بريدك الالكتروني


English

 

الإثنين 25 شعبان 1427هـ - 18/9/2006م

مساحات ثقافية » ثقافة وفن
أرسل لصديق
 
 

 

الخصوصية الثقافية.. إشكالات في طريق التواصل

إحدى جلسات مؤتمر الخصوصية الثقافية

في الوقت الذي تتعرض فيه الأمة العربية والإسلامية لعدوان خارجي شامل تبدى شِقه العسكري المباشر في الاحتلال الأمريكي للعراق والحملة العسكرية الإسرائيلية على كل من لبنان وغزة، وتبدى شقهُ الثقافي والإعلامي فيما يسمى بالـ"حرب على الإرهاب" وربط مفهوم الإسلام بمفهوم الإرهاب، تبدو الحاجة مُلحة للتأكيد على الخصوصية الثقافية لأمتنا في مواجهة هذه الهجمة الشرسة عليها، وفي هذا الإطار عُقد مؤتمر "الخصوصية الثقافية: نحو تفعيل التغيير السياسي والاجتماعي" الذي نظمته كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة في الفترة من (11 - 14 سبتمبر 2006م)، حيث شهد المؤتمر مشاركة مجموعة مميزة من الكتاب والمفكرين في مصر والعالم الإسلامي، وسعى لإعادة تعريف مفهوم "الخصوصية الثقافية" وكيفية المحافظة عليها في ظل سيادة تيار العولمة الذي من شأنه أن يطمس الهويات الثقافية للأمم المختلفة، وقد دارت المناقشات في المؤتمر حول عدة محاور رئيسة يمكن أن نوجزها فيما يلي:

ماهية الخصوصية الثقافية

شغلت ماهية "الخصوصية الثقافية" محورا مهما في المؤتمر، وتناولت المفهوم عدة أبحاث منها ورقة الدكتور "معتز بالله عبد الفتاح" بعنوان "قراءات في مؤشرات الخصوصية الثقافية"، حيث رأى أن الخصوصية تعني التمايز عن الآخر والاتصاف بملامح ذاتية تختلف عنه، وبهذا المعنى فإن الخصوصية ليست مفهوما محليا، بل إن المفهوم نفسه عالمي؛ إذ لكل جماعة بشرية مثقفة رؤيتها الذاتية وخصوصيتها.

ورأى أن مفهوم الخصوصية الثقافية يتحدد من خلال خمسة أسئلة رئيسة هي:

سؤال الهوية: حيث يسعى الفرد إلى تعريف ذاته وانتماءاته على أساس القطر أو اللغة أو الديانة... إلخ.

سؤال التراث: ويتضمن التساؤل عن أبرز الرموز التاريخية التي يستعيدها الأفراد ويعتزون بها، وهل يتم التمسك بالتراث باعتباره أحد مكونات الهوية، أم يتم التخلص منه باعتباره عبئا ثقيلا.

سؤال الواقع: وهو تساؤل الأمم عن واقعها المعيش، وعن مدى تخلفها أو تقدمها عن بقية الأمم ومعيار ذلك التقدم أو التخلف.

سؤال الفرصة البديلة: ويتعلق بالخيارات المطروحة، ومدى التعارض بينها، وهو يطرح قضية البدائل المتنافسة.

سؤال المستقبل: ويتعلق بتأثير هذا الاستيراد الثقافي من الآخر على الهوية، فهو يطرح كرد فعل لكافة الأسئلة السابقة، حيث يحاول البحث في اتصال القضايا السابقة بعضها ببعض وكيف تؤثر في النهاية على سؤال الهوية.

دوائر الانتماء تتكامل

وشهد المؤتمر قراءات لمفهوم الخصوصية الثقافية في كتاباتِ ثلاثة من أبرز المفكرين المعاصرين وهم: المستشار طارق البشري، والدكتور أنور عبد الملك، والرئيس الإيراني السابق محمد خاتمي.

ففي الورقة التي قدمها الباحث "مدحت ماهر" عن الخصوصية الثقافية عند "البشري" أشار أنه يرى أنها مكون أساسي في الذات الحضارية الإسلامية، تفرز من جهة جامعا داخليا كفيلا بلم شمل كافة الملل والنحل والأعراق والطوائف وكافة دوائر الانتماء الفرعية، كما تفرز حدودا تمنع من الذوبان في الآخر المغاير وفقدان الهوية والتبعية والخضوع له.

ولكن هذه الحدود عند "البشري" لا تمثل -في الوقت ذاته- قيودا تمنع التواصل مع الآخر، وهذه الخصوصية تجد حقل إنباتها وإثباتها الأساس في أرض الإسلام عقيدة وشريعة، وحضارة وأمة، وتاريخا وجغرافيا، وثقافة وعيشا مشتركا، وتحديات واحدة ربما كان أهمها هو التعرض الجماعي والمتشابه لخطر غزو الغرب المغاير -في ثقافته ورؤيته لطبائع الأمور- لروح الشرق وريحه.

ولكن دائرة الانتماء إلى الإسلام ليست دائرة ضيقة أو مغلقة، فنطاقها عند "البشري" يتسع ليشمل دوائر انتمائية أخرى؛ إذ يضيف إليها: الانتماء الوطني الذي يساوي بين المصري المسلم والقبطي، ودائرة الانتماء القومي العربي، والدوائر عنده لا تناقض بعضها بعضا، ولا يلغي الانتماء إلى واحدة منها الانتماء إلى بقية الدوائر، بل إنها تتكامل فيما بينها مشكلة الهوية الحضارية.

 خصوصية مشروع النهضة

وتناولت الباحثة "علياء وجدي" مفهوم الخصوصية الثقافية عند المفكر "أنور عبد الملك"، فقد قدم "عبد الملك" مفهوم الخصوصية ضمن جهد تنظيري سعى فيه للإجابة عن الأسئلة المتعلقة بالقضية الأساسية في فكره وهي "قضية النهضة" بوجه عام، والنهضة الحضارية بوجه خاص. والخصوصية في فكره؛ وإن كانت تعني التأكيد على الانتماء القومي والحفاظ على الشخصية القومية فإنه لا يرى في هذا الأمر تعارضا مع التوجه نحو مستويات الانتماء الأوسع ما دام أن هناك وعيا من الشعوب والقيادات بالخصائص المختلفة لكل من هذه المستويات المتعددة للانتماءات.

فالوعي بمستويات الانتماء المختلفة هو أقرب السبل إلى تماسك الأمم في داخلها من ناحية، وبين بعضها البعض داخل إطار مستويات الانتماء الأعلى (الثقافة، الحضارة... إلخ) من ناحية أخرى؛ ولذا يؤكد على خصوصية الشرق بشقيه العربي الإسلامي والآسيوي، أو ما أسماه بـ"روح الشرق".

وينكر "عبد الملك" على الشرقيين انسياقهم إلى التساؤل دائما عن كيفية اللحاق بالغرب، ويرى أن المشروعات الحضارية الشرقية انطلقت من خلال التمسك بثوابت هذه المجتمعات التي يرى أن أبرزها هو التأكيد على روح الجماعة بدلا من الفردية المطلقة، والاهتمام بالجانب الإنساني في مشاريع التنمية بدلا من الجانب الاقتصادي فقط، ومفهوم السلام القائم على العدل والإنصاف، بعكس عملية السلام السياسية الهادفة إلى تكريس موازين القوى، والمظالم القائمة ووجود سلطة مركزية قوية تتفاعل مع الشعب للحفاظ على السيادة والاستقلال والبعد الروحي على تنوع صوره.

الذات المتدرجة

أما الخصوصية في فكر الرئيس الإيراني السابق "محمد خاتمي" فتناولتها بالتحليل ورقة مقدمة من الباحثة "عزة جلال"، ورأت أن المشروع الفكري لخاتمي يتكون من قسمين، يغطي أحدهما "الداخل" ويغطي الثاني العلاقة مع "الآخر".

و"الداخل" عند خاتمي هو داخل متدرج يضم الداخل الإيراني، والداخل الإسلامي، والداخل الحضاري، فحين يتعرض للداخل الإيراني فإنه يراه نموذجا دالا على الواقع الحضاري.

و"الآخر" عند خاتمي مفهومٌ بالغ الثراء عديد الجوانب، والأبعاد التاريخية والجغرافية والمعرفية، وإن تجسد في الحضارة الغربية، ويرتبط عنده بمفاهيم الحوار والحداثة والتنمية والعلمانية وغيرها. ويرى أن سبب توتر العلاقة بين "الداخل" و"الآخر" يرجع -في الأساس- إلى التراجع الحادث في الأمة، وهو ضعف المجتمعات أمام حكوماتها، وهو ما سبب التراجع والضعف في الداخل الذي كان سببا بدوره في سوء إدارة العلاقة بالآخر، وعليه فالبداية هي بالضرورة بداية بالذات. ومن ثَم فتحقق الحرية في الداخل شرط أساسي لإقامة علاقة حرة مع الآخر.

الخصوصية.. والمواطنة

الدكتور أنور عبد الملك يتوسط الدكتور سيف الدين والدكتورة نادية مصطفى

وتناول الدكتور "محمد المستيري" -رئيس المعهد العالمي للفكر الإسلامي بباريس- في ورقته "الخطابَ الإسلامي في الغرب والخصوصية الثقافية" واقع المسلمين المقيمين في الدول الغربية، ومفهوم المواطنة بالنسبة إليهم في تلك المجتمعات، وكيفية تحقيق المشاركة بدلا من العزلة التي تتسم بها أغلب المجتمعات الإسلامية في الغرب.

واتسمت الورقة برؤية نقدية لكل من طرفي القضية: المجتمعات الغربية ومسلمي الغرب على حد سواء، فرأى أن ثقافة الديمقراطية وحقوق الإنسان اللتين تشكلان الواجهة الحضارية للغرب تعاني من أزمة حقيقية، وهي قدرتها على التعامل مع تنامي الخصوصيات الثقافية والدينية الجماعية، ذلك أن ثابت الديمقراطية يفرض التعامل مع الاختلاف داخل محدد الشخصية "Personne"، ولا يسمح بالخصوصية الجماعية إلا ضمن مشروطية الانصهار في نسق القيم المشتركة الواحدة.

وفي الوقت ذاته فإن تعاظم انتشار التشدد الديني وثقافة التكفير يستند بالأساس إلى حجة الخصوصية الإسلامية دون مراعاة أو تقدير لشروط التنزيل والبيئية التاريخية للأصول الدينية، ناهيك عن طبيعة المجتمعات الغربية التي لا تتقبل هذه الثقافة.

ويرى "المستيري" أنه ينبغي على مسلمي الغرب الدفع باتجاه مزيد من المشاركة في ثقافة المواطنة الغربية على كافة المستويات؛ إذ لن تفيد هذه المشاركة وخاصة السياسية منها جماعات المسلمين أو أوطانهم الأصلية فحسب، بل جملة الأقليات الثقافية التي تعبر عن خصوصية حضارية وتاريخية ما.

وفي ذات الموضوع قدم الباحث المصري "سمير مرقس" ورقة بعنوان "الأقباط والخصوصية الثقافية، وخطابات المواطنة والطائفية والأقلية"، اعتبر أن موضوع الخصوصية الثقافية من الموضوعات التي ينبغي أن نفكر فيها ونعيد طرحها خاصة في لحظات الأزمة كالتي تمر بها مصر والمنطقة في هذا الوقت بالذات، رغم أنها تبدو من القضايا التي تم حسمها، واستشهد "مرقس" بإحدى روايات "نجيب محفوظ" عندما تقول إحدى الشخصيات: "إن مشكلة الأقباط هي مشكلة الشعب كله، إذا اضطُهدَ اضطُهدنا وإذا تحرر تحررنا".

وعن موقف أقباط مصر من الخصوصية الثقافية، اعتبر مرقس أن مصطلح "قبطي" في حد ذاته يشير إلى كل من هو مصري، ولكن جرى العرف على الإشارة به إلى المسيحيين، فالأقباط ليس لهم خطاب واحد، ومن الخطأ النظر إليهم نظرة مسبقة ككتلة واحدة صماء أو جماعة مستقلة ومغلقة، وبالتالي فمن الضروري الانطلاق في التعامل مع الأقباط باعتبارهم مواطنين مصريين في المقام الأول منتشرين في الجسم الاجتماعي المصري؛ ولذلك تطالهم الظواهر الاجتماعية كما تطال الجميع، فلا نستطيع الحديث عن ظاهرة عزوف الأقباط عن المشاركة السياسية بدون الحديث عن عزوف المصريين بشكل عام عن هذه المشاركة.

وفيما يتعلق بالخصوصية الثقافية اعتبر "مرقس" أن هناك مركبا حضاريا مصريا واحدا ينتمي إليه الجميع استطاعت مصر من خلاله أن تستوعب المسيحية والإسلام والحضارة الغربية، وتحافظ على استمراريتها الحضارية، فتاريخ مصر ليس حاصلا كميا، وإنما نتاج تفاعل بين الفترات المختلفة، فالمركب الحضاري المصري هو نتاج للوحدة والتنوع والاستمرارية والتغيير.

وهنا يبرز مصطلح مهم هو "المواطنة الثقافية"، فالمواطنة ليست الهوية أو الانتماء فهذه كلها نتائج للمواطنة، أما المواطنة نفسها فهي تحرك البشر لاكتساب الحقوق والمشاركة الفعالة بدون تمييز، كما تدفعهم لاقتسام الموارد على قاعدة اقتصاد إنتاجي، فعندئذٍ تتحقق المواطنة، ولن تتحقق بغير ذلك، فـ"المواطنة الثقافية" هي حق المشاركة في المركب الحضاري الواحد بدون تمييز.

المواجهة الحضارية

شهد اليوم الأخير من المؤتمر حلقة نقاشية حول أبعاد ودلالات حرب لبنان الأخيرة التي أجمع المشاركون أنها مثلت إحدى حالات أو صور المواجهة الحضارية. ففي كلمته رأى الدكتور "محمد السيد السعيد" -نائب رئيس مركز الأهرام للدراسات الإستراتيجية- أنه في الوقت الذي استطاع فيه حزبُ الله صياغة خطاب حضاري يتجاوز الطائفية ويُوجه للأمة كلها؛ فإن الخطاب الأمريكي كان عنصريا "قروسطِيا" نسبة إلى العصور الوسطى، خاصة فيما يتعلق بوصف الإسلام بالفاشية.

أما المستشار "طارق البشري" فشدد على عدة نقاط أثبتتها المعركة الأخيرة وفي مقدمتها أن الصراع مع العدو الإسرائيلي كان دائما صراع قوى المقاومة الشعبية؛ فقد بدأ الصراع بهذا الشكل قبل قيام إسرائيل عام 1948، وفي منتصف الخمسينيات استعان "جمال عبد الناصر" بالمقاومة الشعبية لإجبار البريطانيين على الجلاء عن منطقة القنال، وحين حاول تأسيس حركة مقاومة شعبية في قطاع غزة تنبه العدو إلى هذا فأجهض هذه التجربة، وقد أعادت الحرب الأخيرة الاعتبار مرة أخرى إلى هذه الفكرة، أي قدرة الشعوب على المقاومة.

وعن مصطلحيْ "التقدم" و"التخلف" أكد "البشري" أن الغرب يقيم التقدم والتخلف على أساس مادي ويعتبر نفسه الأقوى على هذا المعيار، ولكن لا بد من معيار آخر أكثر إنسانية، وضرب مثالا بالأحداث التي تلت تفجيرات سبتمبر 2001 في واشنطن ونيويورك، حيث خرجت الولايات المتحدة وبدون أي دليل مادي لتعلن على العالم أن تنظيم القاعدة هو منفذ الهجمات، وأنها ستهاجم أفغانستان التي تؤوي هذا التنظيم، وعلى الجهة الأخرى قامت حركة "طالبان" التي تحكم بلدا متخلفا بعقد مؤتمر استمر 3 أيام، حضره أكثر من 1000 شخص يمثلون كافة المناطق الأفغانية، وخرجوا بقرار موحد: إذا قدمت لنا الولايات المتحدة دليلا ماديا؛ فسنسلم لها زعيم القاعدة "أسامة بن لادن"، وإن لم تفعل سنُبقي على إجارتنا له.

ومن هنا تساءل "البشري": من المتحضر في هذا الموقف حتى وإن كان يركب الحمير والجمال، ومن المتخلف وإن كان يمتلك أحدث الصواريخ؟.


**  من أسرة ثقافة وفن.

 

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع