ما
يستنتجه المسلمون مما تقوم به بعض
الأوساط الغربية حاليا وسابقا هو أن
أفعالها لا تتلاءم مع سمات التحضر؛
فليست الحضارة استعمال الوسائل
التكنولوجية أو حتى صنعها؛ بل هي في
جوهرها تتمثل في التصرف الإنساني
الذي يتضمن ألا يعتدى فيه على حقوق
الآخرين تحت أي مبرر أو سبب.
فمن
يدافع عن الرسوم الدانماركية يرى
أنها جاءت في خانة احترام الغرب لحرية
الرأي والتعبير، وأن تصرف المسلمين
وردة فعلهم تأتي دليلا على عدم قدرتهم
على تقبل قيم الديمقراطية والحرية.
وهم
في الافتراض السابق يتجاهلون أن هناك
أكثر من 150 كتابا يظهر في الغرب كل شهر
تقريبا يتم فيها الهجوم على الإسلام
والمسلمين، وأن العديد من المستشرقين
والمؤرخين والكتاب يقومون بهذا
التهجم منذ عصور؛ ومع ذلك لم يعترض
عليهم، ولم تطلق الدعوات لإحراق هذه
الكتب وقتل مؤلفيها، وإنما حاولوا
بجهد، يكاد لا يذكر، الرد على شبهاتهم
وافتراءاتهم.
وما
نريد أن نصل إليه يتمثل في أن
الاعتراض على الإسلام في الغرب من
الناحية الفكرية أو التاريخية أمر
مفهوم، ولكن غير المفهوم وغير
المقبول معا هو توجيه الشتائم
والإهانات والرسوم البذيئة ووضعها في
مصاف الرأي وحرية التعبير.
حرية
تدين ذاتها
يقول
المؤيدون لنشر الرسوم أو الاعتداء
على المقدس بشكل عام: إن هذه قضايا
تتعلق بحرية الرأي والتعبير، وإن
الغرب في تصرفاته السابقة وحتى
القادمة المتوقعة لا يستطيع التخلي
عنها من أجل المسلمين الذين لا يقدرون
على قبول قيم الحرية والديمقراطية..
لنقل في ذلك ما يلي:
-
الجريدة نفسها (أي جريدة Jyllands Postery)
رفضت عام 2003 كاريكاتيرا يسيء إلى
السيد المسيح، وذكر محرر هذه الجريدة
السيد Christoffer Zieler آنذاك مبرر رفضه
بأنه لا يعتقد أن تلك الصورة مضحكة،
بل هي مسيئة للمشاعر الدينية
للمسيحيين.
-
في سوبر ماركت شهير في الدانمارك يدعى
Kviekly اضطر مديره إلى رفع الأحذية
الموضوعة على الرفوف، والتي كان
مرسوما عليها صورا للمسيح ولمريم (عليهما
السلام) مراعاة لمشاعر المسيحيين.
-
إهانة الأديان تعد جريمة في بعض الدول
الأوربية مثل: إنجلترا وألمانيا،
وحتى في بلدان مثل فرنسا وبلجيكا
اللتين لا تعد فيهما إهانة الأديان
جريمة، في حال مجاوزة حد معين في
الإهانة، يمكن مراجعة المحاكم التي
قد تدين من قام بالإهانة. فمثلا أدانت
محكمة باريس في السنة الماضية صورة
إعلان تصور المسيح (عليه السلام) بين
عارضات الأزياء وهو نصف عار. كما
أدانت المحكمة نفسها منظمة "الدفاع
عن حقوق الإنسان" لأنها دافعت عن
هذا الإعلان تحت ذريعة حرية الرأي
والتعبير.
-
أدانت محكمة باريس صور إعلانات فيلم
Ave Maria للمخرج Jacques Richard وحرمتها؛
لإساءتها لمشاعر المسيحيين.
-
وفي إنجلترا منع عام 1996 توزيع فيلم
Visisons الذي كان يدور حول حياة إحدى
القديسات للسبب نفسه.
-
منع في ألمانيا فيلم "دولاب الحب"
من إخراج المخرج الألماني Warner Shroeter
لكونه يتضمن إهانة للدين المسيحي.
وقامت الشركة المنتجة للفيلم بمراجعة
محكمة "حقوق الإنسان" الأوربية
محتجة على هذا القرار، ولكن هذه
المحكمة قررت بعد المداولة أن الفيلم
يشكل إهانة للدين المسيحي.
وذلك
كله يظهر أن زعم الحكومات الأوربية
والمحاكم في أوربا بأنها لا تستطيع
التدخل ومنع مثل هذه الإهانات ضد
الأديان أمر مشكوك فيه، فهي تدخلت
ومنعت إهانة المشاعر الدينية
للمسيحيين، كما أن الحكومات والمحاكم
لا تسمح مطلقا بأي مقالة أو كاريكاتير
أو أي مقابلة تلفزيونية أو أي كتاب
يدعو إلى معاداة السامية، ولا يجرؤ أي
كاتب أو مؤرخ على إنكار "الهولوكست"،
فقد حوكم المفكر الفرنسي المسلم "رجاء
جارودي" وأدين لأنه أنكر "الهولوكست"،
كما حوكم المؤرخ "لويس برنارو"
وأدين لأنه أنكر وقوع مذبحة وعملية
تطهير عرقية للأرمن في الدولة
العثمانية عام 1915.
وعندما
قام العالم البريطاني David Ipving بإلقاء
محاضرتين أنكر فيهما مزاعم "الهولوكست"
وقال بأنها مجرد تلفيق لا علاقة له
بالواقع التاريخي حكم عليه بالسجن
ثلاث سنوات.
قانون
معطل
 |
|
هل تستمر المقاطعة؟ |
يوجد
في الدانمارك ذاتها مادة قانونية تعد
إهانة العقائد الدينية جرما، ولكن
هذه المادة لم تستخدم منذ عام 1938. ولم
يتمكن المسلمون من الاستفادة بهذه
القوانين التي أصبحت في الواقع
العملي مقصورة في هذه الدول على رفض
إهانة الدين المسيحي واليهودي فقط.
وهذا
هو السبب وراء قيام المحاكم
البريطانية عام 1991 برد الدعاوى التي
أقامها مجموعة من المسلمين ضد سلمان
رشدي صاحب كتاب "الآيات الشيطانية".
كما
نجد الوضع نفسه في ألمانيا؛
فالمسلمون هناك لا يملكون حق صيانة
عقيدتهم ضد الإهانات التي تلحق بها،
في ضوء رد المحاكم لدعاواهم بحجة حرية
الرأي والتعبير.
والشيء
نفسه نراه في فرنسا؛ إذ لم يتم تنفيذ
أي إجراء ضد Claude imbert مؤسس ومدير مجلة
Lepoint المشهورة عندما صرح عام 2003: "إنني
ضد الإسلام، وأنا لا أشعر بأي حرج عند
ذكر هذا".
كما
نجد أن مراجعة مسلمي فرنسا لمحكمة
باريس ضد الكاتب Michl Houellebcq الذي قال:
"الإسلام هو أكثر الأديان حماقة"
قوبل برفض قاطع من محكمة قامت في
السابق بإصدار قرارات عدة تحرم إهانة
الدين المسيحي، بحجة أن هذا لا يدخل
في نطاق حرية الفكر والتعبير.
نقطتان
أخيرتان
بقي
أن نشير إلى نقطتين: أولاهما أن
لتصرفات المسلمين أثرا في صورتهم
المتشكلة لدى الغرب؛ فهم على سبيل
المثال لا يثبتون على أمر، والمقاطعة
مثال بسيط على ذلك، فردود فعلهم فورية
وسرعان ما تخمد وتنسى، وهذا يعطي صورة
مزرية عنهم ويقلل من قيمة تهديداتهم
بالمقاطعة وغيرها.
ثانيتهما:
أن قسما كبيرا من الأوربيين معذورون
في اتخاذ خط معادٍ للإسلام وكاره له،
في ظل وجود وسائل إعلام قوية تشوه
صورة الإسلام. وهناك كتب مستشرقين منذ
أكثر من ثلاثة قرون تلعب حتى الآن
دورا تخريبيا كبيرا في أذهان الغرب.
كما
أن تصرفات بعض المسلمين ساعدت على
تثبيت الصور المشوهة في الأذهان، في
ضوء العجز عن الخروج بفعل ذي بال
لتوضيح تلك الصورة. فلا نرى تحركا
للحكومات الإسلامية لتمويل مسلمي
الغرب لتأسيس صحف ومجلات وقنوات
تليفزيونية بلغات غربية، وهذا أضعف
قوتهم وكرس صورتهم المشوهة في الذهن.
اقرأ
أيضًا: