بريدك الالكتروني


English

 

الثلاثاء 4 رمضان 1427هـ - 26/9/2006م

مساحات ثقافية » ثقافة وفن
أرسل لصديق
 
 

 

إشكالات الهوية في معهد "غوتة"

أحمد القضابي**

بوستر حلقة النقاش

بعد الحادي عشر من سبتمبر لم يتغير العالم فحسب، بل تغير إدراك البشر للعالم، وبمقدار ما تغيرت الأسئلة وزادت تعذرت الأجوبة. فزاد السؤال في الغرب عن الإسلام وكأنه ظهر فجأةً! وهذا دفع بالعديد من الندوات عن علاقة الإسلام بالغرب؛ غير أن نقاشها كان سطحيا، فلم تكن الأسئلة تطرح بعمق ووضوح، ولم تكن الأجوبة كذلك، وبنخبوية أطرافها المشاركة حملت أجندات معدة سلفًا، فجاء الحوار أطرش.

وبعيدا عن ذلك تميز "معهد غوته/ القاهرة" (المركز الثقافي الألماني) في أنه كان طرفًا حاول القيام بحوار مختلف شكلا ومضمونا مثل: حوار الموسيقى والفنون، والحوار حول موضوعات مختلفة كالمدرسة في المستقبل، والبحث العلمي، لتكون هي أداة الحوار بين الإسلام والغرب.

وكجزء من دوره ذاك نظم مؤخرًا حلقة نقاشية بين مثقفين ألمان ومصريين حول قضايا "الهوية الإسلامية والحداثة"، وكانت الحلقة النقاشية في المعهد بتاريخ 20-9-2006 استكمالا لنقاش سابق اقتصر على النخب المتحاورة في منطقة "الواحات البحرية".

اختلاف المفهوم

ولربط موضوع حلقة النقاش المفتوحة بحوار سابق مغلق بدأ الحوار بعرض فيلم وثائقي يعرض مقتطفات من المحادثات التي دارت سابقا في لقاء "الواحة البحرية"، عكس الفيلم المناخ الذي ساد الحوار. ومن أبرز ما طرحه الفيلم على صعيد الموقف المصري أن "هناك فرقا بين الهوية الإسلامية والهوية المطلقة؛ فالهوية الإسلامية: أن أفعل ما يرضي الله والرسول". والهوية عند الآخرين أن يفعل الإنسان ما يشاء.

كما أن الهوية الإسلامية تنبع من منبع واحد وهو الإيمان بالله، فإذا آمنا بالله فهذا يجعلنا في سلام، سلام مع الله وسلام مع النفس، والمسلم يعيش في سلام عندما يتبع القوانين التي حددها الله له، وهي حدود لا يحق لغير الله أن يضعها لكونها وضعت لمصلحة الإنسان.

الجانب الألماني أكد على أنه لم يصل لمعنى الهوية، فهي قضية فردية شخصية. وفيما يتعلق بالسعادة فهناك أشياء كثيرة تحققها، بداية من مجموعة الحريات والحقوق المدنية، والبنية الاقتصادية التي تسمح باستكمال التعليم للتعرف على شخصية المواطن وتنميتها.

الحوار ومعيقاته

عرف "أحمد محمد سعد" (إمام مسجد وداعية إسلامي بألمانيا) الحوار بأنه: "أن يتخلى كل طرف من أطرافه عن مفاهيم مسبقة، وأن لا يعد طرفٌ نفسه مقياسا يقيس عليه".

بينما تحدثت باحثة الاجتماع الألمانية "نيكوله تيتزى" عما هو مهم للحوار فقالت: "المهم؛ هو أن نتعلم طرح الأسئلة بحرية وصراحة، وأن نحصل على أجوبة؛ فالحوار سيكون ممكنا إذا عرف الناس الوقائع الحقيقية في المجتمع، وهذا يفرض منح أعضاء المجتمع المغلق طرح الأسئلة والحصول على أجوبة، كما يجب أن يكون هناك تعليم متطور لا ينحصر في تلقين الدين والمُثل".

وأضافت: "يجب أن نفهم أن من يدخل في الحوار هم أشخاص لا المجتمع بكامله، لهذا يجب أن يتحدثوا عن مشاكلهم بصراحة تامة".

الدكتور صبري عبد الرءوف (أستاذ الفقه الإسلامي بالأزهر) قال: "نحن مستعدون للحوار، لكن مع من؟ أن أحاور عالما لا جاهلا، أنا لا أحاور الجاهل لكني أعلمه".

ثم أضاف: "إنني أقول لهم دعونا لنعيش وننتمي إلى ديننا، إن كنا لا نعجبكم فاتركونا، فإننا راضون بقيمنا وحياتنا، اتركونا.. ابتعدوا.. ووجهوا سهامكم إلى غيرنا".

أدت كلمة صبري السابقة إلى استنفار الجانب الألماني فقالت "إيفا فيلمان" (الباحثة في مركز البحوث السياسية في ميونخ): لقد تحدث الشيخ صبري عن التسامح وقال: "اتركونا لنعيش في هدوء"، هذا ليس مفهوم التسامح الذي أعرفه أو يعرفه الأوروبيون، التسامح يعني جهودًا نشيطة وفعالة، وتفهما من الآخر بأن الغير له نفس الحق".

ثم تابعت حديثها عن الحوار فقالت: "إذا قلنا اتركونا فهذا يدفعنا لتصرفات ليست جيدة، وهذا يوصلنا لنقطة سوء الفهم، أعتقد أن الحوار يكون لمد جسور التفاهم، وقد تكون هذه هي الخطوة الأولى.. وفي ضوء عدم وجود فهم كبير بيننا دعونا نتكلم بهدوء".

فاضل سليمان

أما أكبر مشكلة من مشاكل الحوار برأي فاضل سليمان (مدير مؤسسة جسور للتعريف بالإسلام) هي أن هناك طرفًا يريد أن يفرض حلوله؛ فهو يرفض الحل الإسلامي لمشاكله وحتى يرفض سماعه، ونحن هنا نريد أن نقول لكم ما تحتاجون لسماعه، لا أن أقول لكم ما تريدون سماعه".

ما الإسلام؟

الإسلام في قولٍ بسيط؛ عقيدةٌ وشريعة. العقيدة: أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره. والشريعة: مجموعة القواعد الضابطة لمعاملات البشر الموضوعة من قبل الله، عز وجل، أو المستنبطة من كتابه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم. أما الإيمان فهو: ما وقر في القلب وصدقه العمل.

هذه هي أصول الإسلام ببساطة، رغم كل الاختلافات الفرعية بين السنة والشيعة وفرقهم، وتعدد القراءات للإسلام، فلماذا لا يزال الغرب يسأل: "ما الإسلام؟".

يجيب "ميشيل لودرز" (دارس للعلوم الإسلامية ومستشار ثقافي) عن هذا بقوله: "في حواراتنا السابقة سمعنا من المصريين أن المسلم الجيد هو من يفعل الأشياء الجيدة، ولا نشك في ذلك، وكثير من الأوروبيين يطرحون السؤال التالي: "لماذا يحدث باسم الإسلام أمور مروعة؟ إنه سؤال يطرح في ألمانيا، يأتي ذلك في ضوء عدم فهم حقيقة الإسلام من الأوروبيين لكون الشروحات التي تأتي من العالم العربي تفتقد الوضوح".

ويتابع: "المشكلة الثانية تتمثل بمن يتحدث باسم الإسلام؟ أي قراءة للإسلام يتعامل معها الغرب؟ قراءة السنة أم قراءة الشيعة؟ قراءة الأزهر أم قراءة الوهابيين... إلخ؟.

أحد الألمان في الجلسة عبر عن ذلك بقوله: "الغرب يتحدث مع الأزهر، فيرد الأزهر برد، فتغضب السعودية. وإذا تحدثنا مع السعودية، وردت برد، يغضب الأزهر". غير أن رد "فاضل سليمان" كان مختصرا وواضحا بقوله للحضور: "الإسلام في النص".

شعار المثالية

في ذات الجلسة فتحت تساؤلات الجانب الألماني الحديث عن الإسلام المثالي والمسلم المثالي؛ ففي الفيلم الوثائقي قال أحدهم: "رجال الدين المسلمون ليس لديهم القدرة على تسمية المشاكل المعاصرة بأسمائها، ويتحدثون عن عالم مثالي وفاضل غير موجود".

وعن ذلك تساءل "ميشيل لودرز": "الواقع الإسلامي معقد جدا، المسلم المثالي والعالم الإسلامي المثالي أين كان موجودًا في الماضي؟ كيف يمكن أن نتخطى الفجوة بين الواقع والماضي المثالي؟".

كما سجل ملاحظته عن ضعف الأداء السياسي والاقتصادي العربي قائلا: "أنا أتساءل لماذا الدول العربية ضعيفة في السياسة الدولية، هناك إحصائية صادمة عن الأداء الاقتصادي العربي، حيث إن قيمة صادرات الدول العربية كلها تعادل الناتج القومي لدولة فلندا، وإذا قارنا حال كوريا بمصر، وقد كانتا في الخمسينيات متقاربتين جدا، فسنجد الفارق الآن كبيرا، عليكم أن تبحثوا عن الأسباب".

وأجاب "أحمد سعد" عن المثالية المفتقدة موضحا أسباب افتقادها بقوله: "إذا عدنا لمجتمع الإسلام أيام الرسول عليه الصلاة والسلام قبل الردة الحضارية التي نعيشها الآن، فسنجد أن المثالية قد تحققت يوما ما، غير أن هذه التجربة لها عناصرها التي قامت عليها، فإذا استعدنا هذه العناصر استعدناها. وهنا نحن نعتقد في أنفسنا القدرة على تحقيق المثالية، فما لا يدرك كله لا يترك كله".

وفي النهاية أشار ميشيل إلى أن الدول الإسلامية لن تستطيع أن تحقق المثالية بالعنف، وتمنى أن يخرج المسلمون من الشعور بكونهم ضحايا للمؤامرات الغربية.

قضايا معاصرة

برز من خلال المناقشات مشاكل معاصرة يعاني منها الجانبان؛ المسلم مثل: تأخر سن الزواج، والمشاكل الجنسية، وضعف القدرة الاقتصادية، والديمقراطية. والغربي مثل: حمل القاصرات، وشرب الخمور وإدمان المخدرات، وارتفاع معدلات الانتحار.

وعبر الفيلم الوثائقي قال أحمد سعد في مشكلة تأخر سن الزواج في الدول الإسلامية: "المشكلة تكمن في السياق الاجتماعي الذي هو انعكاس لغياب التكافل الاجتماعي الذي يحض عليه الإسلام، وهي مشكلة نتاج المجتمع الحديث لتجاهله القيم الإسلامية".

أحد الألمان رد على أحمد سعد قائلا: "غياب القيم الإسلامية هو السبب!! هذه إجابة غير كافية. إننا نتحدث الآن. كيف نقدم للشباب حلا، هناك شباب في أماكن أخرى لديهم حلول لمشاكلهم الجنسية".

وخلال الجلسة قال أحمد سعد: "مشاكل تأخر سن الزواج وضعف القدرات المادية موجودة، لكن هل الحل في الأخذ بما عند الغرب؟ وإذا حدث ذلك فسيكون هناك جيل به مشاكل خطيرة؛ فأخذ الحلول من الآخر لا يعني نجاحها؛ لأن المنطلقات والمرجعيات مختلفة".

أما الداعية الإسلامية نهلة الحراقي فأضافت: "يتحدثون عن الحرية التي نفتقدها، وهذا كلام مغلوط؛ لأنهم يبدءون من حيث ننتهي، وحلولهم للمشاكل الاجتماعية انتهت بأمراض نفسية وانحرافات؛ فالأمور واضحة ومحددة عندنا، ولسنا في حاجة إلى الحرية المطلقة بوجود الحرية المسئولة المقننة".

وأشار "فاضل سليمان" تعليقا على تزايد النقد الذاتي الذي صدر من الحضور: "يجب أن ننتقد الذات، لكن دون أن نبالغ، عندنا دعارة وإدمان كحول، ومشاكل أهم مثل: الديمقراطية والاقتصاد، وتأخر سن الزواج، لكن الحلول مختلفة".

أما "ميشيل لودرز" فقال: المشكلات الاجتماعية في البلاد العربية تتزايد، وهذا ليس مجرد مؤامرة غربية، هناك من يتصور أننا نعيش على حياكة المؤامرات للعرب، وهذا ليس بصحيح. المشكلة في مسألة الجنس مثلا، أن الوهابيين لا يجيزون "زواج المتعة"، وهم كما رأيتهم في لبنان يحصلون على المتعة من الروسيات!!.

وعن إشكالية نظرة الغرب لمشاكل المسلمين قال "فاضل سليمان": "نحن نعترف بوجود المشاكل، لكن العقدة تكمن في الغرب الذي يقول اتركوا الدين لتحل مشاكلكم، ونحن نرى أن المشاكل ظهرت لبعدنا عن الدين، الغرب أدخل الدين في علبة تفتح يوم الأحد فقط، ثم يصبح الدين بعد ذلك اختيارا شخصيا".

وأضاف: "كل الأسئلة التي وجهت إلينا أجبناها في الحوارات غير أن أسئلتنا لم نتلق عنها إجابة، سألنا عن القاصرات اللاتي يحملن دون السادسة عشرة، وعن الأطفال الذين يموتون بفعل الكحول... إلخ". وأكد فاضل سليمان على أن المجتمعات بها مشاكل كثيرة، في الغرب تطرح بشفافية، بينما في مجتمعاتنا الإسلامية لا تطرح بشفافية وهذا هو الفرق.

تابعت "نيكوله تيتزى" الحديث قائلة: "المؤسسات عليها طرح مشاكل المجتمع بوضوح، وهي الخطوة الأولى لحلها، هذه هي الديمقراطية والشفافية، لا أستطيع أن أتحدث عن المشاكل الاجتماعية في مصر، لكن طرحها مهم لحلها، كما أننا لا نستطيع أن نصدر حكما أخلاقيا على مجتمع لأن به مشاكل".

فيما أكد "ميشيل لودرز" أنه ليس نصف المجتمع الألماني قاصرات وحاملات، كما أن مشاكل الحمل سفاحا أنتم (المسلمون) لديكم مثلها، وقد عرضها فيلم "دعاء الكروان" المأخوذ عن رواية بنفس الاسم لـ(طه حسين).

لكن "نهلة الحراقي" علقت قائلة: "حلولكم للمشاكل انتهت بأمراض نفسية وانحرافات؛ حتى إن بعض حلولكم هي حلول إسلامية كالقانون الذي يعد للفصل بين الذكور والإناث في المدارس".

وختم فاضل سليمان قائلا: "أعتقد أن الغرب قد فهم الآن أن لدينا ثوابت ومتغيرات، نستطيع أن نغير في المتغيرات، لكن الثوابت لا، وإننا لن ندخل الإسلام العلبة".


** صحفي مصري.

 

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع