 |
|
الدكتور مازن النجار |
الدكتور "مازن النجار" من
الشخصيات التي لا تشعر أثناء حديثها
بالملل؛ نظرًا لعمق أفكاره، وقدرته
الباهرة على الحديث، ولعلّ ذلك يرجع إلى
دراسته الأكاديمية العلمية وعيشه لسنوات
طويلة في الغرب اقتربت من العقدين، إضافة
إلى أنه كان خطيبًا مفوهًا في أحد المساجد
الكبيرة في الولايات المتحدة.
وقد عانى النجار سنوات أثناء
إقامته في الولايات المتحدة كثيرًا؛ فسجن
مرتين لمدة تقارب الخمس سنوات بناء على
قانون الأدلة السرية، ثم أبعد عن الولايات
المتحدة بطريقة غير لائقة، واستقر به
المقام بالقاهرة.
وفي هذا الحوار اقترب النجار من
المقاومة ثقافة ومستقبلاً وفكك هذا
المفهوم، محاولاً التأكيد على أننا أمة
حية رغم ما تعانيه من ضربات ونكبات.
وأكد أن عقيدة التوحيد التي تنفي
أي قداسة أو عصمة لأي شخص أو مؤسسة، أطاحت
بأي محاولة لمأسسة أو منهجة الطغيان
المتلبس بالمقدس أو بغيره من الظهور في
العالم الإسلامي، واستعباد الإنسان أو
المجتمع؛ لذلك رأى أن شعوبنا لا تفتقر إلى
ثقافة المقاومة، ومن ثَم فالحرية هي حياة
الأمة وحصنها، أما الاستبداد الذي تقوم به
أي دولة أو نخبة حاكمة فإنه يجرد الأمة من
حصونها المنيعة، ويقمع ثقافة المقاومة،
ويعزل الأمة حتى تفقد مقوماته، وتنعزل عن
ساحات النضال وميادين المواجهة.
وأكد النجار أن هناك منظومة
سلطوية تكرس العجز في وعي الجماهير وقوى
الأمة الاجتماعية، بما يؤدي إلى استفراد
الدولة وعزل المجتمع، وهنا يبرز دور
النخبة التي لا بد أن يكون لها دور فاعل في
مشاريع الأمة، رغم وجود قلة من تلك النخبة
قد تمكنت أطراف خارجية من استمالتها،
وقامت هذه النخبة المستمالة بالتحرك في
المنطقة الرمادية من وعي الشعوب، لكن تبقى
إرادة الأمة في مجملها عصية على الانكسار
أو التراجع.
ودعا النجار النظام العربي إلى
الاستفادة من الإمكانات التي وفرتها له
المقاومة، على اعتبار أن الفعل المقاوم
غير مقصود أو مطلوب لذاته، فهو زرع ينبغي
حصاده سياسيًّا لمصلحة الوضع العربي ككل،
واستخلاص مزايا إستراتيجية وتكتيكية منه،
وإلا ذهبت جدوى المقاومة.
أما ما يتعلق في العلاقة بين
الصورة والفعل المقاوم فرأى النجار أن
جزءًا كبيرًا من الدور الذي تلعبه الصورة
هو تعجيل التفاعل ونقل الوعي وتوليد
الحراك بأساليب جديدة؛ لأن الصورة تلقي
على الجماهير العربية أعباء أخلاقية
ثقيلة؛ فاللبناني والفلسطيني يصمد ويتحمل
التضحيات أمام أعيننا كل يوم وكل ساعة،
بينما نحن نراقب المشهد بحسرة أو بعجز أو
بإحباط، يخشى معه من الوقوع في حالة تسمى
في العلوم السلوكية "العجز المكتسب
بالتعلم".
وفيما يلي نص الجزء الأول من
الحوار:
تنوع المقاومة..
عبقرية الأمة
 |
|
أطفال في مواجهة دبابة ..ترى من المنتصر؟ |
*تتشكل ثقافة
المقاومة بأبعاد كثيرة والملاحظ حاليًّا
في ثقافة المقاومة ارتباطها بالبُعد
الديني، فمشاريع المقاومة مرتبطة
بالإسلام والدين غالبًا، لماذا ظهور
البعد الديني في أحزاب مقاومة كثيرة مثل:
حزب الله، الجهاد الإسلامي، حماس، وحتى في
حركة فتح وبعض فصائل منظمة التحرير؟
- هذا جزء من عبقرية الأمة، فهي
أمة حية لديها مخزون متنوع من بدائل
المقاومة والحراك، فمنذ بداية المشروع
الصهيوني الاستيطاني، بدأت مقاومة هذا
المشروع، واتخذت أشكالاً وتعبيرات مختلفة:
قومية، يسارية، إسلامية، فتغيرات الفكر
الذي يقود كفاح الأمة في الساحة
الفلسطينية دليل على كونها تعبيرات لحركة
وطنية واحدة.
وفي ظني أن تفسير "أرنولد
توينبي" للتاريخ الذي يقول إن "التحدي
يولد استجابة" يتوافق مع مفهوم أو مبدأ
"التدافع" في القرآن الكريم، أو
مفهوم الكسب، (تلك أمة قد خلت لها ما كسبت).
فالأمة إذن تستجيب في الكثير من المرات
عبر طرق وتيارات متعددة طالما أن هناك
بوصلة حقيقية. وكل الحركات والأفكار التي
اكتشفت البوصلة الصحيحة، وسارت في نهجها،
نمت وازدهرت واتسعت وتطورت، والعكس صحيح
كذلك.
ويعتبر المستشار "طارق البشري"
أن القرنين الماضيين هما قرنا الاستعمار
ومكافحة الاستعمار بامتياز؛ لذلك، كانت
البوصلة واحدة، وكانت المهام الرئيسة
للجماعة الوطنية أو الجماعة الأهلية هي
المحافظة على الذات والهوية والتصدي
للاختراق وإنجاز الاستقلال.
وتعاني منطقتنا من الهشاشة
الإستراتيجية والقابلية للاختراق، كونها
تقع في ما يسمى بهلال الأرض الداخلي أو "هلال
الأزمات" أو "منطقة الارتطام" بين
القوى المتصارعة على السيطرة، ووقوعنا في
جوار قوى غزو متوحشة يفاقم من هشاشة
المنطقة إستراتيجيًّا، ويحتم عليها أن
تقاوم على أساس ثقافة مقاومة راسخة.
فثقافة المقاومة إذن هي ضرورة
إستراتيجية، والأمة لا تتخلى عن قيادتها
عندما تقاوم وتعبئها للمواجهة.
وفي ظني أن ثقافة المقاومة ليست
مقتصرة على الإسلاميين، بل إن معسكر
المقاومة يضم كل الشرفاء الذين ارتقى
وعيهم إلى مستوى التحديات، وأدركوا
البوصلة الحقيقية للمرحلة، وانتموا إلى
روح الأمة وتطلعات الشرق نحو النهوض
والتحرر والتنمية، بصرف النظر عن
انتماءاتهم الدينية أو الطائفية أو
القطرية، فمصادر الفكر المقاوم متعددة
وليست أحادية.
*يقال إن أقل الشعوب
لديها "ثقافة مقاومة" هي الشعوب
العربية والإسلامية، والدليل الظاهرة
الاستعمارية والتي استمرت لسنوات طويلة
جدًّا وتركت أذيال ما زالت تعاني منها
دولنا وشعوبنا، فمثلاً ألمانيا احتلت
لكنها لم تستعمر كما هو حال دولنا، هل هناك
مكون ثقافي يعود إلى ذلك؟
- عرف الألمان واليابان والطليان
والفرنسيون -وربما غيرهم- الاحتلال، لكنهم
لم يعرفوا الاستعمار؛ لأنهم جزء من
الحضارة الإمبريالية الأوروبية (البيضاء)
والتي تنطلق من تصورات حول أعباء الرجل
الأبيض تجاه الارتقاء بالشعوب الملونة من
حضيض التخلف. واتخذت هذه الأعباء تعبيرات
غير مسبوقة تاريخيًّا من حروب الإبادة
واختطاف عشرات ملايين العبيد وضرب
الثقافات والمنظومات الاقتصادية الأصيلة
وإقامة الكيانات الاستيطانية وأنظمة
الفصل العنصري، وإلحاق الشعوب بمنظومة
تبعية سياسية واقتصادية وثقافية.
المفارقة أن الشعوب التي تمارس الاحتلال
أو الاستعمار قد وقعت بالفعل تحت احتلال
المنظومة الإمبريالية العلمانية التي
نجحت في إخضاع الإنسان الغربي بشكل شبه
كامل، وتسعى عبر الإمبريالية لتعميم
النموذج عالميًّا.
شعوب العرب والمسلمين، وكثير من
شعوب آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية،
لم يتم احتلال وجدانها أو ضميرها أو
إرادتها، بل ما زالت تقاوم الهيمنة
الإمبريالية بمختلف تعبيراتها. بل لم تنجح
الدولة الحديثة في قمع وتشكيل وعي الأمة
والفرد بما يؤدي إلى التسليم الكامل لها
كما حدث في التجربة الغربية.
فالدولة الحديثة -وتعرف في
أدبيات الاجتماع والتاريخ السياسي
بالدولة القومية- جوهرها هو التماهي بين
الأمة والدولة، وتصبح الدولة هي إطار
الأمة والتعبير الأسمى عنها. ويتجسد ذلك
بسيطرة الدولة على إقليمها (أرضها وحدودها)،
واحتكارها لوسائل القوة والعنف، وهيمنتها
على مختلف مناشط الحياة والاجتماع
والاقتصاد، ويؤدي ذلك -تقليديًّا- إلى
تقويض استقلال الجماعات الأهلية
التقليدية، الدينية والإثنية والثقافية،
وإضعاف أو اندثار المؤسسات الوسيطة بين
الفرد والمجتمع وبين الدولة، وإخضاع
التقسيمات المناطقية والجهوية ذات
الشخصية المتميزة أو الحكم الذاتي لإدارة
الدولة المركزية، وقمع التشكيلات غير
المتماهية مع الحكومة المركزية.
بيد أن النموذج التاريخي
التقليدي للدولة السلطانية في العالم
الإسلامي -حتى ما قبل عصر التنظيمات- يُظهر
أن الدولة كانت تشغل مساحة محدودة، بينما
تشغل الجماعة الأهلية بمؤسساتها وعلمائها
وأصنافها (أهل الحرف) وطرقها الصوفية،
ونقاباتها وأوقافها ومدارسها كافة مساحات
الحياة والحراك الاجتماعي والاقتصادي
والثقافي، وقد أدى ذلك -وما زال- إلى تحرير
الإنسان والمجتمع من محاولات الهيمنة على
روحه وضميره وإرادته أو استعباده. ولكن
العامل الأهم هو: عقيدة التوحيد التي تنفي
أي قداسة أو عصمة عن غير الله وكتبه ورسله،
مما يطيح بأي محاولة لمأسسة أو منهجة
الطغيان المتلبس بالمقدس أو بغيره من
الظهور، واستعباد الإنسان أو المجتمع؛
لذلك لا أرى أن شعوبنا تفتقر إلى ثقافة
المقاومة.
ضعف الدولة.. قوة
المجتمع
 |
|
شعوب ضد الهيمنة |
*ولكن الملاحظ على
المستوى المنظور أنه كلما ضعفت الدولة
ظهرت أماكن حية في جسد المجتمع والعكس
صحيح، والحالة العراقية دليل ذلك، فما
علاقة السلطة وجبروتها بثقافة المقاومة؟
- في المثال القرآني الذي يقص
علينا نبأ موسى وفرعون، تعرض بنو إسرائيل
لاستعباد فرعون، يقتل أبناءهم ويستحيي
نساءهم، هذا الاستعباد أفقدهم القدرة على
الممانعة والمقاومة، فلم يستطيعوا
الاستفادة من قدرة قيادتهم المتمثلة
بموسى وهارون -عليهما السلام- فعجزوا عن
اتباعها حق الاتباع والسير على طريق
الانعتاق والمقاومة. بل يدل اتجاه تفكيرهم
على انعدام الوعي والإيمان "فلما تراءى
الجمعان قال أصحاب موسى إنا لمدركون"...
"اجعل لنا إلهًا كما لهم آلهة"،
وانعدام الإرادة والثقة "... فاذهب أنت
وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون". وهذا
يدلل على الأثر السلبي الكبير للعبودية،
نفسية المستعبد أو المقهور تكون محطمة
لدرجة فقد القدرة على أي فعل.
وكان عنترة بن شداد، يدرك تمامًا
ذلك المأزق. فعندما قيل له: "كر"، قال:
"العبد لا يحسن الكر والفر ولا يحسن إلا
الحلب والصر..."، وعندما قيل له: "كر
وأنت حر"، وجدناه قد كر وفر وأبدع
وتألقت إنسانيته، فأصبح مثالاً للنبل
والفروسية. فالاستعباد الذي تقوم به أي
دولة أو نخبة حاكمة يجرد الأمة من حصونها
المنيعة، ويقمع ثقافة المقاومة، ويعزلها
حتى تفقد مقوماتها.
لكن هناك الاستلاب الأكثر ضررًا
وهو التعلق بأوثان أو رموز زائفة، أو
مشروعات وهمية، أو مصالح فئوية ضيقة، أو
تطلعات أنانية، أو مقولات مغلوطة، مما
يعزل الأمة عن ساحات النضال أو ميادين
المواجهة.
وكان المفكر العربي الراحل "هشام
شرابي" قد طرح هذه الإشكالية في كتاب
"مقدمات لدراسة المجتمع العربي".
فعندما وقع العدوان الصهيوني في عام 1967،
انتابه شعور بالعجز الشديد؛ بسبب عزل
الفرد العربي عن المشاركة والفعل إزاء
العدوان. فالمجتمع العربي يتعرض للعدوان
والاحتلال، ولكنه ممنوع من الاستجابة
والمشاركة في رد العدوان. فهناك منظومة
سلطوية تكرس العجز في وعي الجماهير وقواها
الاجتماعية، بما يؤدي إلى استفراد الدولة
وعزل المجتمع.
الآخر.. والتحدي
*ثقافة المقاومة
تظهر وتتبلور لدى استجابة الذات لتحديات
الآخر (أو العدو)، وهذا يظهر في العراق
وفلسطين ولبنان، ولكنها لا تظهر بشكلها
الجلي في مواجهة أنظمة الاستبداد الحاكمة
على نفس النحو الذي تظهر إزاء العدو. أين
الخلل؟ ولماذا يحدث ذلك؟
- السؤال يؤدي إلى مسألة هامة في
التجربة التاريخية للأمة. ففي ضوء هشاشة
الوضع الإستراتيجي للأمة، والتحديات التي
تواجهها أو تبتلى بها، اضطرت إلى أن تقدم
الوحدة على العدل، وتتبع مسارات وخبرات
الأمة تشير إلى ذلك.
فالمواجهة مع العدوان الخارجي
يقع في دائرة الأبيض والأسود، لا لبس ولا
غموض فيها، ويتحقق حولها إجماع الأمة؛ أما
مواجهة الاستبداد الداخلي فتقع في منطقة
رمادية، الحق والباطل فيها ملتبسان -بدرجة
أو أخرى- ويصعب بناء الإجماع اللازم حولها.
بل إن الفكر أو الأدبيات
السياسية الكلاسيكية (التراث) ترذل الفتنة
والاقتتال الداخلي، وتحض على وحدة الصف،
بل رأى بعض الفقهاء أنه إذا كان الأمر
بالمعروف والنهي عن المنكر يؤدي إلى منكر
أكبر، فترك ذلك أولى. ونلاحظ اليوم أن
الجماهير لم تتماهَ مع الدولة العربية
الحديثة أو دساتيرها وقوانينها، لكنها
تنهض للدفاع عن هذه الدولة عندما تتعرض
الأمة وديار العروبة والإسلام للتهديد
والعدوان، فتنضم إلى جيوش الدولة وتقاتل
وتستشهد تحت رايتها.
مسألة بناء الإجماع الكافي حول
القضايا الكبرى مسألة هامة جدًّا في إدارة
شئون الأمم بشكل عام، ويؤكد ذلك مقولة
توماس جيفرسون، الرئيس الأمريكي الثالث
وأحد زعماء حرب الاستقلال: "إنك لا تسعى
إلى مشروع كبير بأغلبية هشة".
*لكن
اليوم هناك فتنة أو عدم اتفاق على دائرة
الأبيض والأسود أو تعريف العدو، هناك
اختلاف واختلال في تحديد هذه الدائرة، في
لبنان وفلسطين والعراق، مثلاً. هناك
اختلال في تحديد من هو العدو؟
- نعم المعادلة قابلة أحيانًا
للاختلال أو الاضطراب، لكنها غير قابلة
للانقلاب. في أسوأ الأحوال، هناك أغلبية
وأقلية، وسيبقى دعاة الهزيمة والاستسلام
ضمن أقلية صغيرة ومعزولة.
بعد انحسار الاستعمار الأوروبي
التقليدي، بدأت مرحلة الاستعمار الجديد
في صورة اختراقات واحتكارات وأحلاف
عسكرية وتبعية سياسية واقتصادية وثقافية،
دخلت على شكل قواعد عسكرية وبرامج مساعدة
وشركات عابرة للجنسيات والقارات وبرامج
تعليمية، وترافق ذلك مع اختراق الضمير أو
الوعي، وهي المنطقة الحرجة من الأمة،
وتمكن من استمالة جزء من النخبة، لكنها لم
تتسع يومًا لتصبح أغلبية، تكسر إرادة
الجماهير والأوطان. بيد أن السؤال هو متى
تتسع المنطقة الرمادية؟ الجواب هو عندما
تتراجع وتنحسر ثقافة المقاومة، فهي أساس
قوة الأمة ونهضتها وإرادة الصمود لديها.
*"الحكمة الباردة"
التي "يتحلى" بها البعض والتي تعتبر
بناء عليها أن الفعل المقاوم مجرد مغامرات
وأعمال غير المحسوبة، كيف نفهم ذلك في ضوء
تعمق الفجوة والأزمة وعدم استثمار
الأزمة؟
- نفهمها في إطار أن التفكير
السياسي العربي في العقود الثلاثة
الماضية لم يبلور رؤية متجانسة إزاء
التحديات التي يمثلها الكيان الصهيوني
واحتلاله للأرض العربية واتساع نطاق قوته
وترسانته العسكرية وتفاقم مشروعه
الاستيطاني وتنامي تحالفه الإستراتيجي مع
المنظومة الغربية، وتصاعد وتيرة تهديده
للوضع العربي ككل. أسقط النظام العربي
خيار المواجهة من جانب واحد، ولم يفعل
الطرف الآخر الشيء ذاته؛ وهذا يؤدي إلى
استمرار الاحتلال والاستيطان وإغرائه
بأكثر من ذلك.
النظام العربي يفتقد إلى مهارات
الاستفادة من الفرص المتاحة. ولا شك أن
الفعل المقاوم غير مقصود أو مطلوب لذاته،
فهو زرع ينبغي حصاده سياسيًّا لمصلحة
الوضع العربي ككل، واستخلاص مزايا
إستراتيجية وتكتيكية منه، وإلا ذهبت جدوى
المقاومة هباء أدراج الرياح.
في ظل الوضع العربي الحالي، من
الصعب أو من غير العملي أن ينحصر قرار
الحرب والسلم في مركز واحد؛ نظرًا
لازدواجية الفكر السياسي العربي بين
الشعبي والرسمي وعدم وصول هذا الفكر إلى
رؤية متجانسة للصراع العربي الصهيوني. لكن
ذلك لا يحتم بالضرورة الاصطدام بين دوائر
الفعل المقاوم ودوائر القرار الرسمي
عندما يقع الفعل المقاوم. فالتاريخ لا
يعود إلى الوراء، وخطاب التسفيه اليوم لا
يعيدنا إلى حالنا بالأمس، بل يكشف عن
تفكير سكوني مرهق يفتقد الحركية اللازمة،
كما يبوح بعدم قدرة على توظيف الفرص
المتاحة، وهي خاصية تميز العدو بشكل خاص
على مدى ستة عقود من الاحتلال.
ثقافة المقاومة أو
البقاء على قدر من الكرامة الوجودية تطرح
على أنها نقيض لثقافة السلام، هل هناك
تناقض بينهما؟
- في أحد بيانات الفاتيكان قبل
سنوات، ذكر أن "السلام ثمرة رائعة لشجرة
طيبة هي العدل". بيد أن العدل لا يتحقق
للضعفاء. والسلام الوحيد الذي ينتظره
الضعفاء هو سلام الهوان والذل والخضوع.
والسلام الحقيقي مطلب هام ومستحق للأمم
العزيزة القادرة على صد العدوان، وهو يدوم
وينمو في ظل العدل والتكافؤ بين الناس. في
كثير من جيوش العالم يقولون إن ما يمنع
الحرب هو الاستعداد لها. فضعف الأمم يغري
بالعدوان عليها، والقوة المقصودة هنا هي
قوة الحق، ولا تعني مجرد العنف، بل هي
القدرة على رد البغي واسترداد الحقوق "والذين
إذا أصابهم البغي هم ينتصرون". لكن حالة
الضعف التي تمر بها الأمة تجعل السلام
المعروض عليها هو سلام المهزوم... سلام
القبور، سلام بلا حراك أو معنى أو كرامة.
لذلك، لا تناقض بين ثقافة المقاومة وثقافة
السلام.
كان القائد الأرجنتيني أرنستو
تشي جيفارا يقول: إن أي علاقة بين طرفين
غير متكافئين هي علاقة استغلال، فلا
علاقات متكافئة أو عادلة للضعفاء مع
الأقوياء المستكبرين. وفي ظل ذلك، تتحول
المفاوضات والتسويات في ظل ضعف أحد
الطرفين إلى إملاءات وإخضاع، والقاعدة في
العلاقات الدولية أن حصيلة التفاوض هي
انعكاس مباشر لتوازن القوى على الأرض.
المقاومة في عصر
الصورة
*الملاحظ أن جزءا من
العمليات الإسرائيلية تستهدف خزانات
الوقود وحافلات الركاب وتدمير الجسور،
وبالتالي يظهر الدمار الكبير بوضوح وله
وجه سلبي وآخر إيجابي، هل يمكن لثقافة
الصورة في ظل كثافة التغطية الإعلامية
الكبيرة أن توهن العزيمة أو توجد نوعًا من
الخوف أو الجزع لدى الشارع العربي؟
- الصورة حقيقة قائمة، لسنا هنا
أمام خيار هل نرى الصورة أم لا، لقد تعمدت
أن أشاهد لقطات المجزرة التي فتكت بأسرة
"هدى غالية" أكثر من 30 مرة، كي لا أنسى
أبدًا لحظة المأساة أو معناها، ولكي
أستبطن وأختزن جزءًا مؤلمًا من الخبرة
الإنسانية أو ربما اللاإنسانية. في ظني أن
جزءًا كبيرًا من الدور الذي تلعبه الصورة
هو تعجيل التفاعل ونقل الوعي وتوليد
الحراك بوتائر جديدة. الأمر الذي يعني
أننا سنشهد تسارعًا في حركة التغيير
والتاريخ مقارنة بالمراحل السابقة. هكذا
هي الصورة بالنسبة لنا كجمهور عربي خارج
مسرح الفعل والاستجابة.
أما في فلسطين ولبنان فهو لوحة
حقيقية يعيشها الفلسطيني أو اللبناني بكل
تفاصيلها وتضميناتها، وتشكل وعيه كإنسان
منكوب وإنسان مقاوم، كما ترسخ ثقافته
المقاومة. وهنا نرى أن اللبناني أو
الفلسطيني يستجيب في الحال للحدث الذي
نراه صورة عبر التماسك الداخلي والفعل
الإيجابي معًا.
بيد أن هذه الصورة تلقي علينا نحن
الجماهير العربية أعباء أخلاقية ثقيلة.
فاللبناني والفلسطيني يصمد ويتحمل
التضحيات أمام أعيننا كل يوم وكل ساعة،
بينما نحن نراقب المشهد بحسرة أو بعجز أو
بإحباط، يخشى معه من الوقوع في حالة تسمى
في العلوم السلوكية "العجز المكتسب
بالتعلم".
وهذه الحالة "العجز المكتسب
بالتعلم" عبارة عن مجموعة من الأعراض
شخّصها ووثقها (في دراسة تجريبية) قبل
ثلاثة عقود عالم السلوكيات الأمريكي "مارتن
سليجمان" الذي درس وتتبع تأثير الفشل
والإحباط المتكرر على ذهنية وسلوك الناس؛
فالبشر الذين يمرون بحالات كثيرة لا تحقق
فيها ردود أفعالهم على استفزازات أو
تحديات أو أحداث الواقع تأثيرًا ملموسًا
على ذلك الواقع أو نتائجه، تظهر عليهم مثل
هذه الأعراض؛ فيتعلمون من الإخفاقات
المتتالية في الواقع أنهم عاجزون عن صوغ
الأحداث أو التأثير فيها.
إذن الإنسان اللبناني أو
الفلسطيني صمد وثبت رغم الدمار والقتل
والخراب والدخان المتصاعد، أما نحن فكيف
سنرى صورة العدو؟ هنا الصورة تلعب دورًا
كبيرًا في تشكيلها، هل سنراه عدوًّا
مقاومته واجبة وهزيمته ممكنة أم نراه
وحشًا لا قبل لنا بمنازلته؟ هذا هو السؤال
الماثل اليوم أمام الأمة وجماهيرها
ونخبها وقواها الناهضة. أما الرماديون
فبعضهم سيزداد انكسارًا وجزعًا وسيهجو
المقاومة أكثر، والبعض الآخر سيصحو وعيه
وضميره ونوازع الخير فيه، ويتحرك
إيجابيًّا نحو مواقع الأمة.
|