الدكتور
أحمد عبد الله -طبيب نفسي مصري، وناشط
في مجال حقوق الإنسان، وفعاليات
المجتمع المدني، وحوارات الأديان
والحضارات ومحاضر جامعي- ويسعى في هذا
الحوار إلى أن يحدد نقاط الضعف في رد
الفعل الإسلامي على أزمة الرسوم
الدانماركية، وأن يقدم خيطا قويا في
كيفية التعامل مع مثل هذه الأزمات،
والأهم هنا، أنه يحاول الإجابة
على سؤال الكيف؟ الذي يعتبر مؤرقا
للجميع، وتطرق الحوار إلى مجمل
ما يجب أن يقوم به المسلمون كأصحاب
قضية عادلة؛ لتكون أزمة الرسوم مدخلا
لتصحيح المسار وتجاوز نقاط الضعف
والقصور.
ويرى
أن البداية تبدأ بالحوار، ومن ثَم
الفهم ليأتي العمل، ويؤكد أنه غلب على
ردود أفعالنا في أزمة الرسوم العمل
على إنتاج المواد التقليدية في حين ما
زلنا بحاجة إلى أفكار خلاقة مبدعة
تحقق أهدافنا.
وأكد
أن هناك -في عالمنا الإسلامي- اهتماما
كبيرا ببعض أجزاء من الحقيقة فقط،
فيما يتم تهميش الباقي، وهذا لا يخلق
فهما متكاملا للحدث، وبالتالي لا
يخلق رد فعل متكاملا وإيجابيا.
وأكد
أن هناك نوعا من التعميم القاتل في
الخلاف والصراع مع الغرب، حيث يتم وضع
الأمور كلها في سلة واحدة، وفي رأيه
أن هذا نوع من الخطأ.
وطالب
بأن تتحول المقاطعة الاقتصادية إلى
فعل إيجابي يتمثل في المنافسة
الاقتصادية للمنتج الغربي وليس
مقاطعته؛ لأن الغضب لا يصوغ أجندات
ولا يحدد أولويات.
وأكد
أن اليسار في العالم ينمو ويحتل
مساحات كبيرة في عدد من الدول ومن
بينها أمريكا اللاتينية على حساب
غياب الأجندة الإسلامية في التعامل
مع المشكلات الإنسانية.
وفيما
يلي نص الحوار:
قراءة
وتفكير وحوار
*كتبت
مؤخرا مقالا مهما ردا على أسئلة من
الجمهور لموقع "إسلام أون لاين.نت"
بعنوان: "المسألة
الدانماركية: غضب عاقل وبرنامج مختلف"
وكانت مختلفة جدا عما كتب. برأيي كانت
محاولة منك لتكوين حالة ما من إعادة
التفكير عبر تقديم عرض بانورامي
للواقع، وربما جاء على شكل مربع أسود،
لكنه احتوى أسئلة كثيرة جدا، كيف
تطرحها وأنت المدرك فعليا أن قارئك
متعطش دوما للإجابات؟.
-
هو حالة تفكير فعلا. أنا طوال الوقت
أحاول تقديم حالات من التفكير
للجمهور المهتم والذي يريد أن يفعّل
دوره أو أن يبحث عن دور.
أهدف
أن أجعل الناس تفكر وهو مدخل أساسي
وحتمي لأي شيء إصلاحي يراد له أن يكون
جيدا ومفيدا ومثمرا. ويجب أن ألفت
الانتباه إلى ثالوث لا بد منه يتمثل
بالقراءة والتفكير والحوار وكل منها
لدينا "بعافية" للغاية، حيث
نعاني في كل محور من المحاور الثلاث
الكثير.
عمليا
كتاباتي كلها هي محاولة لتسليط الضوء
على بعض المساحات التي نعاني منها
وتعاني من قلة اهتمام على صعد كثيرة.
وما نلحظه كحال المتابعين المهتمين
هو أن هناك اهتماما كبيرا لبعض أجزاء
من الحقيقة فقط فيما يتم تهميش الباقي
وهذا لا يخلق فهما متكاملا، وبالتالي
لا يخلق رد فعل متكاملا (أي إيجابيا)،
وهذا ما يحصل في أزمة الرسوم
الدانماركية.
*
نقطة مهمة تلفت انتباهنا فيما يتعلق
بما يتم التركيز عليه وما لا يتم،
وظني أن هذا يحدث على المستويين
العربي الإسلامي والغربي، فما الذي
يتم التركيز عليه وما الذي يتم تهميشه
وتناسيه وربما تغطيته وحجبه وتحديدا
على المستوى الإسلامي العربي؟.
-
من طرفنا يتم التركيز على الخلاف
بيننا وبين الغرب والصراع الذي لا
ينتهي. فمثلا نلحظ أن بعض ردود
الأفعال التي ظهرت على أزمة الرسوم في
أفغانستان كانت تتظاهر ضد أمريكا
وكذا هو حال العراق أيضا.
هناك
صراع مع الغرب صحيح، لكن هناك نوعا من
التعميم القاتل في هذا الصراع عبر وضع
الأمور كلها في سلة واحدة؛ وهذا
ليس دقيقا على الإطلاق وليس صحيحا
وليس منصفا أيضا.
أيضا
ما يجري على صعيد ردود الأفعال هو
تركيز مكثف على إعادة إنتاج أشكال
معينة وتقليدية في هذه الردود، فما
يطرح لإدارة الصراع هو المقاطعة
بشقها الاقتصادي والخروج للشارع وجمع
النقود. لا أقلل من ذلك، لكن هذا ليس
حقيقة كاملة، بل هو أقل شيء، مع العلم
أن هناك أفكارا يجب أن تخرج؛ ليكون رد
الفعل أكبر من ذلك وبحجم التحدي الذي
نحن فيه.
الحوار
بطبيعة الحال مطلوب، لكن ضمن شروط
أكثر فعالية، ثانيا المقاطعة
الاقتصادية يجب أن تتحول إلى تنافس
اقتصادي من خلال تطوير حتمي للمقاطعة
لتخرج بشكل أكثر فاعلية، مثل أن تدخل
في نطاقها الأرصدة العربية في
المصارف الغربية.
الاشتباك
موجود لكن ما بعد الاشتباك وما ينفذ
فيه هو ما يطلب التفكير فيه. وما نلحظه
أن حالتنا الإسلامية تبدأ بالغضب
وتنتهي كذلك، والغضب وحده لا يوصل
لشيء ولا يحقق أهدافا ولا يصوغ أجندات
ولا يقود لفعل إيجابي.
أيضا
عند سؤال الفعل الإيجابي لا بد من طرح
سؤال مهم: ما هي أولوياتنا التي يجب أن
نحددها وذلك في ضوء الانفتاح العام
الذي لا يبدو في صالحنا؟ أحيانا نضع
أولويات خاطئة وليست دقيقة ولا يكتب
لها النجاح.
وعند
النظر إلى دور الإعلام نجد أنه يلعب
دورا تنافسيا وهو مخير في ذلك إما أن
يلعب دور التنافس والتراشق أو
التواصل. هو عمليا يختار التراشق عبر
إعادة إنتاج ما هو مكرر. فهو لم يوجد
القريحة الإسلامية والعربية لخلق
أشكال من التواصل والعمل والتدافع
الفعال.
*قضية
الوعي المشوه أو المزيف الذي يتشكل
بحذف وتشويه نتج عنه الكثير من الصور
السلبية وتحديدا فيما يتعلق بنظرتنا
للغرب التي تعتبره "غربا واحدا"
بلا فوارق، وفيما نحن لا نرى إلا نظرة
الغرب لنا؟.
-
عمليا لا يوجد غرب واحد، ومن يقول ذلك
كثيرون وهم بذلك يشوهون الصورة؛ يمكن
أن نقسم الغرب إلى ثلاثة أقسام مبدئيا:
الأول:
يكره ويمارس عنصرية ضد المسلمين،
وهؤلاء يمثلون قوى وصحفا وأحزابا
كاليمين والمنظمات واللوبيات
الصهيونية. وهم يعملون ويستثمرون
المواقف لتسميم العلاقة بين الجاليات
الإسلامية والغرب وبين الدول الغربية
والعالم الإسلامي كله.
وجود
أمثال هؤلاء خلقوا "بزنس كراهية"
أي كراهية الإسلام والتخويف منه،
وليس ذلك فحسب، بل هناك من يلاحق كل من
يقول كلمة إنصاف بحق المسلمين ومنهم
"دانيال بابيس" وهو يعتبر صديقا
حميما لرسام الكاريكاتير الدانماركي.
الثاني:
لا يفهم شيئا ويعاني من قلة في الفهم
أو انعدامه، ولا يملك أدنى معرفه عما
يجري، وهؤلاء أخذتهم ردود أفعالنا
القوية إلى مساحة بعيدة. فالاتجاه
العام العربي الإسلامي ما دام لا يقدم
إجابات في كل شيء ويصرخ ويشجب فقط فلن
يقدم فهما لهؤلاء، وهم بالمناسبة
معنيون بالفهم والمعرفة.
وهؤلاء
يجب أن نعمل عليهم بشرط أن يكون عملنا
معهم إبداعيا أكثر، فبمقدار ما نوفر
مواد: كتبا ومسرحيات وأفلاما، ونخلق
أفكارا وطرقا للتعريف برسولنا
وبإسلامنا نكون موفقين.
وهذا
ضروري في تعاملنا مع الغرب، فهو
بمقدار ما ينشط لمعرفتك يجب أن تنشط
في التواجد معه، وتقدم له كل ما
يريد بدلا من آلاف الكتب الموجودة
والمتوفرة لديه والتي تشوه الإسلام.
الثالث:
النشطاء الذين تحركوا بطريقة جميلة
ويريدون الفهم أكثر بشكل أو بآخر، ومد
جسور التواصل.
أفعالنا
ومنسوب هزيمتنا
*كثرة
التفسيرات التي حاولت الاقتراب من
أزمة الرسوم، وبمقدار التخبط في
التفسيرات كان هناك تخبط في هدف
الأزمة ذاتها، وبالتالي ما نتج عنها،
برأيك ما الذي تضررنا فيه بتعاملنا مع
الأزمة؟.
-
الموضوع بشكل عام يحتمل أن يتضمن فخا
يهدف أساسا إلى استفزاز مشاعر
المسلمين وإساءة العلاقة بين
المسلمين والغرب، هذا من جانب.
ومن
جانب آخر أعتقد أن جزءا من المسألة
فيه نوع من الإلهاء وتحويل الأنظار عن
قضايانا الأخرى المهمة مثل: ملفات
الإصلاح والملف السياسي والمشهد
الفلسطيني.
فنظرة
عميقة داخل الموضوع أيضا تجعلنا
نكتشف أن ما يجري هو ما يشبه لعبة
مصرية تسمى "بص العصفورة"،
وبمقتضاها تنظر بعيدا لرؤية
العصفورة، لكنك تفقد أو يسحب البساط
من تحت قدميك، وهذا حدث فعلا ويمكن
ملاحظته. وهذا الفخ جاء لعدم وجود
أجندة عمل نسير في ضوئها ولتقصيرنا في
وضع الأولويات.
*هناك
رؤية يطرحها البعض، هي بدورها تقدم أو
تحاول تفسير ردة فعل الشارع العربي
الكبيرة إزاء أزمة الرسوم وهي: أنه
كلما ارتفع منسوب هزيمتنا ازدادت ردة
فعلنا. هذا التعامل أو التصرف يبرره
ازدياد حدة الهزائم التي وصلنا إليها
وتواجهنا، وحتى التعامل معها الذي
يقتصر على الغضب هو من صميم "عقلية
الهزيمة" التي تتلبسنا؟.
-
هنا يجب أن أؤكد أن الإعلام له دور
كبير في هذا التلاعب بالعقول
وبالإدراكات وهو من يروج لهذا الفهم
بحسن نية أو بسوء نية.
شخصيا
لا أرى الأمة المهزومة نهائيا، أرى أن
هناك تشويها لما يجري، فما نحن عليه
وفيه هو أننا ملتحمون ونخوض معارك ولم
نستسلم لهذا "العدو"، ونحن
وبمقدار إمكانياتنا نكبد الأعداء
خسائر مهولة وكبيرة وهو يدرك ذلك.
القضية،
ومن وجهة نظري، مقتصرة على الأداء
والأجندة التي نتحرك بناء عليها،
فالأداء مطلوب تحسينه فورا.
وبالتالي
ومن هذا الفهم ينبغي أن ننظر إلى ردود
أفعالنا التي هي بطبيعتها تعبر عن أمة
حية وليس أمة مهزومة لكنها تتخبط.
فنحن عمليا وليس نظريا "كالجسد إذا
اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد
بالسهر والحمى". فحراك الأمة دليل
على أنها حية.
المشكلة
الثانية تتمثل بالأجندة، فنجد أحداثا
يمكن أن تحركنا على أجندتها أو تحرفنا
عن أجندتنا وليس العكس. وهذا ما يحدث
الخلل والفهم الخاطئ الذي يشبه
الانتحار أحيانا. ورغم محاولات
التفريق ودس أسافين الخلاف هناك وجود
حي ومميز.
وبالعودة
للإعلام تكتشف أنه يقوم بتلاعب عندما
يظهرنا أننا مهزومون ونحن لسنا كذلك
مطلقا.. التوصيف الأدق لحالتنا هو
أننا مضغوطون في صراع ولسنا مهزومين
عمليا.
لعبة
الإعلام المكلفة يتورط فيها الإعلام
العربي جهلا وبسوء نية أحيانا.
المطلوب هو البحث عن استثمار المشهد
والخروج منه بصورة فعالة.
كيفية
تجاوز التقصير
 |
|
مقاطعة المنتجات الدانماركية |
*من
كلامك السابق، وعلى صحته، هناك تأكيد
شبه تام فيما يبدو على خلو المشهد من
المبادرات القادرة على كسر فجوة
الفعل السلبي وأثرها الذي تتركه على
الجمهور أولا، ومن ثَم الآخر ثانيا
الذي غالبا ما لا يفهمنا بصورة جيدة،
فالمبادرات قليلة على كثرتها
الظاهرية، فيما فرص تأثيرها معدومة؟.
-
بداية ومن وجهة نظري ما حدث جعلنا
نشعر أن لدينا تقصيرا كبيرا، وهذا جيد
بحد ذاته رغم تأخره. فجيد أن تكتشف أنك
مقصر، وهذا يجب أن يكون عاملا محفزا
وليس مثبطا.
السؤال
المهم هو كيف؟.. بمعنى كيف نتجاوز
تقصيرنا، وهو سؤال مشروع وجوهري.
ودوما تطرح الأسئلة، ومستقبلا ستظهر
أسئلة أكثر تفصيلية وأهمية وذلك في
حال الاشتباك والعمل الفعلي، وسنكتشف
كما هي عادتنا أننا غير مستعدين.
القضية
الأهم من وجهة نظري أننا قد نكتشف أن
أولوياتنا ليست في مكانها، وهذا واضح
من خلال سلّم أولوياتنا ونتاج ذلك،
فنحن نهمش ونتجاهل من هم على استعداد
للتعامل معنا مثل أمريكا الجنوبية
وآسيا وحتى إفريقيا، ونتجه إلى الغرب
بوصفه جزءا أوحد في هذا العالم.. فنحن
لا نرى إلا أمريكا وأوربا فيما هناك
قارات مليئة بالثروات وتشهد تحولا
كبيرا تجاه أمريكا التي تعتبر خصمنا
اللدود.
فالبداية
إذا أردنا السير على الطريق الصحيح
يجب أن نعترف أن المسلمين ليسوا على
دراية تامة بالإسلام أولا وكذلك
الغرب.
ثانيا:
نحن بحاجة إلى تقديم الإسلام بأشكال
مختلفة.. كيف؟ وبماذا؟ هذا سؤال كبير
وبحاجة لجهد من الجميع: فهناك المسرح،
والأزياء، والأفلام، والغناء،
ومفردات الحياة اليومية... إلخ، وهذا
التنوع مهم جدا في ظل أن الغالبية في
العالم لا تهتم بالطقوس الدينية التي
لا نرى غيرها.
وهذا،
على بساطته، لسنا مدركين له ولسنا
مدربين عليه، وحتى لسنا نفكر فيه حتى
الآن.
وفي
هذه المرحلة هناك اكتشافان صدمنا
بهما أولا: أننا لا نملك الطريقة التي
نقدم فيها الإسلام، وثانيا: أن
أولوياتنا في العالم غير صحيحة.
*ذكرت
أن أمريكا اللاتينية وآسيا لا يوجد
تعامل معهما، لكن الوعي المتشكل
أنهما لا قيمة لهما ولا تحتلان مساحة
كبيرة على الخريطة العالمية، بمعنى
لا تمتلكان مصادر القوة والتأثير؟.
-
هذا وعي مشوه كليا، وهو كلام ليس
دقيقا، ومع ذلك يحمله الجميع ويسوقه
كذلك، بمعنى الوعي لم يتشكل بعد في
ضوء فشلنا في وضع خريطة اهتماماتنا
وجهودنا.
فمثلا
كيف نفسر ابتعادنا عن أمريكا
اللاتينية التي فيها الزخم الثقافي،
وانعدام وجود الخلافات التاريخية
بيننا وبينها، والقوة الكبيرة، وتوفر
فرص الاستثمار والتعاون البناء... إلخ.
بمعنى
هناك إمكانية للتقارب والتعاون
العربي هناك، ومن طرفهم هناك ترحيب
كبير. ونحن لا نعي أنه لو بذلنا مع
أمريكا اللاتينية نصف ما نبذله مع
أمريكا أو أوربا لخلقنا حالة جديدة في
العالم.
"بزنس
حوار".. و"بزنس كراهية"
*عودة
لقضية الحوار على اختلاف أنواعه
وأهدافه، وأنت مهتم للغاية في هذا
الموضوع، ولك أكثر من مقال في هذا
الصدد ومشارك في مؤتمرات وحوارات
عدة؛ لوحظ أن الحوار لم يكن مثمرا
بفعل اقتصاره على النخب وعدم نزوله
للشارع وقلة تعاطيه مع الواقع؟.
-
يجب أن نعترف أن هناك نخبا لا علاقة
لها بالحوار، ومع ذلك تشارك فيه سواء
من طرفنا كمسلمين وعرب أو من طرفهم
كغرب على اختلاف أقسامه، وهي بذلك نخب
لا ترتبط بالجماهير مطلقا، بل تعيش
معزولة عنها تماما.. ليظهر السؤال
الكبير: من يقود الحوار نفسه؟.
هذا
السؤال المهم يأتي في ضوء وجود "بزنس
حوار" يوازي ويعادل "بزنس
الكراهية"، وظني أنه يقوي ويعزز
الأخير لعدم إثمار الأول، فمن يعمل
بالحوار نخب غالبا ما تكون معزولة عن
الواقع. وتتكلم بقضايا تخصها ولا تخص
الجمهور.
وهنا
يجب علينا أن ندرك أن النخب تعاني من
أزمة في كل شيء، على الأقل في عالمنا
العربي الذي تعيش فيه بعزلة وتضع
حواجز بينها وبين الناس، أي أن حبل
الود والاتصال مفقود بين الطرفين.
الأهم
هنا إدراكنا لموضوع الحوار أنه ملف
نخبوي بحت وليس ملفا جماهيريا شعبيا.
وهذا الإدراك الخاطئ يجب أن يتحول،
وهو إدراك قاد إلى تعميق الفجوة وضاعف
فشل التواصل.
المسألة
عمليا خرجت من إطار النخب، وإدراكنا
لذلك يجب أن يكون في ضوء أن هناك
مستويات للحوار، يجب أن نعلم أن كل
يوم هناك حوار وهو حوار فعلي ويومي
هذا من جانب. كما يجب أن ندرك أن فكرة
الانعزال تتفكك في ضوء إدراكنا أن أي
شخص يمارس "الشات" يقوم بالحوار.
وفي ضوء أن الإنترنت تلعب دورا كبيرا
في ذلك مع أن واقعها افتراضي. وفي ضوء
إغراقنا في العولمة التي تخلق حوارها
وكذلك حال السياحة.
نقاش
آخر يجب أن يطال محتوى الحوار ذاته،
فما الذي يناقش؟ وهو موضوع يوازي سؤال
من يناقش؟ وهل له أحقية النقاش؟..
وسنجد إضافة لكونه نخبويا أنه معزول
وبلا أجندة حقيقية ولم يُفِد في شيء.
التركيز
في كل الحوارات كان على المحتوى
المشترك والمسائل النظرية التي لم
تنزل للقضايا التي تهم المواطن
المسلم والغربي على حد سواء. وهذا جعل
نتائج كل الحوارات معدومة.
الآن
هناك تقليل من فكرة وجدوى الحوار
والسبب أنها لم تثمر، والسبب في ذلك
ببساطة عزل الحوار عن أصحابه من
جاليات ومواطنين وجماهير. فالمسألة
وللأسف كانت وظيفية وبزنس وأشبه
بنظام المقاولات.
المجتمع
المدني هو الحل!
*يبدو
أن الأزمة الدانماركية بمقدار
بشاعتها جعلتنا نكتشف الكثير من
الأشياء، أهو قدر أن يحدث ذلك؟.
-
الأزمة الدانماركية وضعتنا على محك..
والنجاح مشروط بالوعي والتقييم
والتراجع عن أفعالنا السابقة الخاطئة.
ومن
ذلك نعترف أن الدور الرسمي اختفى، ومن
يعول عليه فهو يعول على سراب، يجب أن
نخرج الحكومات العربية من الموضوع
فما يهمها هو أن تحقق مكاسبها. والدور
يجب أن يكون للمجتمع المدني في ضوء
القناعة المطلقة بأن الحكومات
والتعامل معها لا يقدم نتائج ما داموا
أناسا يديرون مصالحهم، فهم بتعبير
أدق في إعارة لجمع المال.
ثاني
اكتشاف هو أن النخب أيضا لديها
مشاكلها وأجندتها وبضاعتها التي
تسوقها وتحدثنا سابقا عن ذلك.
فمن
بقى إذن؟.. الشعوب وعامة الناس!!!
فكيف
تقوم وتتحرك وتستثمر في هذا الموقف؟
كيف تبني أجندة أو سياسات تخرج بها؟..
هذه هي فكرة المجتمع المدني التي يجب
أن ننادي بها، أي أن نبني أساسات قوية
وسياسات من القواعد ومن تحت. وهذا صعب
لكنه يحصل ويثمر وينجح. وهو اكتشاف
طرح سؤال: كيف ندرك نحن العرب
والمسلمين هذا الموضوع؟.
نريد
من الفكرة أن تتحول إلى موقف، ومن ثَم
إلى برنامج عمل، فالقضية طريقة في
التفكير والعمل أيضا.
معضلتنا
هي في معرفتنا بكيفية بناء برنامج
يبدعه الناس ويعتمد على قوتهم في
تحقيقه. صحيح أن المكان الموجود لذلك
صغير، لكنه ما يلبث أن يكبر وهذا هو
الرهان.
نقطة
مهمة يجب علينا أن نعيها وهي أن
اليسار في العالم ينمو ويكبر على حساب
دمنا، أي نحن العرب، سواء في تشيلي أو
لندن أو أوربا.
اليسار
وجد المجتمع المدني أرضية يتحرك فيها
بسهولة بفعل الأخطاء التي يرتكبها
اليمين في العراق وفي كل العالم.
وبذلك يربح ويكسب نقاطا، ولكن نحن لا
نمارس أي عملية لصناعة أجندات أو
تأسيس بنى تحتية قادرة على التحرك
والفعل رغم أن القضية قضيتنا. ونحن
ننقطع عنهم بفعل ضعف الإدراك، ووضع
حاجز السلطة الذي كرسناه بأنفسنا.
*السؤال
المهم هو: كيف
نوجد مجتمعا مدنيا يساعدنا على
فعل
صغير ما يلبث أن يكبر في ظل ما نشهده
اليوم من تفكك السلطة، وما يوازيه في
المقابل من تشبيك الناس.. هذه عملية
البناء التي تنتج بحكم عملية التفكك
ذاتها؟.
-
ومن أمثلة ذلك "البلوغرز" الذين
يعتبرون شبكة كبيرة من الإعلام
البديل الموازي الذي يطرح أفكارا
جديدة وتغطيات بعيدة عن الرقابة
والسيطرة.
علينا
أن نعي أولا أنه لا يوجد احتكار،
وبالتالي البيئة الحالية تساعد على
فكرة التشبيك.. والإنترنت الذي يعتبره
البعض مجتمعا أفقيا مفككا هو في الوقت
نفسه قادر على التشبيك والتجميع. فنحن
بصدد أدوات جديدة علينا، ويمكن أن
نبتكر غيرها، لكن حتى الآن لم نفهم
آفاقها.
اقرأ
أيضًا: