 |
|
فيلم النهاردة 30 نوفمبر |
|
|
غالبا
ما تعرف المشاهدون العاديون في مصر
على مصطلح السينما المستقلة في أجواء
سلبية وذلك عبر ما تثيره مواضيع هذه
الأفلام من جدل ونقاش وربما معارضة،
فهي تحاول أن تكون جريئة وكاسرة لبعض
التابوهات والمحرمات "الدينية
والاجتماعية والجنسية" وإن بقيت
السياسية بعيدة عن المشهد السينمائي،
أو تتقدم مصحوبة بالحياء والخجل.
فمثلا
اتهم فيلم "الأسانسير" بأنه يهين
الحجاب عبر تقديمه فتاة تحتجز في
أسانسير ثم تنخرط في محادثة عاطفية
ساخنة ثم ما تلبث أن تخلع حجابها، ولم
يتوقف الأمر عند ذلك بل تم تصعيد
الموقف عبر اتهام الفيلم -بما ليس فيه
أصلا- بأن علاقة جنسية تتم داخل
الأسانسير.
أزمة
مماثلة حدثت مع فيلم "الجنيه
الخامس" الذي وجد المشاهدون في
قصته نوعا من الابتذال، حيث تدور
القصة حول شاب وشابة محجبة -أيضا-
يركبون الأتوبيس المكيف ويتركون
الجنيه الباقي من الجنيهات الخمس -حيث
إن قيمة التذكرة جنيهان- للسائق حتى
يتغاضى عن ممارساتهما العاطفية
الساخنة داخل الأتوبيس.
وأيا
كان الموقف من العملين السابقين
فإنهما لا يلخصان حال السينما
المستقلة وبالتالي لا يمكن تعميمهما
على تلك السينما في ضوء تعدد
الاتجاهات الرؤى وتعاملها مع القضايا
المختلفة، وما ينبغي معرفته في هذه
المقدمة هو أن السينما المستقلة
تكتسب سمعة سيئة بالنسبة للمشاهد
العادي غير المهتم، ولكن هذا لم يمنع
أن يبدي بعض من صناع هذه السينما
تفاؤلهم من حالة التشابك والحوار
التي تنشأ مع المشاهد على اختلافه؛
طامحين إلى أن تنتج تلك الحالة بمرور
الوقت وبتعدد التجارب شريحة تهتم
بمتابعة هذا النمط من الأعمال الفنية.
المصطلح
وسؤال الاستقلالية
مبدئيا
يشير مصطلح السينما المستقلة independent
cinema إلى تلك الحركة التي نشأت في
الولايات المتحدة الأمريكية في أوائل
السبعينيات لتتمرد على سلطان نظام
الأستوديوهات الأمريكي بما يمثله من
قواعد وتقاليد فنية وفكرية سائدة لا
تسمح بتقديم المختلف، ولتقدم أعمالا
فنية خارجة عن السائد متمردة سواء على
العلاقات الإنتاجية والظروف
الاقتصادية لإنتاج الفن السينمائي.
كما
ظهرت السينما المستقلة كنوع من
التمرد على الأفكار والتقاليد الفنية
والجمالية السائدة أيضا في سبيل
تحقيق جماليات مغايرة وتجارب فنية
خاصة ومختلفة؛ سواء أكانت تتميز هذه
التجارب بالتجديد والتميز على مستوى
الشكل والجماليات الخاصة بالوسيط
السينمائي، أم على مستوى الرؤية
والأفكار ورؤية العالم وعلاقة
الإنسان بهذا العالم وبالآخرين.
والسؤال
الذي يطرح نفسه هو: هل نستطيع أن
نطلق نفس المصطلح على الجهود
السينمائية المستقلة في مصر والتي
بدأت منذ خمس سنوات تقريبا؟.
لا
شك أنه سؤال مهم للفهم خاصة الاختلاف
الشديد بين نظام الإنتاج الأمريكي
ونظام الإنتاج المصري؛ فبينما يعتمد
النظام الأول على الكيانات العملاقة
التي تملك الأدوات اللازمة للصناعة
السينمائية من أستوديوهات وآلات
ونوافذ عرض وشركات توزيع، نجد أن
النظام الثاني يعتمد على القطاع
العام الذي كان يمتلك تقريبا كل
الأستوديوهات وأدوات الإنتاج ويقوم
بأغلب الإنتاج السينمائي؛ والذي ما
لبث أيضا أن تخلى عن هذا الدور -ضمن
مشروع تقليص دور القطاع العام وبيعه
في مقابل تفعيل دور القطاع الخاص فيما
عرف بالخصخصة- بالإضافة إلى الشركات
الصغيرة الخاصة المستقلة التي يملكها
أفراد أو عائلات والتي عادة لا تملك
الأستوديوهات، أو أدوات الإنتاج
وكانت تلجأ -غالبا- إلى التأجير
وشركات التوزيع.
والسؤال
هنا هو: كيف تستقل السينما
المستقلة عن نظام إنتاج لا يقوم على
الاستقلال في الأساس؟.
سيبدو
السؤال وجيها لو ظل نظام الإنتاج في
مصر على ما كان عليه. ولكن التغيرات
التي طرأت على نظام الإنتاج
والمتمثلة في اتحاد بعض شركات
الإنتاج والتوزيع الكبرى في كيان ضخم
يسيطر على مجريات السوق السينمائي
أدت إلى صعوبة في إمكانية فكاك
الشركات الإنتاجية الصغيرة من أسر
وقيود ذلك النظام، ومجمل هذه
التغيرات جعلت من البعد الاقتصادي
لمفهوم الاستقلال أمرا له وجاهته كما
له شرعيته أيضا.
ويأتي
البعد الثاني وهو الأهم، وهو بعد اهتم
به كثير من فناني وصناع السينما
المستقلة وهو البعد الفكري والفني
والجمالي للاستقلال، ويتمثل في أن
صناع هذه الأفلام اختاروا تقديم
تجارب سينمائية مختلفة؛ سينما تهتم
بالهامشي والمختلف والمسكوت عنه
والفردي، خارجة بذلك عن الشركات
الكبرى المهتمة بالبعد التجاري
السطحي، ومتحررة من سلطان الرقابة
التي فرضت وصاية على المشاهدين وحالت
دون تقديم ما يهمهم ويلبي احتياجاتهم.
الإرهاصات
والبدايات
 |
|
من فيلم جليد |
من
الصعب تحديد بداية حقيقية للسينما
المستقلة؛ ذلك أن الطبيعة غير
الرسمية وغير التوثيقية تجعل من
الصعوبة بمكان الوقوف على نقطة
البداية الحقيقية لها، وإذا أردنا أن
نقف على البداية الحقيقية لهذا
التيار باعتباره توجها له شكل وسمات
شبه محددة وإنتاج حقيقي على مستوى عدد
الأفلام فنحن نتحدث عن بدايات القرن
الحادي والعشرين أي سنة 2000.
أما
لو كنا نتحدث عن بداية التكوين لإنتاج
وتسويق ومساندة الأفلام المستقلة
فنحن نتحدث عن عام 1997 عندما تكونت
شركة "سينمائيون مستقلون للإنتاج
والتوزيع" والتي ساهمت في رواج
مصطلح السينما المستقلة في الصحافة
ووسائل الإعلام والتي كان فيلم "مربع
داير" -وهو من إخراج أحمد حسونة-
باكورة أعمالها عام 1997.
لكن
إذا تحدثنا عن الجهود غير الرسمية
لتعليم السينما وإنتاج الأفلام فنحن
نتحدث عن ثلاث مؤسسات عملت معا في نفس
الوقت تقريبا عام 1990، هذا العام الذي
يرى بعض المهتمين بالسينما المستقلة
أن يبدءوا به التأريخ للسينما
المستقلة.
فهذه
الفترة هي التي شكلت الإرهاصات
الأولى للسينما المستقلة من خلال
إقامة الدورات والورش الفنية وإنتاج
الأفلام.
والمؤسسات
الثلاث هي مؤسسة "بروهلسفيا"
السويسرية و"معهد جوته"
الألماني و"قصر السينما" بمصر
الذي أنتج أول فيلم في الدورات الحرة
لقصر السينما عام 1991 بعنوان "رف
الحمام" إخراج أيمن خوري، ثم توالى
بعدها تكوين الشركات والكيانات التي
تدعم السينما المستقلة.
ومن
الممكن أن نرصد البداية الحقيقية
للسينما المستقلة في مصر بدءا من عام
2000، حيث بدأ يتكون تيار محدد الملامح
إلى حد كبير وظهر إنتاج كثيف للأفلام
المستقلة وحصلت على بعض من الاعتراف
الرسمي حيث أقيم على هامش دورة مهرجان
الإسماعيلية الدولي للأفلام
الروائية والتسجيلية 2002 برنامج لعرض
إنتاجات السينما المستقلة، وصدر كتاب
عن السينما المستقلة في الوطن العربي.
كما
تم عرض الأفلام المستقلة ضمن فعاليات
المهرجان القومي للسينما المصرية عام
2004 وحاز الفيلم المستقل "من بعيد"
إخراج أحمد أبو زيد على جائزة أفضل
فيلم روائي قصير.
السمات
والخصائص
 |
|
مشهد من فيلم
الأسانسير |
عند
الحديث عن سمات للسينما المستقلة في
مصر يصعد تساؤل مهم حول موضوعية البحث
عن سمات لمشروع أو تيار ما يزال قيد
التشكل، فهي سينما لم تقدم ما نستطيع
أن نستخلص منه سمات أو صفات لتوجهها.
وعلى
الرغم من حداثة التجربة وكثرة
الاختلافات في أشكال التعبير التي
يتبناها مخرجو هذا النوع من السينما
فإنه ومع غزارة الإنتاج يمكن للمتابع
أن يقف على بعض من هذه السمات، وليس
بالضرورة أن تجمع هذه التجارب جميعا
داخل تجربة أو تيار واحد؛ بل هي
تتراكم داخل المتابع من خلال
المشاهدة والمتابعة لهذه التجارب
الفنية.
فهذه
التجارب تتفق بما نستطيع أن نعتبره
تيارا فنيا له خطابه الخاص والمميز
والمتمثل بالاختلاف عن السائد
والمستقر، بمعنى آخر تعتبر سمات
الاختلاف عن السائد هي سمات الاتفاق
فيما بين هذا النوع من السينما، وفيما
يلي نحاول إجمال بعض من الخصائص
المهمة في هذا النوع من السينما:
-
أنها تقتصر على الأفلام التسجيلية
والروائية القصيرة، ما عدا تجربتين
وهما "حبة سكر" للمخرج حاتم فريد
و"إيثاكي" للمخرج إبراهيم
البطوط. أما ما يتعلق بفيلمي "كليفتي"
و"المدينة" فهما لمخرجين يعملان
بالسينما التجارية قاما بإنتاج
عمليهما وفق شكل إنتاج الأفلام
المستقلة.
-
اللجوء إلى التكنولوجيا الرقمية (الديجيتال)
كوسيط تقدم من خلاله الأعمال
السينمائية، وذلك لخفض تكاليف
الإنتاج بما يتناسب مع الميزانيات
المنخفضة للأفلام، ومن المتوقع أن
تؤثر ثورة الديجيتال على مستقبل
السينما المستقلة.
-
الرغبة في الاختلاف لم تمنع أن يكون
هناك الكثير من التجارب للسينما
المستقلة لم تحمل بداخلها أي اختلاف
أو تميز عن السينما التجارية
السائدة، وذلك على مستوى اختيار
الموضوع أو الجماليات البصرية.
-
اعتماد بعض الأعمال السينمائية على
أصل أدبي، وهنا نلحظ أمرين: الأول أن
هذه السينما اعتمدت على النصوص
الأدبية القديمة الكلاسيكية،
والثاني: وجود قدر من التشابك بين
الأفلام وبين النصوص الأدبية ومن ثم
فهي تتشابه مع السينما التجارية في
تشابكها مع هذه النصوص، بمعنى
الإذعان الشديد للأدب بوصفه أعلى
قيمة دون تحويل الشفرات الأدبية
لأخرى فيلمية، إضافة إلى النزوع
الشديد نحو السطحية والتجارية على
مستوى الاختيار أو المعالجة. مع
الاعتراف أنه جاءت بعض الأفلام
متشابكة مع أعمال أدبية بشكل مميز مثل:
فيلمي رامي عبد الجبار "بيت من لحم"
و"جليد".
-
استثمار ما يميز وسيط الفيديو
ديجيتال من طبيعة تسجيلية، من حيث
سهولة حمله والتحرك به والاتجاه
لتسجيل ما هو مسكوت عنه وغير رسمي،
كذلك تقليص مواقع التصوير والبعد عن
تأجير أماكن التصوير لما يترتب على
ذلك من تكلفة مرتفعة ومن ثم فهناك
ابتعاد عن بناء الديكورات في توجه فني
يشبه تيارَ "سينما الحقيقة".
-
غالبا ما تم اختراق التابوهات
الثلاثة (الدين -الجنس - السياسة)؛ مع
ملاحظة أن اختراق التابوه الجنسي كان
من أهم وأغلب اختراقات هذا النوع من
السينما. فيما يلحظ أن محاولات محدودة
قدمت اختراقا للتابوه السياسي.
-
أغلب الأفلام المستقلة كان همها
الأول الهم الفردي والتعبير عن
القضايا الفردية والشخصانية الضيقة
دون اهتمام بقضايا المجتمع أو حتى
الفئات المهمشة باستثناء قضايا
النساء في كثير من أفلام المخرجات
المهتمات بقضايا المرأة، وهذا يرجع
إلى أن جميع صناع الأفلام ينتمون
لشريحة اجتماعية واقتصادية من أعلى
السلم الاقتصادي والاجتماعي وأغلبهم
تعلموا في مدارس أجنبية أو درسوا
بالخارج.
-
قلة عدد الممثلين والاستعانة
بالممثلين المحترفين في حدود ضيقة،
وعادة ما تكون هناك أطقم تمثيل خاصة
بالأفلام المستقلة من ممثلين هواة.
كما يساعد فنانو السينما المستقلة
بعضهم بعضا تمثيلا وكتابة وإخراجا أو
عبر التبرع بالأجور.
مشاركات
وجوائز
 |
|
من الجنيه الخامس |
بدورها
شهدت الأعوام الخمس الماضية حصول
العديد من أفلام السينما المستقلة
على كثير من الجوائز في العديد من
المحافل والمهرجانات المحلية
والدولية. ففاز فيلم "يوم الإثنين"
إخراج تامر السعيد بالكثير من
الجوائز كجائزة أحسن فيلم روائي قصير
في المهرجان القومي للسينما المصرية
2005، والجائزة الثانية لمهرجان
روتردام للفيلم العربي في هولندا عام
2005، وجائزة الدب الفضي في مهرجان
ابنسى بالنمسا 2005 وغيرها من الجوائز.
أما
فيلم "الأسانسير" فقد فاز
بالجائزة الذهبية في مهرجان روتردام
للفيلم العربي 2005، كما حصل على جائزة
شادي عبد السلام في المهرجان القومي
للسينما المصرية 2005 والعديد من
شهادات التقدير.
كما
اشتركت أفلام المخرج تامر عبد الجبار
"جليد" و"بيت من لحم" في
العديد من المهرجانات الدولية
كمهرجان لوكارنو بسويسرا 2005
وكليرمونت فيران الدولي في أسبانيا
عام 2005 ومهرجان الإسماعيلية الدولي
بمصر عام 2005.
وهكذا
فمن الواضح أن هذه الأفلام على ما
تتميز به من تجريب على مستوى الشكل أو
المضمون فهي تمللك القدرة على
المشاركة في المهرجانات الدولية
وانتزاع الإعجاب والجوائز لتقول إن
هناك وجهة نظر ثانية مختلفة لها الحق
في الحياة.
وفي
الختام يثور تساؤل حول مستقبل
السينما المستقلة في مصر وهل تستطيع
القوى الاجتماعية والاقتصادية
والسياسية المهمشة أن تستثمر تلك
السينما للتعبير عن مطالبها ورسالتها
في ظل تدني تكاليف إنتاجها وانتشار
تكنولوجيا الديجيتال؟ أم أن تلك
القوى ما تزال تفتقد الوعي والإدراك
لأهمية السينما المستقلة؟.
اقرأ
أيضًا:
**
صحفي مصري
|