انحراف
الحرية الغربية إلى ما يُعرف "بتدنيس
المقدس" الذي أعطى حدث الإساءة
كاريكاتيريا إلى مقام النبوة مثالا
عليه، يُعَد شاهدا على حجم الخلل
الكبير في الربط بين مفهوم الحرية -وما
يتصل بها على صعيد حقوق الإنسان عامة-
وبين "شروط" النهضة، فهذا
الاتجاه بالذات لم يكن في الغرب وليد
الحاجة إلى تكوين إنسان النهضة، ولا
نتيجة من نتائجها، إنما كان في الدرجة
الأولى من حصيلة الشطط في فلسفات
مادية حداثية وما بعد حداثية، لا سيما
ما ظهر في النصف الثاني من القرن
الميلادي العشرين.
ومن
الضروري أن نفرق بين:
-
"علم الفلسفة" الجامعي، القائم
على منطلقات ثابتة، ومناهج بحثية،
لتفسير الواقع أو الحدث، وليس
لصناعته وتوجيه الحياة البشرية من
خلاله.
-
والنظريات الوضعية التي يطلق عليها
وصف الفلسفية، وتتحول إلى تصورات
مناهج -كالرأسمالية والشيوعية-
ويقترن الصراع بينها باستخدام أسباب
القوة، بمختلف أشكالها، ثم تمضي من
إخفاق إلى إخفاق، أبرز أشكاله فيما
يرتبط بالحديث عن حرية الإنسان، حيث
إخفاق مسيرة النهضة الأوربية بعد
التنوير والحداثة في الوصول إلى
تحرير الإنسان فعلا، وهو الإخفاق
الذي تُعتبر كلمة فيلسوف ما بعد
الحداثة الفرنسي ميشيل فوكو (تُوفي 1984م)
نموذجا معبرا عنه بقوله "إن
الأنوار التي خلقت الحريات هي التي
خلقت السلاسل والأغلال أيضا".
تحوير
الصدام من الكنيسة إلى الدين
في
هذه الأثناء لم تَعُد قضية الخروج من
ظلمات العصر الوسيط مطروحة، ولا دور
الكنيسة أيضا، فقد انتشر ما نعتبره مع
بعض المؤرخين الغربيين "معتقدات"
علمانية حولت مفهوم الدين إلى ما
يحصره في وجدان الفرد وجدران المعابد.
وبالتالي لا يصح الادعاء أن التمرد
على "استبداد" ديني هو المنطلق
لأطروحات "تدنيس المقدس" في
الغرب. بل إن كلمة مقدس هنا تشمل كل
قيمة من القيم، دينية كانت أم من وضع
البشر.
وأقصى
ما يمضي إليه بعض المحدثين من تأويلات
في هذا المجال هو محاولة الربط بين
كلمة مقدس يراد تدنيسه، وبين إرث كنسي
فَقَدَ منذ زمن طويل مفعوله التاريخي
القديم، أي عندما رسخت الكنيسة
معتقدات التثليث، ثم انطلقت منها
لتضع نفسها -كهيئة مشاركة في الحكم- في
موقع حاملة إرث "المسيح" عليه
السلام، ولتعطي بذلك صفة القداسة
لقراراتها وكأنها "قرارات إلهية"،
وهو ما صنع في حينه "الحكم التأليهي"،
ونرى هذا التعبير هو الأنسب لترجمة
كلمة "ثيوقراطي"؛ إذ لم يكن
العنصر الحاسم فيه هو "تحكيم الدين"
ليسري عليه وصف الحكم الديني، بل كان
محوره إعطاء المؤسسة الدينية صلاحية
تضاهي مفعول الوحي الرباني، كما عبرت
عنه الإملاءات العقدية/ الدوجما،
والعصمة البابوبة، وصكوك الغفران
الكنسية، وغيرها.
الشطط
الأحدث في حرية الغرب إلى درجة التعدي
على المقدسات الدينية والإنسانية
عموما، شطط صادر عن عنصر "الصراع"
الذي لم يفارق مسيرة النهضة الغربية
في مختلف ميادينها السلبية كالانتشار
الاستعماري الاستغلالي للآخر،
بما في ذلك تجارة الرقيق قديما
والرقيق الأبيض حديثا، وميادينها
الإيجابية كحقوق الإنسان وحرياته
وسيادة القضاء في النظم الديمقراطية
الغربية القائمة.
ولم
يغير من موقع "الصراع" في هذه
المسيرة ميلادُ أفكار حقوق الإنسان
وحرياته في الدستور الأمريكي
والميثاق الفرنسي على السواء، فقد
نشأ كلاهما داخل أتون الصراع الذي بلغ
ذروته في حرب الاستقلال الأمريكية
والثورة الفرنسية.
ومن
هنا كان طرح مسائل الحريات والحقوق
وفق شعار أنها "تُنتزع" انتزاعا،
وذاك مما طرحته كتابات فولتير (توفي
1778م) في فرنسا وأوربا، تختلف بوضوح عن
أطروحات رائد التنوير الأوربي
إيمانويل كانط (توفي 1804م)، وأطروحات
عميد فكر الثورة الفرنسية جان جاك
روسو (توفي 1778م).
وآنذاك
كان للكنيسة بوصفها هيئة حاكمة، وليس
للمسيحية بوصفها دينا، دورٌ في هذا
الصراع وهي في مرحلة خسارة مواقعها
الاستبدادية. وهو ما حول الاضطهاد من
"حروب دينية" ضد المنشقين عقديا،
إلى اضطهاد العلماء والأدباء، فلم
تكن ملاحقتهم نتيجة مخالفتهم تعاليم
الدين المسيحي عبر ممارستهم حرية
الكلمة والبحث، وإنما كان نتيجة
زعزعتهم لسيطرة الكنيسة التي احتكرت
التعليم في أديرتها وبدأ زمامه يفلت
من أيديها.
وعن
فترة التحول التاريخي الأوربي تلك
نجد في الأطروحات "الحداثية
والعلمانية" في الدائرة الحضارية
الإسلامية مغالطات كبيرة، يمكن
التنويه ببعض الأمثلة عليها في حدود
ما يفرضه الإيجاز، ويرتبط بموضوع
الحرية على وجه التخصيص.
من
ذلك الإشادة المطلقة بأشهر فلاسفة
التنوير الغربيين كانط ولكن مع تأويل
محور فلسفته التي قامت على المثالية
والإرادة الإنسانية والتفكير، ولم
يكن فيها صدام يستحق الذكر مع الكنيسة
أو الدين.
أما
الإشادة بروسو فشهدت انحسارا واضحا،
والأرجح أن ذلك يعود إلى أنه كان يركز
على عنصر القيم والأخلاق، ودورها في
التربية والتغيير، فبات هذا القسط
الأكبر من فلسفته وكتاباته موضع
إهمال ملحوظ، لا سيما بعد تبني
العلمانية رسميا في فرنسا عام 1904م، مع
أنه هو صاحب "العقد الاجتماعي"
الذي يُستشهد به عنوانا للدولة
الأوربية الحديثة، وإليه يُنسب
الكثير مما ورد في ميثاق حقوق الإنسان
الفرنسي، أما الممارسات التطبيقية
لقيم الميثاق فلا تأخذ بأطروحاته بل
بما كان عليه نهج فولتير في ميادين
الأدب والسياسة.
ولا
تختفي المغالطات عند الإشادة الكبرى
بفولتير الذي يحلو لكثيرين الاستشهاد
بمقولته "إنني على استعداد لدفع
حياتي ثمنا لتعبر عن رأيك بحرية"،
والواقع أنه كان جزءا من الطبقة
الإقطاعية التي تمرد على سلطانها وهو
يعيش على عطاءاتها، بل كان هو نفسه
يعتذر لطبقة الحكام ويتراجع عن
أقواله المتمردة، عندما يتهدده السجن
-وليس دفع حياته ثمنا للكلمة الحرة
بالضرورة- ولم يتمسك بأطروحات التمرد
إلا بعد أن جمع ثروة كبيرة تكفي
ليستغني عن تلك العطاءات.
كما
أنه عندما بدأ بنقد الكنيسة تجنب
لفترة طويلة المواجهة المفتوحة، فلم
يمارس "حرية التعبير" عبر نقدها
مباشرة بل انتقدها مثلا عن طريق
مسرحيته الشهيرة "محمد أو التعصب"،
ولم تكتشف الكنيسة مقصده إلا بعد أن
سمحت بعرض المسرحية فأوقفتْها مجددا.
وفي الفترة الأخيرة من حياته بلغ
تمرده على الإقطاع والكنيسة مداه، وكان
مركزا على الاستبداد، وليس على الدين،
كما تشهد كتاباته الإيجابية لاحقا -ككتابات
كثير من معاصريه- عن الإسلام، دون أن
نغفل عن انطلاقهم من نظرة فلسفية
غربية، اعتبرت الدين من صنع الفكر
البشري، وليس وحيا ربانيا.
ومن
التناقضات والمغالطات في الكتابات
الفلسفية بالعربية أيضا التركيز على
فلاسفة ماديين وإلحاديين، كما لو
كانوا هم من صَنَع "النهضة"
الأوربية، مع أنهم -كما سبقت الإشارة-
لم يظهروا إلا في فترة متأخرة، مثل
أوجست كونت الوضعي (توفي 1857م) وكارل
ماركس الجدلي (توفي 1883م)، وجان بول
سارتر الوجودي (1980م).
الانحراف
والإخفاق في تحرير الإنسان
 |
|
فولتير |
إن
المراوغة في كثير من تلك الكتابات
بالعربية حول العلاقة الزمنية
التاريخية ما بين النهضة والدين،
وعلى وجه التخصيص ما ارتبط بفلسفة "تحرير
الإنسان" وفق التصورات الغربية، هي
السمة الغالبة عليها. وتتكرر في أن
معظم من يأخذون بمقولة التناقض بين
الحرية والوحي، يواجهون استمرار
الارتباط بالدين السماوي في الدائرة
الحضارية الإسلامية، فيستشهدون -للترويج
لدعواتهم- بمقولات فريق من الفلاسفة
الغربيين على صعيد "الألوهية"،
ظاهرها التعبير عن الإيمان، وواقع
مضمونها أنها لا تتجاوز حدود الإيمان
بما يسمونه الأديان الطبيعية، أي
بوجود قوة علوية ما، كما قال بعض
فلاسفة الإغريق قديما.
ويتصل
بذلك ما أسموه "لوجوس"، بمعان
متعددة للكلمة الإغريقية الأصل،
ومنها المطلق والكلمة والعقل والعلم،
وقد تغلغل الأخذ بالكلمة في الفلسفة
الكنسية لاحقا، وكان من المداخل
الحاسمة إلى التثليث. ولم تصل
الأطروحات الفلسفية المحضة عن
الألوهية قط إلى مستوى مفهوم
الألوهية وفق الوحي، ولا ينبني عليها
شيء من التوجيه الرباني لميادين
الحياة البشرية، ولهذا نجد بعد
المراوغة حول إيمان الفلاسفة، ما
ينتهي إلى المعتقدات الوضعية
والعلمانية والوجودية بديلا عن
الأديان السماوية.
ولئن
أصبحت أطروحات "تدنيس المقدس" في
موضع النموذج العلني لادعاء أولوية
حرية التعبير تجاه المقدسات، فإن ما
ينبغي تثبيته هو أن مسيرة تلك الحرية
في الغرب لم تعرف قط حرية مطلقة
مزعومة، وأن أطروحة "تدنيس المقدس"
بالذات لا علاقة لها من قريب أو بعيد
بنهضة سابقة لها، ولا حتى بنهضة
لاحقة تريد أن تصنعها، إنما تكاد
تقتصر على ما يمكن وصفه بآخر صورة من
صور الترف الفلسفي الضار، بعد أن وصل
التناقض ذروته في محاولات متتابعة
لانفلات الفلسفة الغربية -بمعنى
الفكر- من كل ضابط أو قيد، وهذا مقابل
فرض ضوابط وقيود على الحريات وفق ما
تقتضيه موازين القوة والمصالح
المادية، وهو ما يفسر تشريع القوانين
تحت عنوان "مكافحة العداء للسامية"،
أو عنوان "التشكيك في المحرقة
النازية"، وعدم تشريع قوانين تمنع
من تدنيس مقدسات "الآخر"،
والمقصود هنا هو الافتراء والإهانات
وليس انتقاد معتقدات الآخر الذي تسري
عليه حرية التعبير في الأصل.
في
هذه الأجواء المستحدثة -وليس في أجواء
تأسيس نهضة للخروج من وهدة التخلف
والاستبداد- تنامى عنصر العداء للآخر
والعداء للدين معا، مما يبين مدى
التهافت في محاولة تسويغ هذا العداء
في المنطقة الحضارية الإسلامية،
بادعاء وجود عقبات في طريق النهوض، من
صنع الدين على وجه التخصيص.
إن
ما يُطرح باسم الحرية من عداء للدين
يُطرح لانطلاق أصحابه ابتداء من موقف
العداء، وليس من رؤية منهجية ما
لتناقض بين الدين من جهة وسعادة
الإنسان ونهوض المجتمع من جهة أخرى.
وعلى
هذا العداء المبدئي الذي تمثله فكرة
"نزع القداسة" تستند أيضا
أطروحات فلسفية محدثة تدعو إلى تفكيك
النصوص الدينية، أي إلى تحكيم
النظريات الفلسفية -رغم تناقضها
الشديد فيما بينها- بكلمة الوحي. وهو
ما تنساق إليه كتابات فلسفية
بالعربية أكثر من الكتابات الفلسفية
الغربية، مع التركيز على عنوان "تفكيك
النص القرآني"، وإن كان بعضهم
يواري ذلك وراء طرح تحرير فهم النص من
قيود فهم السلف له، مع ملاحظة الفارق
الكبير بين هذا الطرح وطرح التجديد
الإسلامي لفهم النصوص وفق قواعد
أصولية ثابتة.
وتواكب
الأطروحات المذكورة ما انتشر في
الغرب حديثا بصدد رفض كل "محظور"،
ديني وغير ديني، في حقبة تاريخية
متأخرة، كان من علاماتها البارزة
اندلاع ما يُعرف بثورة الطلبة عام 1968م،
والتي تحولت على أرض الواقع إلى ما
يوصف في الغرب بالثورة الجنسية،
فتحولت فكرة الحرية الغربية فيها، من
قيمة إنسانية إلى عنصر من عناصر عديدة
تتحكم فيها مراكز القوة المالية
المادية، وما صنعته من "تقليعات"
أشبه بطفرات تجارية لفترة من الزمن
يجري التقنين لما تخترقه من محظورات،
بذريعة حماية حرية الأقليات وإن شذت
تفكيرا وسلوكا، لتليها طفرات أخرى.
الحرية
وموازين القوى
المقولة
الأهم من سواها في "العقد
الاجتماعي" الذي وضعه جان جاك روسو
قبل أكثر من مائتي عام، تقوم على أساس
التعبير المباشر عن الإرادة الشعبية،
وترفض ما نشأ لاحقا فيما يُعرف
بالديمقراطية التمثيلية، وكان منذ
ذلك الحين يقدر أن في عملية "اختيار
الممثلين" عن الشعب ما يمكن أن
يتأثر بمفعول مراكز القوى، وهو ما بات
يعتبر في محور انتقادات كثير من
المفكرين الغربيين المحدثين لواقع
الديمقراطية الغربية، دون رؤية بديل
على المستوى العالمي، وكذلك دون طرح
بديل يتجاوز حدود "ترقيع" ما هو
موجود، وعلى أية حال كان في رؤية روسو
خلل أساسي، عندما اعتبر الديمقراطية
الشعبية مناسبة للدول الصغيرة،
والحكم الملكي مناسبا للدول الكبيرة.
ورغم
وجود قوانين وهيئات رسمية في الدول
الغربية الحديثة لمكافحة الاحتكار في
الدرجة الأولى، وهو ما يسري على
احتكار الكلمة الإعلامية والفكرية،
فإن أي نظرة منهجية باحثة في واقع
الفكر والإعلام في الغرب تؤكد، أن
سلطان قوة المال التي تتحكم في
المسيرة السياسية وأسفرت عن ظاهرة
العولمة الاقتصادية والمالية، تتحكم
أيضا في صناعة الرأي العام عبر وسائل
الفكر والإعلام، بدلا من "التعبير"
عن الرأي العام، فإذا كان القانون
يسمح لكل فرد أو كل مواطن، بأن يقول ما
يريد، ويكتب ما يريد، وينشر ما يريد،
فواقع موازين القوى المادية، هو الذي
يتحكم في أن يصل ذلك إلى "الجمهور"
أي إلى الرأي العام، أو لا يصل، وهو ما
يسري على ميادين عديدة أخرى في
الديمقراطيات الغربية المعاصرة.
إن
العنصر الحاسم في انحراف حرية الغرب
تطبيقا هو غلبة الصراع على مسيرة
صناعة القيم قديما وحديثا، حتى أصبحت
الحرية نفسها مفهوما يخضع لموازين
القوة، والمصالح المادية، فحقوق
العمال تتحقق بقدر ما يستطيعون
انتزاعه من أرباب المال والعمل في
جولات صراع الأجور وسواها، والعمال
هم الطرف الأضعف، فكانوا يحصلون على
بعض ذلك في شكل ضمانات اجتماعية عندما
كان الرأسماليون في صراع مع الشيوعية
ويخشون انتشارها في بلدانهم، حتى إذا
سقطت الشيوعية عاد التشدد إلى
المسيرة الرأسمالية مع ما يعنيه ذلك
من القضاء على ما سبق من ضمانات
اجتماعية.
وشبيه
ذلك جولات صراع "تحرير المرأة"،
فلم تحقق الأهداف النظرية المعلنة
لها طوال قرنين من الزمن؛ لأن موازين
القوة التي يجري التعامل انطلاقا
منها لا تسمح بذلك في غياب اعتبار
حقوق المرأة، كسائر حقوق الإنسان
الفرد، "واجبا شموليا" على
المجتمع، وشبيه ذلك أيضا العلاقات
القائمة على الاستغلال مع المجتمعات
الأضعف فيما يوصف بالأسرة الدولية..
وهكذا في مختلف ميادين الصراع الأخرى.
الحرية
بين النظرية والتطبيق
ويبرز
للعيان مدى التناقض المتنامي بين
المقولات النظرية عن الحرية وعن
الكرامة الإنسانية الفردية التي
ينبثق مفهوم الحرية منها، والواقع
التطبيقي، كان ما عايشه العالم عبر
عسكرة مسيرة الهيمنة الأمريكية منذ
سقوط الشيوعية ومعسكرها الشرقي؛
فعناوين جوانتانامو، وأبو غريب،
ورفح، والفلوجة، وغيرها، بالإضافة
إلى الأطروحات الرسمية لتيار
المحافظين الجدد عن حروب وقائية
وتعميم النموذج الأمريكي للحياة
والحكم بالقوة، وما كُتب عن ذلك تحت
عنوان "إمبراطورية أمريكية" في
القرن 21م.. جميع ذلك أثار موجة متتابعة
من الكتابات الفكرية الغربية التي
تعبر عن أقصى درجات القلق على مصير
قيم الحرية والكرامة الإنسانية وفق
ما كان الترويج لها قائما بمفاهيمها
الغربية.
ويكفي
في ختام هذا البحث التنويه بأن هذا
الانحراف الظاهر للعيان لم ينطلق
فجأة، ولا يرتبط باتجاه المحافظين
الجدد تحديدا، إنما يعود بجذوره إلى
طبيعة تكوين مسيرة الهيمنة
الأمريكية، وفق تطلعات مواقع صنع
القرار بصددها، من قبل نشأتها الأولى
على المستوى القاري الأمريكي عبر
حروب مد السيطرة على أمريكا الوسطى
والجنوبية قبل حلول القرن 20م، حتى
قفزاتها المتتالية بعد الحربين
العالميتين.
ولا
يعني ذلك بطبيعة الحال أن وضع الحريات
والحقوق في الغرب "أسوأ أو أفضل"
منها في بلدان لا تحكمها الديمقراطية
الغربية، ولكن المقارنات التي تجري
على هذا الصعيد تنطلق من منطلق منحرف،
فالوصول إلى حكم قويم بشأنها، يتطلب
مقارنة واقعها بما تقول به من أهداف،
وليس بمواطن عدم تطبيقها من الأصل.
كذلك لا تصح المقارنة بين واقع تطبيقي
ونظرية لا تجد طريقها إلى التطبيق
بديلا عنه، بغض النظر عن الأسباب،
فعلاوة على أن واقع الديمقراطيات
الغربية التطبيقي لم يكن قائما على مر
العصور بل بدأ بطرح نظري، لا تصح
المقارنة إلا بين نظرية ونظرية، أو
واقع تطبيقي وآخر.
أما
المخرج للأسرة البشرية والإنسان،
واستشراف الاحتمالات المستقبلية
للمسيرة الحضارة البشرية، فيتطلب
أولا تصحيح مفاهيم القيم، وفي
مقدمتها مفهوم الكرامة ومفهوم
الحرية؛ فهي أصيلة تولد مع ولادة
الإنسان، وليست مكتسبة تُنتزع
انتزاعا في صراع يستحيل أن يكون
متكافئا، تحت هيمنة مادية، وكل ما هو
حق فردي، لا يمكن أن يجد طريقه إلى
الواقع التطبيقي، ما لم يكن في الوقت
نفسه واجبا جماعيا على المجتمع،
لضمانه وتمكين "الطرف الأضعف"
منه.
اقرأ
أيضًا:
**كاتب
إسلامي مقيم في ألمانيا