 |
|
المشهد الأول.. البقية جاءت
|
أمريكا
دفعها الطموح إلى منزلة القوة العظمى،
وانزلقت بها القوة إلى وهاد الخطيئة، ولم
يكفها أنها عمدت نفسها بحمام من دم، لكنها
حاولت أن تحرق بالنار كل من يناصبونها
العداء، فامتد الشرر ليحرق قلبها.
وفى
العراق استهوت الزعماء أهواء النفس
ونوازعها فتآكل البناء في عليائه، وتصدع
لبنة لبنة حتى تساوى والأرض.. ما كان اعتباطا
إذن أن تولد أسطورة "شقائق النعمان"
هناك، حيث يعود دم الشهداء مطلع كل ربيع
ليذكر الأحياء بتضحيات الموتى في سبيل
المستقبل، في بلاد كان صولجان الماضي بيدها.
ربيع
العام 2003 يقف علامة وحده، بحيث لا يحتاج إلى
وصف أو تعريف، وستتذكره الأجيال المقبلة
بذاته؛ لأنه دلالة تشهد لنفسها ولا تحتاج
إلى حال أو وصف، ولا تستلزم أن تكون كلمة في
جملة اسمية أو فعلية؛ فهو العام الذي شهد
سقوط بغداد والاحتلال الأمريكي للعراق.
أنصاب
الكوكاكولا
وقدر
العراق أن يسرق حلمه الطغاة، وأن يحرق
تاريخه الغاصبون والغزاة، قبل قرون سبعة
أحرق التتار القوة العاتية في ذلك الزمان
مكتبة بغداد الكبرى في زمانها، والأكثر ثراء
بالعلم والمعرفة، وتعاقبت الدهور حتى أتى
يوم دمر فيه المأجورون والرعاع مكتبة بغداد
الوطنية ومتحفها ودار المخطوطات والوثائق
تحت العلم الأمريكي، القوة الأولى الطاغية
في أيامنا هذه، وفي ظلال المدافع والدبابات
التابعة لمن قرر أن يعتبر نفسه "شرطي
العالم".
وخرجت
شهادات "غربية" على أن قوات أمريكا
داعية التحضر والحرية والديمقراطية آثرت أن
تتفرج -ولا نقول تآمرت- على مشهد نهب وتدمير
سبعة آلاف سنة أو يزيد من تاريخ البشرية،
لأجل أن تكون أنصاب "الكوكاكولا"،
بديلا عن تماثيل صدام، ثلاث سنوات مرت منذ
الغزو الأمريكي دون أن ينهض دليل واحد على أن
أهل العراق المبتلى بالأحزان سيعيشون الدعة
والحرية!.
أثبتت
التجربة الأمريكية- البريطانية القائمة في
ربوع العراق أنه من السهل أن يحتل جيش قوي
بلدا، لكن إدارته بحكمة وتبصر بعد سقوطه يظل
موضوعا آخر.
فقبل
احتلال العراق توقع كثيرون أن تحسن واشنطن
التعامل بحكمة لاستثمار انتصارها العسكري
على مختلف الأصعدة، خاصة بعدما كشفت عن
رغبتها في إعادة صياغة المنطقة عن طريق "البوابة
العراقية" التي ستجعل من بلاد الرافدين
النموذج والمثال المحتذى، غير أن حجم
الأخطاء الإستراتيجية المتكاثرة
والمتواصلة التي ارتكبها الأمريكيون هناك،
كان من شأنه أن يدفع المراقبين إلى اتهام
إدارة الرئيس بوش الابن بالغباء والجهل
واللعب بمصير أمريكا نفسها ومصالحها، وأيضا
مصائر العراق وكل دول الشرق الأوسط.
وسلسلة
الأخطاء كبيرة بلا انقطاع منذ أول طلقة في
هذه الحرب الكريهة، وبرغم أنها أخطاء غاشمة
فلربما استطاع الزمن -الذي قال عنه أرسطو:
"إنه كفيل بحل كل المشكلات" بعد سنوات
أو عقود- أن يصفح عنها أو يغفرها، فإنه (الزمن
والتاريخ) سيظل حانقا دوما على ما جره هذا
الاحتلال الظالم على تراث وثقافة وذاكرة
العراق التي هي ذاكرة البشرية منذ أول
قيثارة صدحت أوتارها، وأول حرف من حروف
الكتابة خطه العراقيون ليأخذوا بأيدي
الدنيا في مدارج الحضارة، وليضرب المحتلون
ببنود اتفاقية "جنيف" الرابعة عرض
الحائط، فلا قيمة عندهم لقانون دولي أو
إنساني، وهم يمزقون بوحشية أوصال العراق
وحضارته.
العراق
وهو صاحب "شريعة حمورابي" أول من سن
القوانين والشرائع، بينما البشرية من حوله
تحبو خطوات طفولتها الأولى.
الديمقراطية
الطائرة!
 |
|
وهم النجدة لا ينطلي على العقلاء
|
إنها
مفارقة جارحة للأرواح، كل الأرواح؛
فالديمقراطية الطائرة "أو المزعومة" مع
الطائرات النفاثة مفرطة في قسوتها إلى حد
أنها لا ترى أمامها سوى الصحراء، صحراء ما
بعد القصف؛ فأرض العرب ما هي إلا صحراء شاسعة
يجري بين أعطافها "الزيت الأسود" من
وجهة نظر المحتل الغاصب، ويتناسى ذلك الغاصب
أن شعب العراق هو حامل أصالات بلاد ما بين
النهرين العظيمة وحداثاتها وتطلعاتها،
وصاحب المداميك والخطوات الجوهرية الأولى
في الانتقال بالبشرية من مهاد الظلمات
والتخلف إلى ساحات النور والمدنية الحقة،
ومن ثم وقعت "مشاعل النور"، و"شواهد
الحضارة" ضحية أولى للعدوان الأمريكي،
فلم يدمر "المبتهجون" بسلاحهم الحديث
تراث المنصور والرشيد والجاحظ والكندي
والمتنبي في "مدينة السلام" بغداد؛ بل
وصلوا إلى "نبوخذ نصر" إلى الإرث
السومري والبابلي وعشرات المواقع التي تؤرخ
لحضارات متعاقبة على تراب هذا البلد منذ فجر
التاريخ، مواقع صدحت فيها "عشتار"
داعية إلى الحب بدلا من الحرب، وتجول فيها
"جلجامش" بحثا عن الخلود، فاكتشف "سر
الطلسم" أن بناء حضارة الإنسان هو الطريق
المستقيم إلى الخلود، وتلك حكمة لا تعرفها
القوات الغازية ولا المتطفلون على
الحضارات، وكيف يعرفونها وهم أعداء التاريخ
ومخترعو الإبادة منذ فتكوا بالهنود الحمر
بلا هوادة.
كان
الأمريكيون على اطلاع بأن المتاحف ودور
الثقافة والجامعات وغيرها قد تتعرض للنهب
بعد عملية عسكرية بهذا الحجم، وقد سارعت
منظمات دولية -على رأسها اليونسكو- وإقليمية
ومثقفون من كل بلاد العالم إلى مناشدتهم
حماية البنى الثقافية الزاخرة في العراق،
لكن هيهات، فقد انطلقت جيوش النهب والسلب
والعملاء والمأجورين والرعاع، لتأتي على كل
ما له قيمة ومعنى من تراث العراق وذاكرته
الحية، وتحدث كثيرون عن تشجيع الأمريكيين
لهؤلاء اللصوص بأنواعهم، لكي يقولوا للعالم
هذا هو شعب العراق "مجموعة من اللصوص"!.
وهو
ما دحضته آراء غربية منصفة، فها هو مايكل روف
الأثري البريطاني المعروف يقول: "إنه لا
يمكن اعتبار عمليات النهب بأنها فقط تخريب
متعمد، أي شكل من أشكال العصيان المدني،
وإنما هي أعمال إجرامية منظمة".
وشهادة
الكاتب والصحفي البريطاني "روبرت فيسك"
المتخصص في شئون الشرق الأوسط، والذي صاحب
قوات الغزو عند سقوط بغداد التي روى فيها
تجربته الشخصية واستغاثته بالقوات
الأمريكية لإنقاذ المتحف الوطني والمكتبة
الوطنية من النيران التي أضرمها اللصوص
والمرتزقة خلفهم، فما كان جزاؤه سوى السخرية
المريرة دون أي رد فعل يذكر أو تحرك لحجب هذه
المقتنيات عن النار والفناء، وهذا يتفق مع
شهادة أستاذة في جامعة الموصل أقسمت أنها
رأت بأم عينيها "الحافلات الأمريكية"
وهي تنقل اللصوص والرعاع من متحف إلى آخر!.
ويبدو
أنها كانت خطة مدبرة مسبقا في إطار التمويه
الإستراتيجي للحملة العسكرية؛ فعمليات
النهب لا يمكن أن ينهض بها لصوص جائعون
يسرقون الطعام أو عراة يسرقون الملابس؛ لأن
هؤلاء لا يدمرون الجامعات والمتاحف
والمستشفيات والمكتبات العامة والمراكز
الثقافية والعلمية ومقار الوزارات
والدوائر، باستثناء -ويا للمفارقة- "وزارة
البترول" التي خضعت لحماية مكثفة منذ
اللحظة الأولى، وكانت الذريعة الأمريكية-
البريطانية أن القوات مشغولة بأعمال
القتال، وهو تبرير متهاو يهدم بنود "اتفاقية
جنيف" بحماية أرواح المواطنين وممتلكاتهم
العامة والخاصة من جانب المحتل في زمن
الحرب، ومما لا تخفى دلالته في هذا السياق أن
الولايات المتحدة وبريطانيا لم تصدقا على
"ميثاق هاغ" لحماية الممتلكات الثقافية
في حال نشوب نزاع مسلح لعام 1945.
مصلحة
إسرائيل!
لذا
أتى رأي الإدارة الأمريكية، على لسان الرئيس
بوش كاشفا عن العقلية الأمريكية ومسئولية
الأمريكيين عن هذا الدمار الوحشي والخراب
الثقافي في العراق، عندما قال: "المتحف
كان حادثا رهيبا، وأتفق مع الأشخاص الذين
يعبرون عن أسفهم لحدوثه"، ثم أردف: "أنا
راض عن مستوى هذا الشغب أو سمه كما تشاء؛ لأن
فيه تفريجا عن النفس"!، بمعنى أن
العراقيين يمارسون حريتهم "كذا" بعد
عقود الاستبداد الصدامية، هذا ما عبّر عنه
رئيس الدولة التي تعتبر نفسها راعية المدنية
والحضارة والرقي في هذا الزمان.
"إنه
راض عن هذا الشغب"!، وهو رأي مخجل مسف كشفت
عنه بوضوح استقالة المستشار الثقافي للرئيس
الأمريكي الذي استقال من منصبه لأن ضميره لم
يتحمل ما حدث للمنارات الثقافية في العراق،
باعتبار أن واشنطن مسئولة عنه بالتبعية، بل
إنها تورطت فيه بالفعل وفقا لخطة أمريكية-
إسرائيلية متفق عليها.
فعلى
حد قول الجنرال "أنتوني زيني" الرئيس
السابق للقيادة المركزية الأمريكية فإن
أسوأ خبر تم كتمانه في واشنطن هو أن
المحافظين الجدد شجعوا الحرب على العراق
لمصلحة إسرائيل، بينما يقتبس المؤرخ
الأمريكي الشهير "شليزينغر" مقولة
البروفيسور "نورتان": إن خطة وولفويتز -مساعد
وزير الدفاع الأمريكي ومهندس الحرب على
العراق آنذاك- الإستراتيجية بعد 11 سبتمبر 2001،
كانت مبنية في مفهومها ومداها الجغرافي حول
مركزية إسرائيل.
ويمكن
فهم هذه الإستراتيجية على أنها تربط تقدم
المصالح الأمريكية والأمن بمصالح دولة
إسرائيل وأمنها، وربما فسر هذا أيضا أن أهم
المجموعات الأثرية التي نهبت وسربت إلى خارج
العراق هي لوحات السبي البابلي "اليهودي"
التي تصور انتصار الملك نبوخذ نصر في معركته
مع اليهود وتدميره مملكتهم وأسره من بقي حيا
منهم!، ويقال إن هذا حدث بيوم واحد قبل النهب
والسلب، بما يعيد التذكير برؤية "دانيال"
الذي دعا إلى إنشاء إسرائيل وصب اللعنة على
أهل بابل، فهل آن الأوان للقوم أن ينتقموا
لما سلف؟!.
وقد
أوضحت مشاهد هذه الكارثة أن هناك تركيزا
موجها على نهب وتدمير المؤسسات التاريخية
والثقافية، حتى بعد وقف القتال، ولا يزال
النهب مستمرا دون أي محاولة جادة لوقفه، أو
حتى تحجيمه.
ولو
ضربنا مثلا واحدا من بين آلاف الأمثلة،
فسنكتفي بما قرره فريق التحقيق الأمريكي
الذي وصل متأخرا، بعدما خربت بغداد، من أن
اللصوص الذين نهبوا وأتلفوا ثلاث مجموعات:
الأولى كانت تعرف ما تبحث عنه واختارت قطعا
من قاعات العرض، والثانية دخلت المخازن
وكانت تعرف المتحف وطريقة عمله، والثالثة
اللصوص العشوائيون.
أي
إن هناك عملا مدبرا بعناية شاركت فيه فرق
وخبراء من دول لها مصلحة فيما حدث ويحدث، دون
توضيح أو إشارة لا لزوم لها.
لقد
تراوحت الإحصاءات الصادرة عن جهات علمية
إقليمية ودولية حول التحف والآثار
والمقتنيات والكنوز العراقية التي نهبت
وسربت إلى متاحف الغرب وقاعات مزاداته ما
بين 20 و30 ألف قطعة متنوعة، ولا يدخل تحت هذا
العدد ما تم إحراقه أو إتلافه من مخطوطات
ووثائق ومقتنيات، وهو ما تغاضى عنه أيضا "جان
- مارى أرنو" الخبير الذي جاء إلى العراق
لمعاينة حال المكتبات، بتعبيره اللافت: "لم
تقع كارثة رئيسية، فلا يهم تدمير أو فقدان 30%
من مقتنيات المكتبة الوطنية، أي نحو 540 ألف
مجلد، و90% (أكثر من 90 ألف مجلد) من الكتب
المطبوعة لمكتبة الأوقاف التي وصفها "أرنو"
بأنها دينية وليست عامة كبقية المكتبات، على
الرغم من أن هذه المكتبة كانت تحتوي على
مجموعات أصيلة وراقية.
أساطيل
الدم!
 |
|
مشهد صنعه الاحتلال
|
تتعرض
مدن كثيرة للحرب فتصاب بالتمزق في نسيجها
الاجتماعي والسكاني أو تكون ضحية التدمير
الوحشي، وهكذا أمست بغداد خرائب، باستثناء
المنطقة المسماة "الخضراء" ولسان حال
أهلها: هل جاء الأمريكيون لتحريرنا أم
لنفطنا أم انتقاما للسبي البابلي؟! فقد وقفت
الدبابات الأمريكية تطوق المتحف الوطني
العراقي وأطلقت طلقتها الأولى باتجاه بوابة
المتحف لتدمرها، ثم لتنقل الأعمال التي تمثل
حضارات أور وسومر وآشور، وأكد والحضر وبابل،
والآثار الإسلامية إلى أماكن غير معلومة.
فالعراق
قدره أنه على مفرق الغزاة في أساطيل الدم
وطرق الحرير، وما زال العراق جسدا يُعذب في
"أبو غريب" وغيره، والعصي والطلقات
واللعنات تنهال على العراقيين وشظايا
الجمرات في قلوبهم وأيديهم بعيدا عن "أوهام
النجدات"، ومعها أو بدونها "أوهام
الحرية"، بما يجسد المأساة وصفاقة
التاريخ وسخريته السوداء، حيث التقى رافدا
الديكتاتورية السافر "الداخلي"
والمقنع "الخارجي" ليغمرا العراق وأهله
وفنانيه وكتابه وتراثه وأمجاده بالدماء دون
أن يعني هذا أن الغاصب قد أفلت بالغنيمة؛
فمأزق أمريكا أشد ما يكون خطورة وحرجا؛ فهي
لا تستطيع البقاء بهدوء، ولا تستطيع
الانسحاب، ولا يزال الفخ ينغلق على آمالها
وعلى قواتها، بعدما فتحت أبواب جهنم على
العراق والمنطقة والعالم، في محاولة لتدجين
الأسد البابلي وسجنه!.
وبعد
ثلاث سنوات من الغزو ما أشبه الليلة
بالبارحة، ولا نملك في ظل هشاشة الموقف
العربي سوى صرخة من أجل شعب العراق نفسه الذي
تجري في شرايينه لا أنابيب النفط، بل أنسجة
الدماء الخلاقة والإباء والعبقرية والحيوية
والوفاء.. صرخة من أجلنا، نحن توأم العراق،
أهل هذه المنطقة من العالم، حيث تجري
محاولات طردنا من تاريخنا وتضييق خياراتنا
وحرياتنا وإدراج حياتنا وبلادنا في الظلام
المرعب!.
اقرأ
أيضا:
**
صحفي وناقد أدبي يعمل محررا في صحيفة
الأهرام.