أما
الحكمة التي يحملها هذا الكتاب الذي
يمثل بحق صيحة إنذار وتنبيه (لينذروا
قومهم)، فإن الرائد لا يكذب أهله أو
جماعته الوطنية، وإذ يحمل هذا الكتاب
بعض الملاحظات على موقف الكنيسة
القبطية، فقد سبق للحكيم البشري من
قبل انتقاده بعض مواقف الأزهر الشريف،
فقد اهتم بدراسة المؤسستين الدينيتين
وقد تحتد نبرة الحكيم في مقام يتطلب
الحدة حين يقوم خطر هذه الأيام وفي
العصر الأمريكي في أن تتخلخل الثقة
بالمسلمات، وتتزعزع الثوابت في
العقول والقلوب. إنه لا يفقد أي–
البشري- ميزان الحكمة في دراسة مسألة
المسلمين والأقباط في إطار الوعاء
الحاكم، وهو الجامعة السياسية
الوطنية والحكيم –الرائد– المنذر لا
يغفل ظاهرة التراجع في بعض جوانب
حياتنا وفي دوائر الرأي العام الذي
يشيع مناخا غير صحي، وبروز حالة من
التفكك، نتيجة ضعف الانتماء الوطني؛
وهو ما يدفع بعض الأطراف لاستدعاء
عشيرتها أو مكان ولادتها أو دينها
كانتماء بديل.
في
ظل المناخ يقعد "البشري" حكمة
كميزان للجماعة الوطنية فيقول: "إن
كانت ثمة قاعدة يمكن استخلاصها من
وقائع تاريخ مصر المعاصر، من زاوية
تشكل الجماعة الوطنية واندراج
مكوناتها المتعددة والمتنوعة في هذا
التشكل، فإن الجماعة الوطنية تتضام
عناصرها وتتماسك قواها بقدر نهوضها
الجمعي للدفاع عن مخاطر الخارج عليها،
والذود عن أرضها، وعن ثوابتها
الفكرية وعن مصالحها السياسية
والاقتصادية بعيدة المدى.
وأن
مخاطر الخارج عليها تعمل فيما تعمل
على تفكيك هذا التماسك فنحن شعوب قامت
جماعتها الوطنية وتماسكت في معارك
الدفاع عن النفس وعن التراث الجماعي
في مواجهة مخاطر الخارج. وأن تيار
العزلة ينمو مع زيادة النفوذ الخارجي،
وتيار الاندماج ينمو مع قوة المواجهة
الوطنية لهذا النفوذ الخارجي".
فماذا
عن حكمة جامعية المواطنة لهذا النفوذ
الخارجي؟: ".. أن الجماعة الوطنية في
مصر متشكلة ومتبلورة وهي تقوم على أسس
فكرية ونظرية وعلى سلوك عملي، وتعتمد
على المساواة والمشاركة في الحقوق
والواجبات.. على مبدأي الاستقلال
السياسي والديمقراطية وعلى منهج
المساواة...
فماذا
عن حكمة التاريخ وحكمة الفقه في إسناد
تلك الحكمة التأسيسية حول الجماعة
الوطنية؟.. ".. نحن نعلم من مطالعة
تاريخ العصر الحديث لأممنا وشعوبنا،
أن الجماعات الوطنية فيها بنيت
وامتزجت وتضامت صفوفها في جهادها
وكفاحها ضد الاستعمار وضد النفوذ
الأجنبي وهي باقية على هذا التوجه...".
هذه
هي حكمة التاريخ التي تتضام إليها
حكمة التوجه الفقهي: ".. ورحم الله
الشيخ عبد الوهاب خلاف الذي لاحظ ما
معناه أن فقه المسلمين يدور في هذه
المسألة مع المودة والصفاء فينفتح
ويتسع، أو مع التعارض والبراء فينقبض
ويضيق، لأنه فرع يرعى مصالح الجماعة
ويدور معها في هذه الأمور...".
صراع
المرجعيات..
فماذا
عن حكمة المرجعية؟ والتي يوردها في
معرض عملية الصراع الفكري الدائر في
العقدين الأخيرين؛ إذ لا يقوم في ظن –الحكيم
البشري– بين إسلام ومسيحية، وينبغي
ألا يقوم بين أي منهما، إنما هو يقوم
بين المرجعية الإسلامية والمرجعية
الوضيعة العلمانية المنكرة لعنصر
الدين في بناء نظم الحياة والمجتمع،
والصراع ليس حول أحكام تفصيلية، إنما
هو صراع مرجعيات، في المجال الفكري
والسياسي والتشريعي.
والمشكل
أن المسألة المسيحية صارت في -ظن
البشري– أداة من أدوات هذا الصراع
وليست هي الطرف الأصيل فيه،
المسيحيون طرف في موضوع آخر هو موضوع
المساواة والمشاركة في الحياة
الاجتماعية والسياسية فليس موضوع
صراع بين المرجعيات"
حكمة
المرجعية تدعو حكمة المواطنة
وتعتبرها في سياقاتها لا تهضمها ولا
تجور عليها: ".. أن الأمر كله في نظر
–البشري– يجري في إطار "مفهوم
المواطنة" والجماعة السياسية التي
يتشارك فيها المسلمون والمسيحيون من
الجماعات التي تشاركت من قبل في تحرير
بلادها وتشكيل جماعاتها السياسية،
وأن أمر المواطنة بمعناها الحديث
الناجم عن تحرير بلادها والناس من
وطأة الاستعمار القديم هو أمر مساواة
المواطنين في التعامل ومشاركة بينهم
في إدارة الشأن العام، ومن ثم فهي تضم
تماما الوجود الإسلامي والمسيحي من
المواطنين على أساس من المساواة ومن
المشاركة الكاملتين...".
وحكمة
المواطنة تدعو بدورها حكمة التربية
والتنشئة: "... أن مسألة وضع
المساواة أو المشاركة بين المواطنين
جميعا –وإن اختلفت أديانهم وتباينت
مذاهبهم– وهو وضع محسوم في نظري من
حيث التقرير ومن حيث الدفاع عنه ومن
حيث تخصيصه، وهو محسوم في نظر –البشري–
من الزوايا الفكرية الإسلامية
والسياسية والاجتماعية وينتهي ذلك
إلى أن أي مجال يظهر فيه عدم تحقق ذلك
ينبغي أن يطرح بأمانة ونزاهة
واستقامة من الأطراف جميعًا وبروح
المعالجة...".
ولكن
الحكيم البشري يؤكد أن ما يتحدث عنه
في هذا المقام ضرورات "التشكل
الثقافي والوجداني بالتربية
وبالتلقين، وأهمية أن نشارك جميعًا
في طرح الصياغات التي تزيل أسباب
الخوف وفقدان الأمن وتحل مشاعر
الطمأنينة والثقة، وهذا الشأن في
التكوين القبطي مما يعني المصريين
جميعا، وينبغي أن يكونوا جميعًا
معنيين وأن يساهموا في النتاج
الثقافي الذي يروج بين شباب الأقباط
بما يكفل من تحقيق هذه الغاية...".
النسق
الإقناعي
هذه
هي الحكمة المركبة من الجماعة
الوطنية ومرجعيتها إلى مفهوم
المواطنة وجماعية، فماذا عن أصول نسق
الحجج التي جمعها الحكيم؟.
قدم
الحكيم البشري من خلال ميزانه قدرًا
من التوازن بين الحجج النظرية التي
يستند إليها في خطابه ضمن هذا الكتاب،
وتلك الحجج الواقعية التي تنوعت ضمن
نسق متنوع منضبط.
فإذا
كانت تلك هي الحجج النظرية، فإن نسق
الحجج امتد ليقدم جملة من الحجج
والشواهد الواقعية والتي ترتبط
بمصادر تتكافل في بيان حكمة الجماعة
الوطنية لدى الحكيم البشري
الشواهد
في
إطار الفكرة التأسيسية حول الجماعة
الوطنية، يقدم "البشري" في نسق
الحجج الذي شكل منظومة متكاملة من
مصادر بناء حجته الرئيسية حول
الجماعة الوطنية جملة من الشواهد
المهمة لإسناد حجته الرئيسية:
الشاهد
الإحصائي:
وفحوى هذا الشاهد أن "البشري"
إذ لم يكن يسعى إلى أن يوجد علاقة
رابطة بين الحجم العددي لجماعة ما من
المواطنين وبين مدى المساواة التي
يتعين أن تكفل لأفرادها، وإن كان من
المقرر والبديهي أن ثمة طابعا عاما
تتخذه الجماعة والدولة يرد من الغالب
الأعم الذي تتصف به الجماعة الوطنية
من حيث الثقافة والحضارة الجغرافيا...
وهذا
ما أكده المؤتمر المصري المنعقد في 1911
والذي كان أول قراراته: "إن الأمة
المصرية هي في مجموعها كل لا يقبل
التجزئة في الحقوق السياسية وأنه مع
ما لكل طائفة دينية من الحرية في
عقيدتها، فإن للحكومة المصرية دينا
رسميا واحدا هو الإسلام...".
وواصل
الكتاب في مقدمته مناقشة قضية
التعداد السكاني وعدد الأقباط والتي
اتخذت مدخلا لإبراز الاضطهاد،
وغالبًا ما يرد في الكتابات
والمقالات بأرقام غير محققة ولا
مسنودة إلى مرجعية إحصائية ولا علمية
وترد في صياغات يبدو منها أنها وقائع
مقررة وثابتة.
الشاهد
التاريخي:
مشروع النهضة المصرية والمؤتمر
المصري 1911، فقد شكل هذا المؤتمر في
مطالبه واقتراحاته برنامجا للعمل
الوطني في إطار ثورة 1919، وفي إطار
النهضة التي عرفتها مصر من بعد ولقد
تردد على لسان أحد المتحدثين أن جزى
الله الشدائد كل خير فلولا مؤتمر
أسيوط الذي ينضح بالتعصب والعزلة، ما
كانت تسمح فرصة هذا الاجتماع، وكان
ذكاء القوم أن حولوا هذا الاجتماع من
أن يكون رد فعل على اجتماع أسيوط، وأن
يكون طرف خصام أو حوار مع رجال ذلك
المؤتمر، حولوه إلى أن يكون حكما
بموجب الجامعية، وبدل أن ينحصر
الحديث في إطار العلاقة الثنائية بين
المسلمين والأقباط وحدهما وأن يقفوا
متقابلين جعلوه مؤتمر نهوض بمصر ليقف
المسلمون والأقباط فيه كتفا لكتف
متجهين مع بعضهم البعض لبناء نهضة هذه
الجماعة.
الشاهد
المتعلق بالعلاقات الإسلامية –
المسيحية في العالم العربي المعاصر:
فعند الحديث عن العلاقات الإسلامية
– المسيحية في عالمنا العربي المعاصر،
لا بد أن نتحدث عن النظر العلماني
الوافد والمستحدث في ثقافتنا ونظمنا،
وأثر ذلك النظر في تلك العلاقات...
إن
أمر المواطنة بمعناها الحديث الناجم
عن تحرير البلاد والناس من وطأة
الاستعمار القديم، هو أمر مساواة بين
المواطنين في التعامل ومشاركة بينهم
في إدارة الشأن العام، ومن ثم فهي تضم
تماما الوجود الإسلامي المسيحي من
الوطنيين، على أساس من المساواة ومن
المشاركة الكاملتين.
الشاهد
الفكري الثقافي – الشخصي: وليم
سليمان قلادة
: يشكل الدكتور وليم سليمان قلادة
تعبيرًا عن واحد من ركائز الفكر
السياسي التي تقوم عليها الجماعة
الوطنية في مصر.. لم يكن قط إلا خادما
بإخلاص لجماعتيه اللتين منحهما كل
جهده الفكري وقدراته الثقافية، وهما
جماعته الدينية القبطية الأرثوذكسية
الخاصة من رعايا الكنيسة المصرية،
وجماعته السياسية المصرية الوطنية
العامة، وهو لم ير تعارضا بين هذين
الوضعين في نفسه، من حيث صفاء انتمائه
لهما ووجدانيات ارتباطه بهما.. وظل
على مدى عمره كله حتى نهايته لا يكاد
يشغله من شواغل دنيانا إلا هذان
الأمران
الشاهد
المتعلق بالوضع الديني في مصر ومنهج
النظر إليه (نذير الحالة الدينية في
مصر): إن
حولية "الحالة الدينية".. بحكم
موضوعها شديد الحساسية، وبحكم
الطبيعة الخاصة جدًا للفروق الدينية.
إن
حولية تصدر في هذا الشأن إنما تحتاج
درجة عالية من اليقظة والنظر المتعدد
الجوانب... والحالة الدينية لا تختزل
في أنها محض "حالة سياسية" ولا
يجرى التعامل معها بحسبانها مجرد
أحداث تجري والمواقف بشأنها –في
أصولها الثقافية- تكاد تستعصي على
التعديلات التي تجري مجرى الوقائع
اليومية، مما تعرفه مجالات السياسة
والاجتماع.
لقد
ترتب خلل في التوازن بين العروض
الخاصة بالشأن الإسلامي والعروض
الخاصة بالشأن المسيحي، إذا افتقد
التفهم في الأولى وتوافر التفهم
والتعاطف في الثانية... وسيبقى الصالح
الوطني العام يفرض حدوده وضوابطه على
أي تجاوزات أو نتوءات تتبدى وتتعارض
معه.
الشاهد
الثقافي وعملية التأليف ومسئولية
الكلمة (كتاب في الكراهية):
الكتاب عنوانه "وطنية الكنيسة
القبطية وتاريخها" وهو من إعداد
الراهب القمص "أنطونيوس الأنطواني"،
"فنحن أمام تاريخ جماعة منفصل
تمامًا في معاييره وتقييمه وأحكامه،
عن تاريخ الجماعة الأشمل التي تحيا
معها أو تحيا بجوارها، كما يؤثر
المؤلف أن يقول، فضلا عن ادعاءات
تكذبها وقائع الكتاب ذاته.
"إنه
جعل كتابه محض كتاب في الكراهية،
كراهية فريق المصريين ضد فريق آخر،
وهذا ما صور به الماضي ويريد أن يثبته
في الحاضر لكي تحكم الكراهية مستقبل
هذه الأمة. وليقوى لدى القبطي شعور
غلاب بأن سبب بؤسه الماضي وسبب خوفه
المستقبل هو من وجود المواطنين
المسلمين... ويبقى السؤال... بعد قراءة
هذا الكتاب، هل من الصواب أن نربي
أبناءنا على الكراهية والخوف؟؟.
الشاهد
الإعلامي (حول صحيفة النبأ وتوابعها):
والصحيفة فيما ذكرته مما هو مختلف
عليه ومجحود الصدق كانت آثمة أيضًا في
كل ما ذكرته مما ليس وقائع وأحداثا،
وإنما كان أوصافا وصياغات تتعلق
برموز لها لدى المسيحيين الأقباط في
مصر مكانة التقديس.. والحاصل أن
المعالجة الصحفية التي أذاعت بها
جريدة "النبأ" ما ذكرته من
المقال كانت مليئة بما يعتبر تشهيرًا
وبما يثير الغض من التوقير وبما يفيد
تهوينا وازدراء ومهانة.
إن
ثمة سياسة مدبرة لإثارة واقعة من
وقائع الاستفزاز الديني كل فترة
قصيرة.. ومن جهة أخرى فإن العنصر
الخارجي له أثره في ذلك، وأقباط
المهجر يتربصون مستعدين لتأويل أي
فعل على أنه اضطهاد للقبط في مصر،
والسياسة الأمريكية تتربص بقانون
الحرية الدينية لتمارس المزيد من
الضغط على الإدارة المصرية، والإعلام
الغربي والصهيونية العالمية تتحين
الفرص لكي تتعثر الإرادة المصرية في
مشكلات الداخل فتذهل عن مخاطر الخارج،
مخاطر أمنها القومي.
وهنا
نصل إلى نقطة مهمة وهي تتعلق بكيف
يتشكل الشاب القبطي من حيث نظرته
للجماعة الوطنية ومن حيث نظرته إلى
العلاقة القائمة بينه وبين المصريين
الآخرين من مواطنيه المسلمين.
الشاهد
المؤسسي والعلاقة بين الدولة
والكنيسة:
إن اطراد الحديث عن الوحدة الوطنية
للصالح الكنسي وحده هو محاولة ذاتية
للمزج بين الصالح القبطي كما تراه
الإدارة الكنسية وكما تروج له بين
شبابها وبين الصالح الوطني العام
لمصر بمسلميها ومسيحييها.
والإدارة
الكنسية صارت تنظيمًا أوحد، ألغت كل
ما عداها وما لم تلغه امتصته وأخضعته
لسيطرتها المنفردة.. فانتقلت بوضعها
الراهن من الهيمنة الفردية إلى
التفرد المؤسسي، ثم إلى التوجه
الحزبي السياسي ثم أضافت إلى ذلك
نزوعًا إلى السلطة واستخدام أدواتها
في الضبط والاعتقال. لقد قالت للدولة:
أعطني قطعة من استبدادك فأعطتها
الدولة قطعة من استبدادها.. إننا لا
نريد لهذه الموضوعات أن يسكت عنها ولا
أن يغض عنها الطرف فشأن الكنيسة
القبطية هو من الشئون الوطنية العامة
التي تهم الجماعة الوطنية كلها.
الشاهد
الفقهي والاجتهادي والولاية العامة
لغير المسلمين في المجتمع الإسلامي:
فطالما أن الهيئة هي التي تملك
الولاية فإن من الممكن أن يشارك فيها
آخرون من غير المسلمين مع توافر
الضوابط.
هذه
هي الشواهد التي جعلت من تأسيس
الجماعة الوطنية الحكمة الكبرى التي
كانت جل اهتمام الحكيم البشري بل وأهم
قسمة في مشروعه الفكري... فهل تعلمنا
درس الجماعة الوطنية؟!...
اقرأ
أيضًا: