English

 

الثلاثاء 20 ذي الحجة 1427هـ - 09/01/2007م

مساحات ثقافية » ثقافة وفن
أرسل لصديق
 
روابط من إسلام أون لاين

 

ولاية الفقيه بين الفارسية والشيعية

حدائق الأحزان

لا تزال نظرية ولاية الفقيه تثير جدلا كبيرا وتطرح الكثير من التساؤلات رغم مرور 27 عاما على قيام الثورة الإيرانية عام 1979 وتطبيق هذه النظرية كنموذج للحكم الإسلامي الشيعي لأول مرة منذ وفاة الإمام "علي بن أبي طالب" رضي الله عنه، والذي يعد الإمام الوحيد –حسب الرؤية الشيعية- الذي جمع بين السلطتين الدينية والدنيوية ولمدة 5 سنوات فقط.

وكتاب "حدائق الأحزان.. إيران وولاية الفقيه" للدكتور "مصطفى اللباد" محاولة لفهم السياسة الإيرانية من خلال تناول النظرية السياسية الحاكمة من كافة جوانبها التاريخية والعقائدية والفكرية، خاصة في ضوء ما تشهده الساحة الإيرانية من تجاذبات بين التيارات السياسية المختلفة.

فقد شهدت السنوات العشر الأخيرة صعود وهبوط الإصلاحيين بقيادة الرئيس السابق محمد خاتمي عام 1997 بعد توليه الرئاسة مع سيطرتهم أيضا على البرلمان، وما تبعه من هبوط لهم بعد ذلك مقابل صعود المحافظين من جديد في الانتخابات التشريعية عام 2001 ثم عام 2005 حيث صعد "أحمدي نجاد" إلى الرئاسة، وما نتيجة الانتخابات البلدية الأخيرة وانتخابات مجلس الخبراء إلا دليل على هذه الحالة الغريبة من التجاذبات في إطار الحالة السياسية الإيرانية، وإن كان ذلك كله يحدث ويدور داخل بوتقة النظام الإيراني القائم على نظرية ولاية الفقيه.

اختار الكاتب عنوانا جذابا وذا دلالة لكتابه، وما كان له أن يختاره لولا درايته العميقة بالشعب الإيراني من خلال زياراته المتعددة لإيران، وهو ما دفعه لإبداء إعجابه أكثر من مرة بالزخم الحضاري والمعرفي للمجتمع الإيراني.

الموروث الفارسي

يعد مفكرو الشيعة من أكثر المسلمين نشاطا ودأبا في محاولة وضع نظام حكم عصري، له واجهة إسلامية ويستلهم أصوله ومعانيه من أصول العقائد الشيعية الأولى، وإن كانت خصوصيات مذهب التشيع تحول في كل مرة دون أن يكتمل في شكل نظام إسلامي إنساني، فكانت أفكارهم السياسية وأصول نظام حكمهم ومبانيه تنحرف عن النموذج السامي لمجتمع المدينة المنورة، أو يصيبها الشلل بفعل مجموعة من العوامل وأمواج من الفكر المختلط بالخيالات.

ومع أن الشيعة يعتقدون أن تعاليم الإسلام في مجالات الحكم والسياسة في الدولة غنية وعميقة ولا تقبل الإنكار فإن المحاولات العلمية والفكرية للفقهاء والفلاسفة السياسيين الشيعة خلال القرون الماضية ظلت قاصرة على تدوين الأفكار السياسية الإسلامية في شكل نظام سياسي.

ويمكن القول: إن التجربة الإيرانية في الحكم الديني أو ربط الحكم السياسي بالعقيدة الدينية تضرب في القدم وتتحرك عبر العصور منذ تاريخ إيران الأسطوري وحتى تولي الخميني زمام الحكم.

فالشخصية الإيرانية –حسب المؤلف- تعتقد في مبدأ التفويض الإلهي للحكم منذ القدم، حيث كان الإيرانيون يعتبرون ملوكهم منذ "قورش" و"داريوش" وملوك الأسرة الساسانية حكاما مفوضين من قبل الآلهة.. بل كان الحكام أنفسهم يتخذون أسلوبا ينطلق من هذا المبدأ، فقد ساعدت الشخصية الإيرانية العامة على اتحاد النظرة لمقام الملك بين الحاكم والشعب حيث يبدو "الشاهنشاه" في نظر الإيرانيين خليفة الله على الأرض يلهمه هديه بنوره، كذلك رأى الملوك أنفسهم معينين من قبل الله لحكم الناس، ووجدت الشخصية الإيرانية المبررات الكافية لتثبيت هذه النظرية وترسيخها.

ولاية الفقيه

يرى اللباد أن نظرية "ولاية الفقيه" تعد نتاجا لتطور الفقه الشيعي منذ اختفاء الأئمة المعصومين وحتى ظهور النظرية التي لم تخلق على يد الخميني من العدم، حيث استلزم الأمر مئات كثيرة من السنين حتى وصل التراكم الفقهي الشيعي إلى ما أمكن للإمام الخميني الاستناد إليه ليخرج بنظريته تلك إلى الدنيا.

وكان "محمد بن مكي الجزيني العاملي" في جبل عامل بلبنان عام (876هـ= 1471م) صاحب أول تطوير حقيقي في الفقه الشيعي فيما يتعلق بنظرية ولاية الفقيه، فبعدما كانت علاقة رجال الدين بالمجتمع قاصرة على الفتاوى الفقهية، وعلى ما يحصلونه من نسبة الخمس، وسع الجزيني نطاق عمل الفقهاء ووسع تأثيرهم في حياة الشيعة مستندا إلى ما يسمى "نيابة الفقهاء العامة" عن "المهدي المنتظر"، وشملت هذه النيابة القضاء والحدود وإقامة صلاة الجمعة.

ورأى في كتابه "اللمعة الدمشقية" أن الفقيه هو نائب الإمام، فكان الجزيني أول من تحدث عن نيابة الفقهاء للأئمة عند المسلمين الشيعة، لكن مضمون الفكرة يقوم على تحسين شروط الانتظار حتى يعود "المهدي المنتظر"، ومن ثم ظهر لأول مرة مصطلح "نائب الإمام".

الإمامة الكبرى

وبعد أربعة قرون طور "أحمد بن محمد مهدي نراقي كاشاني" في كتابه "عوائد الأيام في بيان قواعد الأحكام" أفكار الجزيني حول صلاحيات الفقهاء مستخدما مصطلح "ولاية الفقيه" لأول مرة رافضا "التقية" و"عصر الانتظار"، داعيا الفقهاء إلى تولي زمام الأمور والحكم لجماهير الشيعة، واقترح أيضا منصب الإمامة الكبرى، وتبعه الشيخ "مرتضى الأنصاري" الملقب بـ"خاتم المجتهدين" حيث أفتى بوجوب تقليد الشيعة المرجع الديني أو الفقيه في كل أمورهم الحياتية والمذهبية، فتكرست مرجعية الفقهاء ودورهم كنواب للإمام الغائب الثاني عشر، وهو ما أدى لتحويل وظيفة الفقيه من مجرد ناقل للأحاديث إلى مجتهد، ثم إلى مرجع يجب تقليده، وبشكل ينزله منزلة المنصب الشرعي، أو ما يطلق عليه في الفقه الشيعي "النيابة العامة" التي صعدت إلى مصاف الولاية المستمدة من الله.

وقد أسس ذلك فيما بعد لظهور نظرية "ولاية الفقيه" التي سعت لإثبات حقيقة أن العلماء والفقهاء هم ورثة الأنبياء والأئمة المعصومين استنادا لحديث النبي صلى الله عليه وسلم: "العلماء ورثة الأنبياء"، ومقولة الإمام الرضا -الإمام الثامن عند الشيعة الإثنا عشرية-: "الملوك حكام على الناس، والعلماء حكام على الملوك".

الخميني وتطوير الفقه السياسي الشيعي

يرى الكاتب أن الإمام الخميني لعب دورا هاما في تطوير الفقه السياسي الشيعي حيث حمل راية فكرة "ولاية الفقيه" من بعد الشيخ "مرتضى الأنصاري"، وكانت الظروف السياسية التي تمر بها إيران -الشاه والدور الذي لعبه الخميني في تحريك الاحتجاجات منذ عام 1963م، ثم نفيه إلى الخارج حيث استقر بالنجف الأشرف- فرصة كبيرة له لتطوير وصوغ أفكاره فيما يتعلق بإطاحة سلطة الشاه الدنيوية، وإقامة جمهورية إيران الإسلامية على أساس ولاية الفقيه، والتي يقابلها أن الحكومة تجسد خلافة الله على الأرض.

ويشير الكاتب إلى أن الخميني طرح أفكاره حول "ولاية الفقيه" في وقت تعددت فيه اجتهادات الفقهاء حول دور الفقيه وسلطاته، وانقسموا في ذلك إلى جماعتين:

الأولى: ترى ضرورة الانصراف إلى أمور الإفتاء والقضاء، والعزوف عن الانخراط في الشأن العام انتظارا للمهدي المنتظر، وإنكار أي ولاية على المؤيدين في زمن غيبة الإمام المعصوم، فهؤلاء الفقهاء يرون أن الولاية تختص بالنبي -صلى الله عليه وسلم- والأئمة فقط.

الثانية: اجتهادات لإثبات التكليف الديني في مباشرة الفقيه للحقوق العامة، ولكن داخل هذه الجماعة تعددت الاجتهادات أيضا حول شكل الولاية وحدودها وسلطاتها، ومن هذه الاجتهادات:

- الولاية العامة لعامة الفقهاء: ومن أبرز الداعين إليها محمد مهدي نراقي كاشاني وآية الله العظمى كلبايكاني المتوفى عام 1993.

- ولاية شورى الفقهاء: ومن أبرز الداعين إليها آية الله الشيرازي.

- الولاية المقيدة بالانتخابات: ومن الداعين إليها آية الله حسين علي منتظري.

- الولاية الرشيدة: ويعد آية الله "محمد باقر الصدر" أبرز الداعين إليها.

- الولاية المطلقة: ودعا إليها الإمام الخميني، ويرى الكاتب أن اللحظة التاريخية لعبت دورا كبيرا في تطوير نظرية الخميني وليس التراكم الفقهي، حيث كانت انتفاضة 1963 وما تلاها من نفي للخميني دافعا له لاستنباط الأحاديث الدالة على مصداقيته، وهو رأي يثير التساؤل حول مدى صحة ودقة دلالته لسببين، أولهما: أنه لا يمكن إنكار الدور الهام للتراكم المعرفي من خلال اجتهادات علماء وفقهاء الشيعة، وثانيهما: الدور الكبير الذي لعبته فلسفة الثورة ومفكرها الدكتور "علي شريعتي" والذي مهد بأفكاره للثورة، وخلق جيلا جديدا من الشباب الثائر من خلال أفكاره الحديثة التي استطاع أقلمتها مع مقتضيات المجتمع والفكر الإيراني.

وقد واجهت إيران الدولة وولاية الفقيه النظرية بعد رحيل الإمام الخميني اختبارا صعبا، خاصة بعدما عُزل نائبه آية الله "حسين علي منتظري" الذي كان مرشحا بقوة لخلافة المرشد في ضوء جمعه بين معظم الشرائط السياسية والمذهبية، إلا أن خريطة المرجعية تعرضت لتعقيد أكبر في ضوء ترجيح كفة "علي خامنئي" لخلافة الخميني، حيث افتقد "خامنئي" للشرائط السياسية والمذهبية في ظل وجود عدد من الآيات العظام الذين لا يمكن تجاهلهم وفي مقدمتهم: آية الله "كلبايكاني"، وآية الله العظمى "أراكي"، بالإضافة لوجود "منتظري" نفسه كمرجعية سياسية لا يمكن تجاهلها، بينما كان آية الله العظمى أبو القاسم الخوئي بالعراق المرجعية الشيعية العليا في العالم.

ونتيجة لهذه المشكلة الكبيرة انعزلت القيادة الدينية في الجمهورية الإسلامية عن قيادة الجمهورية، ففُصلت المرجعيتان الدينية والسياسية وهو ما يتناقض مع الأفكار المؤسسة لنظرية "ولاية الفقيه" -كما يرى اللباد- حيث إن هذا الفصل يبدو وكأنه انتقص من المكانة الروحية والدستورية لمرشد الجمهورية، لكنه في أحد وجوهه هو تغليب للسياسي على المذهبي في إيران عن طريق الاستقواء بالدولة في مواجهة المنافسين الدينيين؛ ولذا لم يكن مستغربا أن يتم تعديل الدستور الإيراني بعد انتخاب "خامنئي" مرشدا أعلى للجمهورية، حيث هذبت بعض فقرات الدستور لتتحدث عن موقع المرشد بوصفه مرشدا سياسيا فقط، وهو ما يعني عمليا انتهاء مفهوم "ولاية الفقيه"، ومن ثم تكون ولاية الفقيه لعبت دورا في تثبيت الدولة الدينية في إيران، وفي المرحلة التالية لعبت دورا في تسويغ هذه الدولة والاحتفاظ بسلطاتها، ولكن بشروط السياسة الدنيوية.


** باحث مصري مهتم بالشأن الشيعي

 

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع