسد حياة
محمود وحولها إلى جحيم فتحولت عبره
الرغبة الفردية في الانتقام إلى صرخة
مجموعة كبيرة من الشرائح والطبقات
الصامتة التي سجنها الفساد واستغلال
النفوذ ومجموع الظروف الاجتماعية
والاقتصادية داخل زنازين من قهر وظلم
تضيق جدرانها الأربعة عليهم حتى حطمت
أحلامهم وسحقت عظامهم لكنها لم تسحق
رغبتهم في الانتقام.
تمجيد الحل الفردي
الفيلم يقدم انتقادا وهجاء
شديدا للسلطة الممثلة في "الشرطة"؛
فبجوار الممارسات غير الإنسانية من
تعذيب أو التلويح باستخدام التعذيب، فإن
الفيلم يقدم رئيس المباحث مرتشيا، وعلى
الرغم من أن تاريخ السينما المصرية مليء
بصور النقد إلى الشرطة بشكل مباشر أو غير
مباشر، فإنه في الفترة الأخيرة فقط بدأ
تصوير انحراف الضباط على مستوى الفساد
فيما يتعلق بالذمة المالية.
ومن الملامح المهمة في الفيلم
هو تمجيده للحل الفردي كطريقة لانتزاع
الحقوق وإنزال العقاب، وهو ملمح تميزت به
سينما الثمانينيات مثل: "أنا اللي قتلت
الحنش"، و"الغول"، و"كتيبة
الإعدام"، و"الهروب" وغيرها، وهي
أعمال فنية اعتبرت ردا على المتغيرات في
البناء القيمي المصري بفعل سياسات
الانفتاح الاقتصادي وما زامنها من حراك
اجتماعي واقتصادي في مواقع الطبقات
والشرائح الفاعلة، والتي عملت على سيطرة
طبقة معينة بقيمها التي تنكرت للقانون
وللأخلاق.
ففي مثل تلك الظروف كما ظروف مصر
الحالية، يكون الفعل الفردي هو الحل
والترياق، بل إن حقبة الثمانينيات قد
بدأت بواحد من أضخم وأكبر الحلول الفردية
تمثل باغتيال السادات.
احتمالان
السؤال المهم هنا: هل يعتبر صعود
هذه التيمة إشارة لتشابه الظروف
الاقتصادية والاجتماعية أم أن الأمر هو
محض رغبة في تقديم سينما مختلفة؟ هنا
للاحتمالين وجاهتهما؛ فعلى مستوى الظروف
الاقتصادية والاجتماعية يتشابه واقع
الثمانينيات مع واقع اليوم تماما، فمن
الفساد والقيم الاستهلاكية والتحلل
الأخلاقي وسياسات "الانبياع" وهو ما
يعكس الانفتاح أمام تيار العولمة. كما
يعد الاحتمال الثاني متمما للأول، فصناع
الفيلم متشبعون بسينما معينة انتصرت
دوما للحل الفردي كسينما "عادل إمام"
وهذا يظهر في الفيلم عبر مشاهد اقتناص
لمجموعة من مشاهد لعادل أمام من فيلم "الحب
في الزنزانة"، وهي مشاهد البطل وهو
يدخل عالم السجن لأول مرة بدءا من طوابير
حلاقة الشعر انتهاء بطوابير قضاء الحاجة.
وهي مجموعة مشاهد تكشف عن براعة
المخرج في إدارته لتفاصيل الفيلم خاصة
التصوير، حيث حافظ بمساعدة مدير تصويره
"إيهاب محمد علي" على صورة تضمن
المتعة البصرية وتأدية الدور الدرامي؛
فهذه الكاميرا التي تقترب بنعومة من
تفاصيل البيت في أول الفيلم، ومن لقاءات
البوح بين الزوجين ما تلبث أن تقترب من
الوجوه لاستكشاف الانفعالات خاصة في
مشهد رؤية محمود لطفله لأول مرة على جهاز
الأشعة التلفزيونية وفي لحظات الحوار،
ولكن سرعان ما تصبح محمولة تتحرك بسرعة
وباهتزاز في تسريع لما يسمى إيقاع ما
داخل الكادر حينما تنعطف أحداث الفيلم
نحو المطاردات والمعارك.
إلا أن ذلك الوعي في حركة
الكاميرا وتكوين الكادرات وصنع التأثير
البصري لم يمنع أن تتحرك الكاميرا في بعض
اللقطات في حركات بها الكثير من المبالغة
غير المبررة كانت عبارة عن استعراض فني
وتقني لم تقبله العين، ولفت الانتباه
للكاميرا أكثر ما لفت الانتباه للموضوع.
هذا التأثير العكسي للتقنية لم
يقتصر على بعض حركات الكاميرا أو
زواياها، بل لحق الأمر أيضا ببعض
التقنيات الإخراجية مثل الحركة البطيئة
Slow Motion التي اختارها المخرج ليؤكد على
معنى درامي معين أو يوجه من خلالها
المخرج انتباه وانفعال المشاهد. فقد أسرف
المخرج في استخدام هذه التقنية بما لم
يكن في صالح الفيلم.
سينما مختلفة
"واحد من الناس" ليس فيلما
عبقريا ولا يحمل من المغامرة الفنية أو
الجمالية سوى جرأة الاختلاف عما هو سائد
في السوق السينمائية الحالية.
غير أن الفيلم يطرح نقطتين:
الأولى: تتعلق بتيمة ومضمون العمل
السينمائي، والثانية: بنوعية الفيلم في
موسم أفلام الصيف.
سيكتشف المشاهد أن بطل الفيلم
"محمود" الذي يمكن أن نرمز له "دون
كيشوت" نجح في محاربة طواحين الفساد
داخل العمل الفني، وانتصر على الفساد
والظلم، لكن الحقائق التي تفرض نفسها على
الأرض تؤكد أنه لا يمكن لحل فردي أن ينجز
خلاصا للمجتمع المصري؛ فأكثر الحلول
فردية راوحت مكانها في الفشل والتراجع
لصالح قطاعات عريضة في المجتمع.
النقطة المهمة التي يثيرها "واحد
من الناس" مع تحقيقه، عند كتابة هذا
المقال، لأكثر من 10 ملايين جنيه إيرادات
أن الجماهير على استعداد لتتقبل سينما
مختلفة جادة تتعاطى مع مشاكلهم وتحلل
الواقع وتكشف فساده، وهو ما حاول صناع
الأفلام الكوميدية الخفيفة نفيه وجحده.
ولكن هنا ومن خلال لغة الأرقام
التي يتحدث الجميع بها نرى أن "واحد من
الناس" في المرتبة الثالثة في مجموع
الإيرادات في الأفلام المعروضة في موسم
الصيف الذي ظل لفترات ملعبا وعرشا لأفلام
الصيف الخفيفة فقط لا غير.
|