بريدك الالكتروني


English

 

الأربعاء 27 شعبان 1427هـ - 20/9/2006م

مساحات ثقافية » ثقافة وفن
أرسل لصديق
 
 

 

بابا روما والاستعلاء الحضاري*

بابا الفاتيكان

أثارت محاضرة قداسة بابا الكنيسة الكاثوليكية الرومانية العديد من موجات الغضب في البلاد الإسلامية، فلقد هاجم البابا الإسلام بكلمات واقتباسات تقلل من شأن الإسلام في مواجهة المسيحية، وكأنه أراد أن يستعلي على الإسلام بمسيحيته، ولكن الأمر لم يكن شأن تفاخر، بقدر ما كان تصويرًا للإسلام بصورة، ومقارنة تلك الصورة بالمسيحية.

ومن نص المحاضرة، اتضح أن الجماهير الغاضبة لم تسئ فهم ما قاله البابا - كما قيل في البيان البابوي- والذي اعتذر فيه البابا عن سوء الفهم الحادث نتيجة المحاضرة التي ألقاها. والواقع يؤكد أننا لسنا بصدد سوء فهم، فلقد قصد البابا الوصول إلى خلاصة محددة حول الشأن الديني والإيماني، ما بين المسيحية والإسلام، وكان واضحًا أن ما يعنيه البابا، هو أن الإسلام يعرف إيمانًا غيبيًا لا يعطي للعقل أو المنطق دورًا فيه، مما يجعل إرادة الله لا تخضع للمنطق. كما قال البابا: إنه رغم اعتراف الإسلام في بدايته بحرية الإيمان، فإن الواقع التالي شهد نشرًا للإسلام بالقوة والسيف.

الإسلام يعرف العقل

وما اقتبسه البابا عن الإمبراطور البيزنطي، لم يكن مجرد سردٍ لرأي لا علاقة له برأي البابا، بل كان استشهادًا يعزز ما يريد البابا الوصول له من خلاصة. وأصبحنا في الواقع أمام محاضرة هجومية، ترى أن الإسلام أقلُّ شأنًا من المسيحية، وأن المسيحية دين العقل، أما الإسلام فدين لا يعرف العقل. ولعل هذا الموقف يدفعنا لتبين ما يعنيه على المستويين السياسي والديني، خاصة أنه يأتي من رأس أكبر كنيسة في العالم، ويجعلنا نتساءل عن موقف المسيحيين في الغرب، وموقف العامة من كلام البابا، وما هو التصور الشائع عن المسلمين في الغرب. ولكن قبل الخوض في دلالات ذلك الموقف، علينا في البداية أن نعرف ما هو الموقف بالتحديد؛ فكل من علق على كلام البابا وأدانه ركز على موقفه من الإسلام، ولكن الأخطر في محاضرة البابا، لم يكن فقط موقفه من الإسلام، بل أيضا موقفه من المسيحية.
فقد رأى البابا أن المسيحية عندما التقت بالفلسفة اليونانية، أحدثت التوازن بين العقل والإيمان، وأن رسالة الرسول بولس، قد حققت هذا التوازن بين الإيمان والعقل. وهنا علينا أن نحدد دلالة ما يقوله البابا في التاريخ المسيحي، فقد بدأ تلاميذ السيد المسيح الدعوة للمسيحية بعد قيامته، وذهب التلاميذ إلى أنحاء المعمورة، ومنهم من بشر بين اليهود، ومنهم من بشر بين العرب والمصريين، ومنهم من بشر اليونان والرومان. وعندما خرج التلاميذ إلى كل أنحاء المعمورة حسب وصية السيد المسيح، كلم كلٌ منهم الشعب الذي يتوجه له بلغته.

وفي بدايات المسيحية، كان هناك نقاش حول الفروق بين اليهود والأمم، وحول فهم اليهود الذين قبلوا المسيح، وفهم الأمم. وفي كل الأحوال، فقد استطاع تلاميذ المسيح التحدث لكل شعب بلغته، وإيصال رسالة المسيح الواحدة للجميع، ولقد كان الرسول بولس هو أهم شخص في توصيل رسالة المسيح للغرب. ولكن غيره من تلاميذ المسيح، كان لهم دور في نشر رسالة المسيح في فلسطين والدول المحيطة بها.
ويعرف المتابع أن بعض تلاميذ المسيح كان لهم دور في نشر الرسالة المسيحية للمنتمين للفكر الشرقي أو اليهودي أو العربي، ومنهم البشير متى وبطرس ومرقص، وهناك من ركز على نشر الرسالة بين الأمم المنتمية للفكر اليوناني والروماني، ومنهم الرسول بولس ويوحنا ولوقا. وموقف البابا من المسيحية له دلالة خطيرة، فقد وقف مع الرسائل التي قدمت للأمم الغربية، ورأى أنها حققت التوازن بين العقل والإيمان، ومعنى هذا أن هناك في نظر البابا مسيحية أخرى، لا توازن بين الإيمان والعقل، وهي تلك المسيحية التي لم تتزاوج مع الفكر اليوناني.

البابا يهاجم المسيحية العربية

إن نص محاضرة البابا، يهاجم بالفعل المسيحية الأصلية والتي تنتشر في البلاد العربية، ومنها المسيحية القبطية. والمعنى واضح في حديث البابا، فالمسيحية التي لم تتوافق مع الفكر اليوناني، هي مسيحية غيبية لا تحكم العقل. وهكذا أصبح كل المسيحيين في البلاد العربية متهمين بالغيبية التي لا تحكم العقل، وأصبح هناك مسيحية مقبولة في نظر البابا، ومسيحية أخرى مرفوضة لا توازن بين العقل والإيمان. وبهذا تساوى في نظر البابا الإيمان الإسلامي، بالإيمان المسيحي غير الغربي.
وعلينا أن نؤكد أن الدين رسالة سماوية لكل الأمم، وأنه يتزاوج مع الحضارات المختلفة، دون أن تتغير رسالته الجوهرية. والدين لا يعادي حضارات الناس، بل يوجهها ويحافظ على تميزها في نفس الوقت. وهذا ما حدث في المسيحية، حيث نشرها تلاميذ السيد المسيح، في أكثر من بلد مختلفة حضاريا، وكلموا كل بلد بلغتها، وقدموا رسالة المسيح الواحدة في أكثر من سياق حضاري، حسب وصية السيد المسيح لهم. ولكن البابا اختار الرسالة التي قدمت لليونان، بوصفها المسيحية المقبولة من وجهة نظره.
وهذا الموقف، هو موقف ديني وحضاري عنصري، ولا يوجد مبرر واحد له. فالإيمان الإسلامي والإيمان المسيحي في البلاد العربية والإسلامية، أو في البلاد غير الغربية يمثل في نظر البابا الإيمان الخرافي، والذي يخرج عن المنطق والعقل. وهنا نفهم دوافع البابا، فهو يقدم رؤية غربية مسيحية عنصرية، ترى تميز وتفوق الإنسان الغربي المسيحي، عن غيره من المسيحيين وبالطبع عن غيره من غير المسيحيين. ومن هنا نرى خطورة هذه الرؤية العنصرية الحضارية.


*نشر هذا المقال بموقع المصريون بتاريخ 18 - 09 – 2006
** مفكر مسيحي مصري

 

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع