 |
|
أبطال الفيلم من فئة الشباب الذين يؤمنون بالهرب حلا لمشاكلهم |
يقدم فيلم "العيال هربت"
قصة مجموعة من الأصدقاء تلتف حول زعيمها
حسن "حمادة هلال"، مكونة فريقًا لزف
العرائس على الطريقة الإسكندرانية، وهذا
الزعيم هو المُدافع عن حقوق هذه الفرقة
في منطقه نفوذها، وهو نفسه الذي تتركه
خطيبته من أجل أحد العائدين من السفر في
الخارج، فيقرر حسن السفر؛ بهدف جمع المال
والهروب من الخدمة العسكرية، في الوقت
الذي يصادف فيه عروسًا تهرب من عريسها
ليلة زفافها وتقع في حبه.
وفي أثناء ذلك يقابل حسن صديقه
العائد من الخارج "محمد نجاتي" مع
زوجته والذي يعرِّف أفراد الفرقة بأحد
سماسرة السفريات "خالد الصاوي"
والذي يتقاضى منهم مدخراتهم، ويقوم
بتزوير شهادات الخدمة العسكرية لهم.
ومع بداية رحلة السفر يتم إيقاف
"اللنش"، ويقفزون في الماء، فيموت
منهم اثنان، ويتم القبض على أحدهم، فيبدأ
الأصدقاء رحلة البحث عن دليل البراءة؛
ليدخلوا في صراع مع صاحب مكتب السفريات،
وينتهي الأمر بالقبض على صاحب هذا
المكتب، وإثبات براءتهم؛ ليتم القبض
عليهم هذه المرة من أجل أداء الخدمة
العسكرية.
الأزمة.. مستمرة!!
 |
|
هل وصل الشباب لطريق مسدود ولا خيار إلا الهرب حتى لو كان الثمن باهظا؟ |
ربما هي الأزمة الكبرى التي وقع
فيها منتجو الفيلم حين أرادوا الابتعاد
عن الأزمات، وهي صناعة فيلم خفيف يليق
بموسم الصيف الحار، ويجتذب الفئة الكبرى
من رواد السينما شبابًا ومراهقين،
ويحتوي على خلطة النجاح الحار: المطرب،
والكوميديان، والراقصات، وبعض الحركات
"الأكشن"، ولا مانع من مشهد انفجار،
ومشهد مطاردة سيارات، إضافة إلى عنصر
الشرير الضروري.
وقد اتضحت هذه الأزمة في المشهد
الذي يسأل فيه ضابط الشرطة ضابطًا آخر -مندهشًا-
عن سبب محاولة الشباب الهروب من مصر
بطريق غير شرعي، وكأنه لا يعرف السبب، بل
الأسباب الكثيرة، ثم يجيبه الضابط: "مستعجلين
يا أفندم"؛ وهو خلاف الطرح الذي تم
التأكيد عليه أكثر من مرة خلال الفيلم
ذاته، من أن هؤلاء الشباب يهجرون مصر؛
نظرًا لانعدام فرص الحياة الطبيعية
بالنسبة لهم، وليس لأنهم متعجلون لهذه
الفرصة.
العصابات.. شرعية!!
 |
|
بطل الفيلم حمادة هلال هرب من الغناء للتمثيل في سينما تستند على الغناء والكوميديا |
وإذا عدنا إلى بداية الفيلم
ستتضح لنا بذرة هذه الأزمة في مجموعة
الأصدقاء التي تكوِّن ما يشبه عصابات
الشوارع في الأفلام الأمريكية، لكنها
عصابات جعلها صناع الفيلم تتخذ غطاءً
شرعيًّا يليق بالمجتمع المصري، حيث إنهم
يكوِّنون فرقة لزف العرائس، هي سبيلهم
للعيش ومواجهة تخلي هذا المجتمع عنهم؛
ليواجهوا بأنفسهم مشكلاتهم، ويقدموا
حلولها، وهي الحلول التي كوَّنت تاريخهم
المليء بالبلطجة التي يبررها الفيلم.
كذلك يبرز الفيلم هؤلاء الشباب
بأنهم مدفوعون إليها للدفاع عن منطقة
نفوذهم، وهي الأزمة الكبرى الثانية التي
وقع فيها صناع الفيلم، بتقديم قيمة
العنف على أنها السبيل الوحيد أمام
الشباب البريء الطموح للحصول على حقه،
وهو الأمر الذي بلغ ذروته حين اختطفت "فرقة
العفاريت" عريس خطيبة حسن السابقة
للحصول على المهر الذي ادخره حسن معها.
وهو الاختطاف الذي يمكن تبريره
بغيبة سطوة الأمن في مثل هذه الأحداث
والذي يبرره الفيلم بالانحياز الكامل
إلى المختطِف بوصفه مجنيًّا عليه في
المقام الأول.
لكن الأزمتين الناتجتين عن
استخدام العنف أولاً، والجريمة ثانيًا،
تبدو كلاهما ضرورية بالنسبة لخط الفيلم،
ففي الأولى مبرر لاستغلال مشهد المعركة
بين الفرقة والفرقة الأخرى التي تعدت على
نفوذ جماعة "العفاريت"، وفي الثانية
مبرر لإظهار البطل الجريء الذي يسعى وراء
حقه، وكلاهما من أهم عناصر خلطة الصيف
السرية.
الجريمة.. حلاًّ!!
ويلاحظ أن الخروج بهذه الخلطة
ربما شكّل العامل الأكبر لصنع هذه الأزمة
التي واجهت هذا الشريط، حيث أصبحت
العصابة هي العنصر الذي يواجه به هذا
الشباب أزمته، على الرغم من عدم ظهور أي
فرد فيها سوى الأصدقاء الثلاثة الذين
هربوا من الخدمة العسكرية، وينتظرون
تجاوز سن الثلاثين لكي يتمكنوا من الخروج
من مصر.
ويلاحظ المشاهد أنهم (الشباب
الثلاثة) حاصلون على مؤهلات متوسطة، أي
أنهم هاربون من هذه الخدمة لمدة تقارب
السنوات العشر أو تزيد، وأنهم يتحركون
بحرية في أماكن إقامتهم، وأنهم يفضلون
السفر بطريق غير شرعي على انتظار الوصول
لهذه السن؛ كي يتمكنوا من الهروب الكبير،
وهو الأمر الذي يؤكد تقديم الجريمة
بوصفها حلاًّ، ذلك الحل الذي لا يتخلى
عنه هؤلاء الشباب، إلا عندما يتم سجن
أحدهم، فيسعون لإيجاد دليل براءته، وهو
ما يمثل الاستسلام للأمر الواقع، أي لم
يوجد تحول في تركيبة الشخصيات، حيث إنهم
على افتراض عدم سجن زميلهم لن يتخلوا عن
هذا الحلم أو هذه الطريقة في الوصول إليه.
الناجح.. مزيف!!
من ناحية أخرى قدّم الفيلم
الناجح الوحيد من الأصدقاء "محمد
نجاتي" بوصفه الذي سبقهم للسفر، وبدت
مقومات هذا النجاح في عودته مرتديًا زيه
الأجنبي، راكبًا سيارة ذات لون فاقع،
يلاحظ أنها من طراز أمريكي ذات موديل
قديم مبالغ في مقاييسه إلى حد كبير،
ومصطحبًا زوجته الأجنبية، من دون أي
إشارات إلى طبيعة رحلته غير أنها رحلة
مليئة بالمتعة حيث الحياة هناك سهلة، ومن
دون إشارة إلى طبيعة عمله سوى أنه تقاضى
عمولة على تسفير أصدقائه؛ نظرًا لأنه
يتمتع بعلاقات مع الكبار الذين يمثلون
بالتأكيد عنصر الشر الضروري في الفيلم،
فأحدهم "غسان مطر" متخصص في التهريب
غير الشرعي اعتمادًا على "ديمتري"
المزوِّر، بالاشتراك مع صاحب شركه
السياحة "خالد الصاوي" الذي أسهم في
تهريب نصف رجال الأعمال الهاربين
بالمليارات، حسب تعبيره.
يبدو -إذن- أن تقديم هذا الشخص (الناجح
بمنطق الفيلم) له علاقة بمنظومة القيم
التي انطلق منها الفيلم؛ ليغازل أحلام
الشباب في السفر والثراء السريع، بغض
النظر عما يمكن أن يقدموه من تضحيات من
أجل هذا النجاح، كما أنه يظهر تأكيدًا
على فكرة أن السفر إلى أي مكان خير من
البقاء مع الوضع الراهن، وهي الفكرة التي
لا يمكن الاختلاف معها في ظل الأوضاع
الراهنة.
لكن الاختلاف كله يبقى مع شكل
الحل المطروح بوصفه النموذج الذي يريده
الشباب ويحبونه، بغض النظر عن صلاحية هذا
النموذج للتطبيق على أرض الواقع من عدمه،
وبعدم النظر -تمامًا- إلى تعارض القيمة
التي يروج لها هذا الفيلم مع مقومات
المجتمع المصري ومنظومة قيمه، فالفيلم
يبيع للشباب وهمًا يحبون أن يعيشوه.
العلاقات.. باهتة!!
على مستوى آخر من معطيات الصيف
الساخنة، لا يمكن أن يمر الفيلم دون
علاقات عاطفية، وخيانة، ثم علاقات
عاطفية معوِّضة، وهذا ما ظهر مع "حسن"
عندما تركته خطيبته رغبة في الارتباط
بآخر عائد من السفر من الخارج (تلح فكرة
السفر مرة أخرى)، ثم تظهر تجربة (ميرنا
المهندس) العروس التي كان من المفترض أن
يزفها "العفاريت"، ولكنها هربت
معهم، بوصفها العنصر التعويضي.
وعلى الرغم من كون العلاقات
تبدو باهتة على طول الفيلم، فإن البطل (حسن)
يُظهر نوعًا من التفكير الواقعي المطلوب
-كذلك- لإضفاء بعض الشجن على الأحداث، حين
يرفض هذه العلاقة؛ لأن "بحرية" ابنة
لأسرة ثرية (لاحظ التركيبة المعهودة في
السينما العربية الكلاسيكية)؛ ليكون ذلك
مسوِّغًا لأن يتحدث مقارنًا بين حياة
المهشمين وحياة أبناء القصور، وليبدو
ذلك متسقًا مع الجملة الوحيدة الإيجابية
التي قالها في أول الأحداث لأمه: أن تقسو
قليلاً على أخيه الصغير حتى لا يشقى مثله.
القصة.. إيهام!!
الفيلم على مستوى آليات العمل
السينمائي لا يطرح أية رؤية جديدة، بخلاف
محاولة الإيهام بصنع قصة تبدو كأنها تحدث
في صورة يُرجى أن تكون جذابة؛ عن طريق
الدخول إلى عالم يبدو جديدًا، عالم فرقة
الزفة، وهو عالم يعتمد على الألوان
المبهجة، والاستعراض غير المبرر،
ومحاولة عرض حياة تبدو جذابة بالنسبة
للفئة العمرية التي يخاطبها الفيلم.
غير أن هذا العنصر لم يحقق
المطلوب منه؛ لأنه لا يتفق بصورة واضحة
مع الواقع الذي يطرحه الفيلم من حيث
الشكل الدرامي، وهو ما ظهر واضحًا عبر
الإضاءة الكاملة دون أي استخدام
لإمكانيات الضوء والظل، وعبر حركة
الكاميرا التي كانت تنقل دون أن تعبِّر.
أما الموسيقى التصويرية
فاعتمدت على الصخب بدعوى الشعبية دون أية
رؤية خاصة، يضاف إلى ذلك عنصر التمثيل
الذي لم يقدم أي جديد دون الاعتماد على
بعض الإفيهات المكررة، من دون أي جهد
واضح للفنانين المشاركين.
وبالجملة، فإن السيناريو حاول
تقديم تلك الخلطة التي حاول المخرج طبخها
من أجل نيل جزء من كعكة الصيف الشهية، بغض
النظر عن السلعة التي يبيعها للشباب.
العمق.. مفقود!!
الواقع أن "العيال هربت"
ينطلق من حقيقة الواقع الكائن في مصر،
وفقدان الشباب للثقة في المجتمع،
ورغبتهم -بل حلمهم- في ترك وطنهم إلى أي
مكان آخر؛ غير أنه لم يعرض هذه الفكرة
بالطريقة التي تحاول إيجاد حل، أو حتى
بالطريقة التي تشرح الطبقية وتحلل
القضية، بل اختار الطريق السهل، وهو ما
يتضح في النهاية المفاجئة، حين يجتمع أهل
الشباب الضحايا ليحاولوا النيل من
النصاب الشرير، وكأنه السبب الوحيد في كل
ما اقترفوه من جرائم من قبل، وحين أقر
ضابط المباحث -هكذا في الشارع- ببراءة
الأصدقاء من تهمة التزوير، ولا ذكر
لمحاولة الهرب.
إن النظر إلى فيلم "العيال
هربت" يؤكد أهمية النظر بجدية إلى ما
نطرحه على شبابنا من قيم، وعلى الرغم من
عدم رفضنا لما يمكن أن نسميه الكوميديا
"الفارس"، أو حتى كوميديا الصيف
الشبابية، فإن ما يجب الانتباه له هو أن
بعض أفلام الصيف لا تقدم لمتلقيها سوى
قيم سلبية في وقت تدَّعي فيه أنها تعالج
قضايا اجتماعية مهمة، وهو الأمر الذي
يجعلنا ندعو إلى النظر بشكل أكثر جدية
لقضايا الشباب، وخاصة رغبتهم في السفر،
أو بالأحرى الهجرة، ومحاولة مناقشة هذه
القضايا بجدية أكثر لا تمنع كون الأفلام
التي تعالجها أفلامًا كوميدية.
|