بريدك الالكتروني


English

 
 

اسألوا أهل الذكر

|

معًا نربي أبناءنا

|

الحج والعمرة

|

الزكاة

|

صحية

|

دعوية

|

إيمانية

|

شبابية

استشارات:

 

أرسل لصديق

في الموقع أيضًا:

المقهى الثقافي   -    دردشة   -    دليل المواقع الثقافية    -    صوتيات ومرئيات 

مساحات ثقافية |تراث وحضارة | لغة وأدب |فنون تشكيلية | سينما ومسرح |ميديا | أوتار وأنغام |مساهمات الزائرين


الدين في القرن الحادي والعشرين *

2006/04/04

خالد غزال

يشهد العالم، في مناطقه المتعددة، منذ أكثر من عقدين انبعاثا للهويات الدينية لم يعرفها منذ أكثر من قرن من الزمان، وتعبر هذه الظاهرة عن نفسها بتوترات ساخنة ونزاعات طائفية وإثنية وعرقية داخل البلد الواحد أو بين بلدان متجاورة، كما تجد تجلياتها في الصراع السياسي والاجتماعي الدائر في أكثر من مكان وإلباس هذا الصراع مضمونا طائفيا أو دينيا، وأنتجت الظاهرة أيضا ثقافات خاصة ونظريات كان أبرزها صراع الحضارات الراهن والمقبل بديلا لصراع أيديولوجي سابق بين الرأسمالية والشيوعية.

هكذا شكلت العودة إلى الدين محور دراسات وأبحاث في كل مكان في العالم؛ فزخرت المكتبات بمنوعات من الكتب جمعت في قراءتها للظاهرة ولأسبابها بين الموضوعية، كما تميزت أخرى بالانحياز السياسي والتوجه العنصري والإيديولوجي. يعكس هذا النتاج الثقافي المتنوع عمق الأزمة التي تسبب بها صعود الهوية الدينية والنتائج المترتبة عليها في الطابع العنفي أو بروز الحركات الأصولية في العالمين الغربي المسيحي والإسلامي على السواء.

صعود عالمي للهويات الدينية

ويشكل كتاب جورج قرم الصادر بالفرنسية بعنوان: "المسألة الدينية في القرن الحادي والعشرين" إحدى المعالجات الموضوعية للظاهرة في أسبابها ومفاعيلها ودورها في الحراك السياسي الساخن، رافضا حصر هذا "الإثم" بدين واحد تمثله الحركات الأصولية الإسلامية، طارحا أسئلة حول الحداثة وأزمتها، مجددا التساؤل عن إمكان الوصول إلى عقد علماني دولي يخرج العالم من دائرة العنف ذي الطابع الديني إلى رحاب الديمقراطية والاعتراف بالآخر والتعايش معه محتفظا بحق الاختلاف.

يعطي قسم واسع من الأدب السياسي الغربي حيزا للهوية الدينية ذات الطابع الإسلامي، فيرى فيها أحد الأسباب الرئيسة وراء انتشار العنف، ويضع انبعاث الهويات ذات الطابع المسيحي واليهودي في سياق الجواب عن هذا الأصل.

تستخدم هجمات 11 أيلول 2001 على الولايات المتحدة، وبعدها هجمات مدريد ولندن وإندونيسيا وغيرها... وسيلة إيضاح عن الدور الذي تضطلع به راهنا الهوية الدينية الإسلامية. ويجافي هذا الحكم الحقيقة في أكثر من مكان.

فالهوية الدينية تكاد تحكم اليوم كل شيء وفي كل مكان من العالم. في القارة الأوربية، يزداد التعصب العنصري بوتيرة كبيرة ضد الأقليات غير الأوربية من المهاجرين، كما ترتفع مجددا دعوات الكنيسة لاستعادة دور سياسي- اجتماعي كانت العلمانية أزاحته بعد الثورة الفرنسية الكبرى، وفي أوربا الوسطى والشرقية، أدى انهيار الشيوعية إلى عودة الدين بقوة جوابا عن الإيديولوجية الماركسية التي عملت على إلغاء الدين من الحياة العامة.

في الولايات المتحدة الأمريكية، تشهد الحركة الإنجيلية البروتستانتية نموا متزايدا كان قد بدأ منذ عقود واحتل مكانا أساسيا في سياسة الرئيس ريغان، ووصل ذروته مع الموقع الذي احتله المحافظون الجدد في إدارة الرئيس بوش الابن منذ العام 2000. تشهد الولايات المتحدة اليوم صراعا بين سعي المحافظين الجدد لإحلال المسيحية الإنجيلية بديلا من المبادئ العلمانية التي قام دستور الدولة على أساسها منذ العام 1776.

وفي القارة الآسيوية، تشهد الهند انبعاثا للهوية الهندوسية مصحوبة بتوتر ساخن مع الهويات الدينية الأخرى، لا سيما الإسلامية منها في الهند وكشمير. أما بالنسبة إلى اليهودية فتشكل الصهيونية ومعها دولة إسرائيل أكبر تجلّ لصعود الهوية الدينية اليهودية التي تمارس قهرا على الشعب الفلسطيني في شكل لا مثيل له في العالم الحديث.

وأخيرا، يشهد العالم الإسلامي، خصوصا في منطقة الشرق الأوسط انبعاثا قويا للهوية الدينية، تترجم نفسها بوسائل مختلفة، من سعي إلى الوصول إلى السلطة عبر الطرق الديمقراطية، أو بازدياد فاعلية الحركات الأصولية، إرهابا وعنفا، باسم الإسلام، أو بموقف شبه إيديولوجي من الغرب عموما ومن حضارته في تعبير معاد ومتوجس من سياسته.

يجد هذا الانبعاث للهويات الدينية ومعه العودة واللجوء إلى الدين، سياسيا وإيديولوجيا، أصله في الديانات التوحيدية الثلاث التي يتميز كل منها بنوع من "الاصطفائية". وتتحمل هذه الاصطفائية مسئولية كبيرة في تأجيج الهويات الدينية وفي تعميق الخلافات بين أبناء الديانات وبالتالي التسبب في نزاعات متعددة الجوانب.

وحشية باسم الدين

جورج قرم

يمثل تصاعد العنف في العالم إحدى نتائج انبعاث هذه الهويات الدينية. على امتداد النصف الأول من القرن العشرين كانت صورة العالم بعيدة في شكل كبير من تبلورها في مظهر ديني. كانت الأفكار التحررية والإنسانية العلمانية تشكل فورة وتكتسح الموروثات السائدة. وكان العالم الثالث ومنه العالم العربي يخوض نضالا ضد الاستعمار وتحقيق الحرية والاستقلال، حتى إن ميثاق الجامعة العربية لم يحمل أي إشارة إلى رباط ديني. يجد انحراف الهوية الدينية أسبابه في استخدام الدين في النزاعات والصراعات السياسية. وضع الدين بشقيه المسيحي والإسلامي في مواجهة الماركسية والأنظمة الشيوعية السائدة.

وقد اتخذت نظريات المحافظين الجدد وإستراتيجيتهم الإمبريالية في العالم وجهة تحريض ديني، خصوصا بعد اعتبار الدين الإسلامي عاملا من عوامل الإرهاب الذي ضرب الولايات المتحدة، وكون تنظيم "القاعدة" تنتمي عناصره إلى الإسلام. في المقابل ساهمت المواقف الغربية، والأمريكية منها بخاصة، في إيجاد ردود فعل داخل العالم الإسلامي، خصوصا في منطقة الشرق الأوسط، اعتبرت أن الغرب يخوض ما يشبه "حروبا صليبية"، وأنه يسعى إلى السيطرة على العالم العربي عبر دعمه لحليفه الأساسي إسرائيل ولسياستها العدوانية المتصاعدة.

يحاول بعض المؤرخين رد العنف إلى الثورة الفرنسية ومرحلة "الإرهاب" اليعقوبي التي شهدتها فرنسا، بصفته مسئولا عن موجات العنف المتتالية وصولا إلى القرن العشرين. غير أن "جورج قرم" يخالف هذه النظرة بإرجاعه العنف إلى تاريخ أسبق بكثير من تاريخ الثورة الفرنسية، أي إلى الحروب الدينية التي عرفتها أوربا منذ القرن الثاني عشر إثر الانشقاقات داخل الكنيسة. وهي حروب اندمج فيها الصراع السياسي والاجتماعي بالعنصر الديني، وجرى استخدام اللاهوت في خدمة هذا الصراع وفق ما يراه كل طرف. تشير أحداث التاريخ إلى إن أبشع مظاهر العنف هي تلك التي عرفتها الحروب الدينية، خصوصا بين البروتستانت والكاثوليك والتي شهدت مجازر وحشية تحت اسم الدين الحق.

كما لم تخل محاكم التفتيش من ضروب الوحشية في قمعها لحرية الرأي والفكر والاعتراض، لم يخل العالم الإسلامي من الصراعات ذات الطابع العنفي التي تسبب بها الصراع على السلطة منذ وفاة الرسول، وتوسعت لاحقا لتؤدي إلى انقسامات طائفية ومذهبية عبرت عن نفسها كذلك بـ"حروب دينية"، كانت كل طائفة أو فئة تلجأ إلى النص الديني والحديث النبوي لتأخذ منه ما يتناسب مع آرائها وحجتها في تسويغ مشروعية أطروحاتها في الصراعات الدينية التي تحولت حروبا في الغرب المسيحي أو في العالم الإسلامي، كانت المسائل اللاهوتية الأقل أهمية في الصراعات، فيما كان الجوهري هو استخدام هذا اللاهوت واللجوء إليه لتبرير النزاعات.

الدين في ظلال الحداثة

أسست الصراعات السياسية ذات الصبغة الدينية في الغرب إلى فصل بين الدين والدولة وبالتالي إلى مرحلة جديدة من تطور الحداثة كان أولى نتائجها تراجع دور الدين السياسي. أما في العالم الثالث، ومنه الشرق الأوسط، فلعب قيام دول الاستقلال وانخراطها في مواجهة مهمات التنمية والتحرر القومي والتقدم الاجتماعي، دورا في خفض التأثير السياسي للهوية الدينية. لكن الحداثة المتقدمة في الغرب ومعها سيطرة العقلانية لم تمنع انبعاث نظريات عرفية مثلتها النازية والفاشية، كما لم تمنع سيطرة إيديولوجيات معادية للدين مثل الشيوعية.

لكن الأخطر في أزمة الحداثة كان عجزها عن منع قيام حربين عالميتين حصدتا ملايين البشر، مما وضع الإنسان الأوربي أمام أسئلة الوجود ومأزقه، ومعنى التطور والتقدم وسيطرة العقل والنتائج المدمرة لها على الصعيد البشري؛ وهو ما أعاد طرح قضية البعد الروحي للإنسان ودور الدين في الحد من جموح العلم واستخدام منجزاته لغير مصلحة الإنسانية.

أما أزمة التحديث في الشرق الأوسط فقد عبرت عن نفسها في فشل برامج أنظمة الاستقلال إلى حد كبير في المهمات التي وضعت على عاتقها، وانفجار بنيات هذه الأنظمة؛ وهو ما جعل الجواب الأصولي الديني يقدم نفسه بديلا خلاصيا من أيديولوجيا الأنظمة وبرامجها.

في مقابل أزمة الحداثة، تعاني الأصوليات أزمة مماثلة وفي شكل أشد أثرا؛ فالأصولية المسيحية المتمثلة اليوم بالمحافظين الجدد في الولايات المتحدة الأمريكية تستثير شعوب العالم ببرنامجها الاستعماري التوسعي، وتثير أيديولوجيتهم حول حرب الحضارات، بما هي حروب دينية جديدة، مخاوف من تصاعد الصراع الديني. إلا أن أخطر ما تثيره هذه الإيديولوجية إثارة وعي جماعي ضد الغرب لا يميز بين قيمه الحضارية ومبادئه الديمقراطية وبين الاتجاهات الاستعمارية لبعض حكامه.

أما الأصولية اليهودية الممعنة في احتلال أراضي الشعب الفلسطيني وقهره، فهي تمنع إمكان الوصول إلى سلام عادل في الشرق الأوسط، وتثير في المقابل عداء للسامية ولليهود كشعب، ويصل الأمر إلى تبرئة أوربا النازية من اضطهاد اليهود وإنكار المحرقة ضدهم.

أما الأصولية الإسلامية، فإن برنامجها العدمي المستند إلى الإرهاب المسلح يبدو محكوما بانسداد الآفاق واستحالة تحوله برنامجا للتغيير والإصلاح، بل إن آثاره السلبية تبدو اليوم تدميرية بالنظر إلى العنف الأعمى الممارس على كل فئات الشعب. من ناحية أخرى، يجب التوقف عن استخدام تعبير "الإسلام" في شكل مفرط ووصمه الدائم بالإرهاب؛ فالإسلام ليس مكانا وليس قومية أيضا، إنه دين يتصف بالعالمية مثلما هي المسيحية والبوذية.

لذلك من المفيد عند البحث في أسباب الإرهاب، خصوصاً الصادر من الشرق الأوسط، عدم اللجوء إلى التفتيش عنه في ثنايا النصوص الدينية الإسلامي، فالأجدى أن تُرى أسباب الإرهاب في الاحتلالات العسكرية الغربية لشعوب المنطقة، وفي الاستعمار الصهيوني لفلسطين، وفي التهميش الاجتماعي للغالبية الساحقة من المواطنين، وفي سوء التوزيع الاقتصادي وارتفاع معدلات الفقر والبطالة، وفي تحكم الأنظمة السلطوية برقاب الشعوب العربية وقمع حرياتها.

وقد شكلت العلمانية في أوربا خلاص شعوبها من الحروب الدينية، وأدت إعادة الدين إلى موقعه الحقيقي وسيادة القوانين المدنية القائمة على الديمقراطية والعدالة والمساواة والحرية، إلى انتقال أوربا من الهمجية إلى الحضارة.

إن إعادة الاعتبار إلى فلسفة الأنوار بمبادئها الأساسية، مضافا إليها كل ما قدمته الحداثة من تقدم، والاعتراف بالآخر والعيش معا على رغم الاختلافات، تشكل جميعا أساسا لعقد دولي جديد قد يشكل أفضل السبل لإنقاذ البشرية من طوفان التعصب الأصولي غربيا كان أم شرقيا أو إلى أي دين انتمى. في هذا المجال يشكل كتاب جورج قرم مساهمة متواضعة واقتراحات مفيدة.

طالع:

اقرأ أيضًا:


*نشر هذا المقال في صحيفة الحياة اللندنية يوم 2/4/2006م تحت عنوان "أخطار استخدام الدين في الصراعات السياسية والاجتماعية".


مساحات ثقافية |تراث وحضارة | لغة وأدب |فنون تشكيلية | سينما ومسرح |ميديا | أوتار وأنغام |مساهمات الزائرين|دردشة

ثقافة وفن

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 

أخبار وتحليلات شرعي دعوي تزكية نماء علوم وصحة ثقافة وفن حواء وآدم مشاكل وحلول وسائط متعددة

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع