English

 
 

اسألوا أهل الذكر

|

معًا نربي أبناءنا

|

الحج والعمرة

|

الزكاة

|

صحية

|

دعوية

|

إيمانية

|

شبابية

استشارات:

 

أرسل لصديق

في الموقع أيضًا:

المقهى الثقافي   -    دردشة   -    دليل المواقع الثقافية    -    صوتيات ومرئيات 

مساحات ثقافية |تراث وحضارة | لغة وأدب |فنون تشكيلية | سينما ومسرح
|ميديا | أوتار وأنغام |
مساهمات الزائرين


"جربافيتسا".. اغتصاب البوسنيات فيلما سينمائيا

2006/04/20

أحمد المتبولي **

لقطة من الفيلم

ظلت عمليات الاغتصاب الجماعي التي تعرضت لها آلاف المسلمات البوسنيات إبان حرب البلقان حبيسة في عقل وفكر الضحايا وأسرهم؛ فهذا الموضوع من المحرمات التي تصمت عندها جميع الألسن. فالضحايا لا يردن التحدث عنها في محاولة لنسيانها أو تناسيها، والآخرون يكفون عن فتح هذا الباب مراعاة للكرامة المجروحة والشرف المسلوب للضحايا وأهاليهم.

ومن خلف جدار "التابو" خرجت البوسنية "إسماعيلا يبانتش" (32 عاما) –من مواليد سراييفو عام 1974- حاملة معول الفن لتحطيم المحرمات أملا في إيقاظ الضميري الإنساني من مواته تجاه هذه القضية الشائكة.

فالسيناريست والمخرجة البوسنية يبانيتش حصلت مؤخرا وتحديدا في فبراير الماضي في إطار فعاليات الدورة الـ 56 لمهرجان برلين السينمائي على جائزة الدب الذهبي عن فيلمها جِربافيتسا Grbavica الذي يجسد معاناة ضحايا عمليات الاغتصاب المنظم بسراييفو عبر تقديمها قصة امرأة بوسنية تعرضت للاغتصاب على يد الجنود الصرب وأنجبت طفلة.

وحصل الفيلم -أيضا- على جائزة لجنة التحكيم الخاصة، وجائزة فيلم السلام التي تمنح هذا العام للمرة الـ21؛ وهي جائزة تدعمها مجموعة السلام البرلينية منذ منتصف ثمانينيات القرن الماضي بالتعاون مع الرابطة الدولية للأطباء من أجل منع الحرب النووية، ومؤسسة هينريش بول الألمانية.

إلى دائرة الوعي

المخرجة يبانيتش التي قالت عقب تسلمها الجائزة مؤخرا في برلين: "أعتقد أن هذا الفيلم سيغير مجرى الأمور في بلادي؛ لأنه أمكن من خلاله التحدث عن أمر محرم؛ عن قضية توارت بين ثنايا عقولنا ومن وسائل الإعلام في آن".

والفيلم يجسد المعاناة التي تكتنف علاقة أم بطفلتها التي هي نتاج عملية اغتصاب تمت أثناء حرب البلقان الثانية، تريد المخرجة يبانيتش في فيلمها المؤلم إعادة مشكلة الاغتصاب إلى دائرة الوعي الإنساني، والتأثير في هذه القضية عبر استعراض كيفية تناول الحكومة والمجتمع لها.

وعرض الفيلم مأساة السيدات اللاتي تعرضن للاغتصاب، وكيف أن لا يتم معاملتهن على أنهن ضحايا حرب أو ضحايا مدنيون، وأنهن لا يحصلن على مساعدات حكومية ولا تتوفر لهن مظلة الحماية القانونية. هذا إلى جانب معاناتهن الداخلية والاجتماعية؛ في ظل ممارسة المسئولين الرئيسيين عن هذه الجرائم لحياتهم بحرية دون عقاب.

حكاية أسما وسارة

تحكي يبانيتش في فيلمها (مدته 90 دقيقة) الذي يحمل اسم أحد أحياء مدينة سراييفو البوسنية، وتحديدا حي جربافيتسا والذي يعني المرأة الحدباء باللغة البوسنية، قصة اسما Esma – التي تشخصها الممثلة الصربية ميريانا كارانوفيتش Mirjana Karanovic – وهي سيدة بوسنية تعيش في ذلك الحي مع ابنتها الوحيدة سارة Sara – لونا ميوفيتش Luna Mijovic- التي تبلغ من العمر 12 عاما.

اسما Esma التي تعرضت للاغتصاب في نفس الحي –الذي كان جبهة عسكرية للصرب بين عامي 1992 و1995- تعمل في الليل كنادلة في أحد الملاهي الليلة، وفي النهار ترعى ابنتها الوحيدة؛ ثمرة الاغتصاب.

الاثنتان تجمعهما علاقة حب عميقة، ولكن في بعض الأحيان تعتري الأم نوبات من الحدة والعصبية لا تجد الطفلة لها مبررا إلا ضغوط العمل والحياة اليومية.

فسارة تعرف عن أبيها من أمها فقط أنه كان بطلا واستشهد خلال المعارك التي كان يخوضها الأهالي ضد الصرب. ولكن يبدأ الشك في التسرب إلى قلبها عندما يعلن في مدرستها عن تنظيم رحلة مدرسية، والشرط الوحيد للاشتراك فيها بسعر رمزي هو تقديم شهادة رسمية تثبت أن الأب مات شهيدا.. ولكن الأم "سما"، بطبيعة الحال، لم تتمكن من إيجاد هذا الإثبات، وبررت عدم وجود تلك الشهادة بأن جثث العديد من الشهداء لم يتم العثور عليها، وهنا تبدأ الأم في مناورات حوارية مع ابنتها، وفي ذات الوقت، تحاول جمع المال اللازم للرحلة المكلفة ماديا؛ حيث تتمكن بالفعل من الحصول على المبلغ المطلوب بعد استجداء صاحبة الملهى الذي تعمل به.

أما سارة والتي تستمع كل يوم إلى قصص الآباء الشهداء من قرنائها في المدرسة تقف صامتة أمامهم عندما يسألونها عن قصة استشهاد أبيها، وهو ما يدفعها إلى الدخول في مشاجرات مع التلاميذ الذين بدءوا يشككون في حقيقة أن أباها من الشهداء.

علاقة متوترة

مخرجة الفيلم

تصل عقدة الفيلم الدرامية إلى قمتها في مشهد جمع الأم وابنتها؛ حيث تصر سارة في نبرة حادة أن تستمع من والدتها إلى قصة أبيها الشهيد، وفي هذه اللحظة تضطر الأم في انفعال شديد إلى إطلاق كلمات كان وقعها كالرصاص على مسامع ابنتها سارة.. الأب الشهيد ما هو إلا "صربي حقير" اعتدى على الأم إبان الحرب. وهنا تعرف سارة الحقيقة المؤلمة، فتقوم بحلق رأسها تعبيرا عن أن العار طالها كما طال والدتها من قبل.

ويتابع المشاهد العلاقة المتوترة بين الأم والابنة حتى المشهد الأخير من الفيلم عندما تذهب سارة في الرحلة المدرسية لتظهر سارة مسدلة الشعر وهي تستقل الحافلة، بينما تقف الأم لتوديعها.

تستقل سارة الحافلة وتطل من الزجاج الخلفي للسيارة لترى والدتها تلوح لها مودعة، وفي تردد وخجل ترفع سارة يدها من خلف الزجاج ملوحة للأم.

وفي ذلك حالة رمزية تتمثل في أن زجاج الحافلة رمز إلى الحاجز الحائل بين الأم وابنتها بعد الاعتراف، فيما جاء مشهد تلويح الأيدي محملا بإشارة الغفران والقبول.

فالطفلة البريئة سارة هي رمز لسراييفو التي شهدت المآسي والأهوال ولكنها على استعداد لتناسي الماضي في سبيل مستقبل أفضل. كما أن الرحلة المدرسية ما هي إلا إحدى طرق المستقبل الذي ينتظر هذه البلدة.

بداية جديدة

حاولت المخرجة إسماعيلا يبانيتش بمجهود واضح من خلال الإخراج والسيناريو البحث عن بداية جديدة لضحايا الحرب دون خيانة لذكريات الماضي وأحداثه. فهي أرادت أن تخلق من قصة اجتماعية ناعمة موضوعا سياسيا كبيرا، رغم أن السياسة في الفيلم، أخذت جانبا هامشيا لتحتل الدراما الواجهة طوال دقائق الفيلم.

فـالأم "أسما" ظنت أنها تناست ماضيها الأليم، وهو ما لا تريده المخرجة؛ بل تريد فتح الجراح التي لم تندمل بعد؛ حتى يمكن الخطو نحو مستقبل سليم، الذي لا يأتي إلا من خلال معالجة الماضي وجراحه.

فالمرأة التي تتعرض للاغتصاب تشعر أن هذه هي نهاية العالم تماما كمن فقد عزيزا لديه ويعتقد أن العالم توقف من حوله، ولكنه يصحو في اليوم التالي ليجد أن الحياة تسير بصورة طبيعية، وكأن شيئا لم يكن، وكذلك فعلت ضحايا عمليات الاغتصاب في البوسنة. فالفيلم يصورهن في مراكز رعاية المرأة وهن يتجاذبن أطراف الحديث، كما أن أسما تمرح وتأكل وتمارس حياتها بصورة طبيعية.

والطفلة سارة –رمز سراييفو؛ تلك المدينة البريئة- تأبى إلا أن تكون هي مبضع الطبيب الذي يؤلم ليداوي.

فالوقوف على الحقيقة أمر لا مفر منه؛ حتى تقرر على ضوئها ما إذا كانت ستغفر أم تنتقم، لتؤثر الغفران في النهاية. وهذا هو ما تريده يبانيتش وهو: الحب، وتجاوز الماضي بعد معالجة جراحه؛ فجميع شخصيات الفيلم ورغم أنها مجروحة كليمة وتمر بصعاب كثيرة؛ فإنها تحمل الحب في داخلها وعلى استعداد لنقل هذا الحب للآخرين.

فيلم نظيف

الطفلة تلعب مع أقرانها

"جربافيتسا" هو فيلم من "النوع النظيف"؛ فهو لم يتعرض في أي من مشاهده لتصوير فظاعات الاغتصاب؛ بل تعامل معها معنويا، والسبب في ذلك كما أوضحت يبانيتش أنها لم ترد تسجيل فيلما وثائقيا عن عمليات الاغتصاب الجماعي لنساء البوسنة، وتقول: "لم أرد أن أجعل هؤلاء السيدات يقفن مرة أخرى أمام الكاميرا للتحدث عن مواقف غير طيبة؛ فقد بدا لي ذلك كأنه تصوير لمشاهد جنسية؛ خاصة بعد أن أساءت وسائل الإعلام التعامل مع قضيتهن".

كما عرض الفيلم للحياة الاجتماعية الاقتصادية المتدنية التي تعيشها هؤلاء النساء، فالاغتصاب جريمة في حق الإنسانية، ولكن الإنسانية تولي ظهرها للضحية التي تعيش عالمين؛ العالم الخارجي المتمثل في الحياة اليومية ومعاناتها التي تشمل الجميع، والعالم الداخلي عالم الأحزان الخاص الذي لا تحدث به الضحية إلا لنفسها أو من هن مثلها.

هذان العالمان ما هما إلا نموذج مصغر للحياة في البوسنة؛ حيث يسود السلام في الخارج، بينما تبقى آثار الحرب حية في أعماق من عايشها، الابتعاد عن الحدث ومعالجة آثاره، في نفس الوقت، هو الهدف الذي سعى إليه الفيلم.. فما حدث لا مفر منه، ولكن المعالجة هي الواجب والمنوط به البشرية جميعها.

فـ"جربافيتسا" فيلم يناقش قضية بوسنية، ولكنها قضية عالمية تطال جميع النساء اللاتي يتعرضن للاغتصاب في جميع أنحاء العالم حتى هذه الساعة.

اقرأ أيضًا:


** صحفي مقيم في النمسا.


مساحات ثقافية |تراث وحضارة | لغة وأدب |فنون تشكيلية | سينما ومسرح |ميديا | أوتار وأنغام |مساهمات الزائرين|دردشة

ثقافة وفن

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع