وعلى
الجانب الآخر نتابع أحد أمراء
الخليج، يتكلم بلغة عربية صعبة،
ويفكر في ابنيه وأيهما يصلح لخلافته؛
الأكبر "الأمير ناصر السباعي" (يؤدي
دوره ألكسندر سيديج) أم الأمير مشعل
الابن الأصغر (ويؤدي دوره أكبر كرزا)؟.
المخابرات
الأمريكية تقرر أن يكون الأصغر هو
الوريث وترسل عميلها "بوب"
لاغتيال الأمير ناصر، فهو أي ناصر
يريد بيع حق استغلال حقول النفط إلى
شركة صينية بدلاً من شركتين
أمريكيتين، وهو متعلم في جامعات لندن
ويرغب بتحقيق مشروع إصلاحي في بلده من
خلال ديمقراطية حقيقية، وبرلمان يتم
انتخاب أعضائه بمشاركة المرأة. ليكون
النقيض "مشعل": صناعة أمريكية
بحتة، والنموذج المثالي الذي تروج له
وتدعمه، فهو سفيه، أرعن وأقرب للمخنث
منه للرجل الطبيعي.
ومن
طهران والخليج إلى أقصى الغرب، حيث
اندماج شركتي البترول "كونيكس" و"كلين"
في أمريكا؛ لتحقق وزارة العدل
الأمريكية في تلك عملية لوجود شكوك
بأن وراءها الكثير من الرشاوى
للأمراء العرب، وأثناء التحقيق يصرخ
عميل المخابرات الأمريكية في وجه
محامي الادعاء ضد الشركات قائلاً له:
"لا تحدثني عن الفساد.. إننا نكسب
فقط بسبب الفساد".
 |
|
الإرهاب موجود |
المخابرات
الأمريكية لا تمهل الأمير ناصر
السباعي لتحقيق أيٍّ من مشاريعه،
وتنجح في اغتياله بصاروخ موجَّه
بالأقمار الصناعية لموكبه -بعد أن فشل
عميلها بوب في اغتياله- فتتحول جثث
الجميع إلى أشلاء، ولا يخرج منها
حيًّا إلا الخبير الاقتصادي بريان
الذي يقرر العودة إلى أمريكا، وبهذه
الطريقة تضمن الإدارة الأمريكية أن
يظل بترول الخليج أو سيريانا كما كان
يُسمى الخليج قديمًا ملكًا لها.
وباغتيال
ناصر تحتفل الشركة الأمريكية بافتتاح
خط إنتاج البترول في حضور الأمير "مشعل"
الذي أصبح ملكًا للبلاد، ولا ينتهي
الأمر عند هذا الحد، فالشاب
الباكستاني الذي عانى كثيرًا مع
والده من قلة العمل يفجّر نفسه بزورق
مفخخ بصاروخ في إحدى الشاحنات
العملاقة للنفط التابعة للشركة
الأمريكية.
صور
نمطية وغير نمطية
الفيلم
من إخراج ستيفن جاغان وهو نفسه كاتب
السيناريو، وسبق له الحصول على
أوسكار عن سيناريو فيلم ترافيك
Traffic
الذي قدمه عام 2000 وقصة سيريانا مأخوذة
عن كتاب "لا أرى شرًّا" see no evil
لروبرت بيير أحد عملاء المخابرات
الأمريكية والمسئول عن ملف الشرق
الأوسط خلال ثلاثين عامًا، ويدور
الكتاب عن عالم المخابرات الأمريكية
وعلاقتها بشركات صناعة البترول
وبمتابعة خلايا الإرهاب في العالم
الإسلامي.
نجح
الفيلم في تقديم عدد كبير من الشخصيات
المرسومة جيدًا دون الوقوع في فخ
التنميط، فالإرهابي الذي يفجر نفسه
ليس عربيًّا وإنما لديه من الأسباب ما
يكفيه لتفجير نفسه، والأمير العربي
الدارس في أوروبا "ناصر" ليس
منبهرًا بكل ما هو غربي وأوروبي، بل
يحترم ثقافة بلده ويحلم بتحديثها،
وحتى عميل المخابرات "بوب" ليس
شريرًا وإنما مخلص ومؤمن بما يقوم به
خدمة، في نظره، للسلام العالمي،
وانتهى به الأمر مشككًا غاضبًا
ونادمًا عندما اكتشف أن وجوده لخدمة
رجال الأعمال الأمريكيين من أجل
زيادة أرباحهم وثرواتهم، وعندما
يحاول إنقاذ الأمير الذي كُلّف
باغتياله ينتهي به الحال مقتولاً إلى
جواره.
كما
أن هناك عددًا من الصور النمطية التي
تمثلت في المرأة الخليجية، فهي ترتدي
العباءة وتمشي خلف الرجل بأمتار
خمسة، والرجال يرتدون الجلابيب الرثة.
وكذلك الحال في الصورة التي نقلت من
بيروت، حيث بدت كأنها نسخة من حال
المدينة أثناء الحرب الأهلية، كما
أنه كرّس فكرة نظرية المؤامرة وكرسها
في الوعي العربي أكثر.
ليس
مجرد فيلم
وعلى
صعيد آخر يمكننا اعتبار فوز جورج
كلوني بجائزة أوسكار أفضل ممثل مساعد
عن دوره في الفيلم دليلاً على عدم
وجود بطولة مطلقة، وبالتالي فإن كل
دور في الفيلم يمكن أن يكون دورًا
أولاً، وتستطيع أن تحصي على الأقل
أربعة أو خمسة ممثلين في الفيلم قدموا
أداءً تمثيليا يدعو للدهشة والانبهار
رغم قصر المساحة الزمنية التي
يتحركون خلالها.
كما
أن المخرج برهن على قدرته الفذة في
السير على عشرات الخطوط الدرامية
داخل الفيلم دون أن يفقد حالة التوازي
التي هي أساس عملية الكشف الفضائحية
لكواليس الإدارة الأمريكية، وهو في
ذلك استخدم تكنيكات الكتابة بدءًا من
اللقطات القصيرة ذات الدلالة المعبرة
والإلمام بعناصر الثقافة العربية
والإسلامية، حتى الفلاش باك والمشاهد
الصامتة التي لا تصاحبها سوى موسيقى
داخلية تعبر عن الحزن الإنساني
العميق والنابع من مشاهد الحضارة
الإنسانية التي تنهار على يد الدولة
العظمى.
البترول
كلمة السر في صراع الفيلم، وهو ما ظهر
واضحًا ليس فقط في أحداثه وعلاقاته
المتشابكة، ولكن حتى في أفيش الفيلم
الذي يغرق فيه عميل المخابرات
الأمريكية "بوب" في البترول فلا
يرى أو يتكلم أو يسمع، ويتجاوز الفيلم
كونه وسيلة للترفيه أو التعريف بدعوة
صناع الفيلم من
خلال موقعه على الإنترنت
إلى
حملة لتقليل الاعتماد على البترول، ويمكن
للمتحمسين الانضمام إليها .
اقرأ
أيضًا:
**صحفية وناقدة فنية.