بريدك الالكتروني


English

 

الثلاثاء 9  شوال 1427هـ - 31/10/2006م

مساحات ثقافية » ثقافة وفن
أرسل لصديق
 
 

 

من نحن؟ سؤال الهوى والهوية

مصطفى عاشور**

غلاف مجلة سطور

يبدو سؤال "من نحن؟" سؤالا غريبا؛ إذ كيف لشخص ألا يعرف نفسه، وكيف لجماعة ما ألا تعرف من هي!! لكن السؤال على رغم بساطته وانحصاره في كلمتين لا تتجاوزان الأحرف الخمسة، فإنه من الأسئلة الكبرى التي تأخذ جهد أُولي المكانة من أهل العلم، بل إن هذا السؤال هو من الأسئلة التي هددت استقرار دول ونشبت للإجابة عليه حروب طاحنات؛ لأنه هو -سؤال "الهوية"- الذي يحدد انتماء الجماعة وشبكة مصالحها وعلاقاتها، ومن هم أعداؤها وأصدقاؤها... إلخ، ومن ثم فهو من أسئلة الحياة الكبرى التي لا بد من الإجابة عليها بوضوح؛ لأن له ما بعده في السياسة والحركة.

والإشكالية هنا هل سؤال "من نحن؟" تفكيكي يحاول تفكيك الـ"نحن" ليتوصل إلى تكوينها، أم أنه تركيبي يهدف إلى تركيب المتناثرات ليكون الـ"نحن"؟.

وفي محاولة للإجابة على هذا السؤال الجدلي الكبير والمؤرق طرحت مجلة "سطور" المصرية هذه الإشكالية الكبرى في ملف في عددها الصادر في أكتوبر 2006م، والذي عرض عدة مقالات مهمة لعدد من الأقلام المهمة.

وقبل التطرق لما تناولته "سطور" نؤكد أن سؤال الهوية أو "من نحن؟" ليس همًّا أو شغلا يختص به المسلمون والعرب أو الشرقيون فقط؛ ولكنه سؤال يؤرق غالبية المجتمعات العالمية؛ حتى إن كاتبا مرموقا مثل "طارق رمضان" وضع الإساءة التي وجهها البابا بندكيت السادس عشر ضمن محاولات البابا لصياغة الهوية الأوروبية؛ أي الإجابة على سؤال "من نحن؟"؛ إذ حاول البابا أن يختزل الهوية الأوروبية في العقل اليوناني وفي الروح المسيحية نافيا ما عداها من مؤثرات، وهو ما استتبع هجومه على الإسلام أو تحديد الطرف المستبعد من تشكيل الهوية.

الدين والهوية.. أيهما أشمل؟

الدكتور نصر حامد أبو زيد

ففي مقال الأكاديمي نصر حامد أبو زيد بعنوان "الدين.. وسؤال الهوية" طرح مجموعة من الأفكار التي تحتاج إلى نقاش؛ في مقدمتها علاقة الدين بالهوية؛ حيث رأى أن البعض اختزل الهوية في الدين؛ أي إن ميلاد الهوية ارتبط بنزول الوحي أما ما سبقه فهو في جب الجاهلية، ورأى أن هذا الاختزال يجعل مفهوم الهوية ثابتا غير قابل للتطور أو الإضافة أو الحذف من خلال الفعل الاجتماعي، وربما ما يطرحه "أبو زيد" يتفق مع رؤيته الفكرية تجاه مسألة الدين والإسلام التي أثارت قدرا من الجدل في مصر في فترة من الفترات، لكن لا يخلو طرحه من أهمية في أن سؤال الهوية يحتاج إلى مناقشة جادة وحقيقية.

والواقع أن سؤال الهوية يعكس نوعا من القلق؛ قلق الذوبان في الآخر (الغربي) الذي يهيمن على حركة التاريخ منذ عدة قرون، أو أن تكون الهوية حالة تنسب إلى الماضي، إضافة إلى أنه سؤال يحيل إلى عشرات من الأسئلة الفرعية، ومن ثم فسؤال الهوية ليس مصطنعا والانشغال به ليس مضيعة للوقت، أو أنه يقود إلى مجموعة من الفخاخ الخارجية.

ويرى أبو زيد أن سؤال الهوية لا يمكن حصره في مقولات ثابتة، وطرح فكرة أن "تكون المواطنة لا العقيدة في العروة الوثقى للاجتماع"، وهو بذلك يرفع الاعتبار المدني على الاعتبار الديني؛ لأن حصر الهوية في الدين -حسب رأيه- يجعلها تامة الصنع مكتملة الملامح.

ويرى أنه من الضروري وضع مشكل الهوية في أولويات الثقافة العربية، وتحرير المصطلح من سجن التعصب والتوظيف الأيديولوجي؛ فسؤال الهوية تعبير عن أزمة فكرية واجتماعية.

وانطلق من هذا الطرح ليؤكد وجود مجموعة من الإشكاليات التي من الضروري التعامل معها لإيجاد مخرج من سؤال الهوية ومنها، لماذا ظل المشروع الفكري النهضوي العربي متعثرا؟ وما عوائق هذا التعثر؟.

واعتبر أن ما يسمى بالحروب الصليبية التي امتدت من القرن العاشر حتى القرن الحادي والعشرين كانت محملة بحمولات أيديولوجية؛ حيث يعتبر الحروب التي وقعت في المنطقة مثل 1956 و1967 هي امتداد للحروب الصليبية، وأن الاستعمار كان محملا بحمولة دينية أيديولوجية، ولعل هذا ما جعل الهوية في المنطقة العربية والإسلامية يتم اختزالها في بُعْد الدين؛ حيث ساهمت الأطماع والعدوان الغربي في تنمية العداء في الوعي الجمعي الإسلامي، وهو -حسب قوله- ما سجن العالم الإسلامي في سجن "هوية" ذات بعد واحد.

وكان المأزق الذي واجهه الخطاب الإسلامي هو مسألة الاندماج في الحضارة المعاصرة؛ حيث إن مشروع التحديث في النصف الثاني من القرن التاسع العشر أدى إلى انقسام في مشروع النهضة إلى مشروعين:

الأول: يعتمد المرجعية الحداثية، ويقوم على الفصل التام بين الديني والدنيوي.

الثاني: يقوم على المرجعية الإسلامية التي تقبل منجزات الحضارة الغربية، وتزعَّم هذا الاتجاه الإمام محمد عبده، ورأى أن التحدي الذي واجهه المشروع النهضوي في بدايته هو نفسه الذي يواجه مشاريع النهضة الحالية؛ حيث إن مشكلة العالم الإسلامي نابعة من سياق ظروفه وذاته بغض النظر عن التحدي الغربي، لكن الاستجابات الحالية لا تأخذ سمة الفعل بل رد الفعل المشوه الذي يشوه بنية الوعي.

وخرج أبو زيد من ذلك إلى أن التركيز على الدين كمكون أساسي وحاكم في الهوية هو بمثابة ردة فعل للهجمات الغربية المتوالية على العالم الإسلامي، كما أن مشكلة التخلف في العالم العربي -حسب رأيه- أفرزت نوعا من القراءة ذات الطابع الانتقائي للنصوص الدينية سعت ألا توجد أي نوع من الارتباط الشرطي بين الدين والتخلف، وهو ما انعكس في مسألة الهوية؛ حيث إن سؤال الهوية كان مرتبطا بسؤال النهضة والإصلاح.

إلا أن ما يتفق المرء مع أبو زيد فيه مقولته إن "وعينا لا يتشكل بمعزل تام عن علاقتنا بالآخر ووعيه بذاته وبنا".

الهويات القاتلة

الدكتور سيف عبد الفتاح

أما الدكتور "سيف الدين عبد الفتاح" في مقاله "الحرب الحضارية.. بين الاقتتال على الهوية والقتل على الهوية" فتساءل: هل يمكن عزل الهوية عن محيطها؟، وللإجابة على هذه الإشكالية كان هناك اتجاه "يحنط الهوية" ويجعلها مفهوما جامدا منعزلا عن محيطه الداخلي والخارجي، واتجاه آخر "يبدد الهوية" ويحولها إلى حالة غازية أو سائلة.

ومن هنا برزت أهمية البحث في إشكالية الثابت والمتحول في الهوية؛ فالهوية فيض متجدد لا يمنعه ثبات نواته من إمكانية التفاعل مع الواقع المتغير، وبذلك "تظل الهوية مشروعا تحت التأسيس، وليست هناك نقطة ما يكتمل عندها إنجازها، كما أن تحقيقها على نحو تام ليس ممكنا؛ فالكمال شيء نقاربه ولا نستحوذ عليه"، ووفقا لذلك فالهوية تحتاج إلى تجديد مستمر.

وأكد سيف أن دخول أمة ما في مرحلة التراجع الحضاري سوف يقود إلى الكف عن تجديد الهوية، أو إعادة إنتاجها، وسيحولها إلى أشياء يتم تلقينها للناس دون أن تدفع أو ترفع أو تجمع شيئا، وفي هذه الحالة تتحول إلى عبء على الذاكرة.

أما "فاقد الهوية" فسيتحول إلى عالة معرفية ووجودية، ومن ثم فالتضحية بالهوية من أجل الوجود والاستمرار هو أمر باطل؛ حيث إن الهوية والوجود متلازمان؛ فالانتقال من موقع "الذات" إلى موقع "الآخر" لا يتم إلا بالتضحية بالوجود، ومن هنا فالهوية هي قوة الممانعة ضد قوى الاستلاب من الآخر، والواجب أن تقوم العلاقة بين الهويات على أساس من التكافؤ؛ ولذا كان طبيعيا أن تستفز الهوية كل إمكاناتها عند التحدي والمواجهة.

ورأى سيف أن من يفترض الثبات المطلق في الهوية يخلط بين المعنى المنطقي للهوية والمعنى الفلسفي؛ فالموجود كلما ارتقى في درجات الوجود طور هويته وانتقل من درجة إلى أخرى.

وحذر مما أسماه "سرطان الهوية" وهي الحالة التي يتم فيها التنازع والاستبعاد بين الهويات والرغبة في هيمنة رؤية على أخرى؛ حيث إن هذا التنازع يهجم على الخلايا الحية في الأمة والدولة والمجتمع.

وشبه أزمة الهوية بـ"الفتنة الثقافية" التي تفقد الكيان القدرة على التمييز بين الصواب والخطأ، ومن هنا يجب ألا يكون الحوار حول مسألة الهوية هو حوار مناسبات أو أزمات أو مناوشات، وحذر من الحوارات التي لا يترتب عليها خيارات حضارية، وطرح مفهوم "الهوية القاعدية" التي تعد حركة تنشئة شاملة للمجتمع، وهو ما يستدعي البعد عن نزيف الهوية، وأن تكون هناك تربية على الهوية، وأن تترجم الهوية إلى حركة فاعلة، وأن تسود في المجتمع ثقافة السفينة على قاعدة المشترك والمصير، ومن ثم فلا خيار أمام أي مجتمع إلا بين الهوية أو الهاوية.

الهوية.. والتغريب

الدكتور حسن حنفي

وفي مقال الدكتور حسن حنفي "الهوية الثقافية العربية.. في ضوء المتغيرات الدولية" أشار إلى أن العولمة هي إحدى أشكال الهيمنة الغربية الجديدة التي تعبر عن المركزية الأوروبية في العصر الحديث والتي بدأت منذ الكشوف الجغرافية في القرن الخامس عشر الميلادي، فهي تعبير عن مركزية دفينة في الوعي الأوروبي تقوم على عنصرية عرقية وعلى الرغبة في الهيمنة والسيطرة.

وأشار إلى أن مخاطر العولمة على الهوية هي مقدمة لمخاطر أعظم على الدولة الوطنية والإدارة الوطنية الثقافية؛ لأن العولمة تعني مزيدًا من التبعية.

وأكد أنه بمقدار ما يزداد التغريب في المجتمع، وتنتشر فيه القيم الغربية بشتى تنويعاتها خاصة عند الصفوة التي بيدها مقاليد الأمور، فإن الجماهير تتباعد عنها وتتجه إلى ثقافتها وتتمسك بتقاليدها؛ فتنشأ الأصولية دفاعا عن الأصالة وتمسكا بالهوية، وحسب رأيه ينقسم الصف الوطني بين سلفية وعلمانية كل منهما يستعد الآخر ويخونه، أما الدولة فتساند الطرف الذي لا يشكل أي خطر بالنسبة لها، بل إنها تقوم في بعض الأحيان بإشعال الفتنة بينهما لتضعف الجميع ويقوى الاستبداد، وينهار المشروع الوطني، وأكد أن المعركة بين الخصوصية والعولمة ليست معركة نزيهة مبرأة، بل تمس الأوطان ومصير الشعوب.

وأكد أن الدفاع عن الهوية الثقافية لا يتأتَّى من خلال الانغلاق على الذات ورفض الغير، ولكن يأتي ذلك بإعادة بناء الموروث القديم، كذلك يتطلب الدفاع عن الهوية كسر حدة الانبهار بالغرب ومقاومة قوة جذبه، والقضاء على أسطورة الثقافة العالمية، ومن هنا فالهوية في عصر العولمة تحتاج إلى إحضار الماضي والمستقبل في الحاضر، مع ضرورة تقديم المعاش على الأيديولوجية، وحسب رأيه فإن الواقع هو الذي يصهر الفكر.

اللاهوية

أما كريم عبد السلام، فكان مقاله بعنوان "اللاهوية" وناقش هل الاستسلام هو الحل؟ ولماذا لا نجرب الانهيار؟ وناقش رسالة كتبها الشاعر "حمدي أبو جليل" يدعو فيها إلى الاستسلام ويقارن بين استسلام اليابان وألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية وتقدمها الاقتصادي والتنموي وبين إصرارنا على المقاومة الذي أدى بنا إلى هذا الضعف الكبير، وكانت نقطة انطلاقه ضرورة الانقطاع الفكري والأيديولوجي كنوع من رد الفعل على ممارسات أجيال سابقة أوغلت في استخدام الشعارات الفكرية.

والواقع أن مسألة الهوية ذات خطورة؛ فهي أشبه بالذاكرة الجينية للكائن الحي، قد يؤدي إلى أي تلاعب غير مسئول فيها أو غير خبير إلى كوارث لا يعلم مداها إلا الله.


** محرر النطاق الثقافي بموقع "إسلام أون لاين.نت".

 

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع